ما الذي يتحكم في حياتنا، سؤال تكرره إذاعة الـ «بي بي سي» يومياً وعبر أكثر من نشرة طارحة إياه على شخصيات من كافة أنحاء الوطن حيث لكل منهم حدث يتحكم بحياته، فالشعراء يحكمهم الشعر، والساسة تحكمهم أهواء الحكم، والأغنياء تحكمهم نقودهم، والمطربون يحكمهم الفيديو كليب.

ومشاهير النساء تحكمهن تجاعيد الزمن، وبالتالي لا يعترفن بحكم طبيب التجميل، بل معظمهن يشدّن بالأحفاد خاصة أن البرنامج مسموع وليس مرئياً فلا تجاعيد تظهر ولا ترهلات تحت الذقن، ماالذي يحكم حياتنا، سؤال ذكي في مشروع اعترافي عملاق يريد تصنيف البشر في ثقافة واحدة، هي البوح المجروح.

وعند البوح يتوقف الشرق الحزين صامتاً مبتلعاً أحزانه، فنحن أكثر شعوب الأرض كتماناً وصمتاً وإذا أردنا أن نقول شيئاً من دواخلنا قلناه مواربة تيمناً ببيت الشاعر:

إذا جئت فأمنح طرف عينك غيرنا

كي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر

ولأننا أقل شعوب الأرض في فهم وإنتاج ثقافة الاعتراف ترانا نطرز ماضينا ببطولات الأجداد وننسب إليهم ما لا ننسبه إلى أنفسنا مدركين أن العالم يعرف خواء ما نحن فيه فالأفضل أن تتباهى القرعاء بشعر ابنة خالتها.

كلما أراد أحدنا الاعتراف جمّل كلامه بعبارات لا تمت كثيراً إلى الحقيقة بصلة، فلو أردنا أن نكتب بعضاً من حياتنا السابقة لقمنا بعملية مونتاج لحذف بعض المشاهد من مسلسل الحقيقة، وقدمنا مشاهد مشتهاة لم تحدث أصلاً، بل لقمنا باستعارة مشاهد سينمائية وأضفناها إلى اعترافنا لنصبح أبطالاً.

لماذا لا نقول علانية ما الذي يتحكم في حياتنا، أليس من المنطق أن نعترف ببعض المشكلات التي تواجهنا، هل نخاف من أن يضحك الآخرون علينا لو قلنا الحقيقة، حقيقة من نحن ولماذا تحكمنا أشياء وأمور لا نستطيع الفكاك منها.

ولعلها تلك هي المشكلة الأولى في حياتنا وهي أننا لا نعرف حقيقة من يحكمنا، والسؤال ليس بمعناه السياسي الأمني، بل بمعناه الارتهاني القائم على الاستلاب والشعور بضآلة القدر أمام شيء أكبر سواء أكان شخصاً أم فكرة أم مجتمعاً أم اعتقاداً، المهم نحن محكومون له وهو الذي يسيطر على حياتنا.

قلائل الذين يعترفون أن الحب يحكم حياتهم، لأن العشاق الحقيقيين نادرون، وقلائل هم الذين يقولون البيت سيدنا والعائلة مرجعنا، وقلائل هؤلاء الذين يدركون موقعهم في الحياة من خلال علاقتهم بمحيطهم الاجتماعي سياسياً واقتصادياً ومهنياً فيعترفون أن شركات الأغذية العملاقة تتحكم بحياتهم، أو مديري العمل يسيطرون على كيانهم، فتراهم لا حول لهم ولا قوة.

لكن أكثرهم بؤساً هؤلاء الذين يعيشون في عصرنا الحاضر ولكنهم محكومون لفكرة الماضي دينياً وعقائدياً ويريدون تطبيق خمسة عشر قرناً ماضياً على يومنا الحالي، وبالتالي لا يعود ينفع معهم كلمة (محكومين) بل (موهومين) والوهم مرض يشبه السرطان لا شفاء منه إلا بمبضع الجراح.

ما يحكمنا اليوم ثوان سريعة عبر الأثير فيها الكثير من التجميل والتذويق، وقليل من الحقيقة.

التجميل عندما قالت حنان عشراوي إن حفيدها يحكم حياتها! والحقيقة عندما قال شوقي بزيع إن ميليس ديتلف يحكم حياته.

hussain@albayan.ae