نص حوار أجراه المحرر الأدبي لصحيفة «الإندبندنت» مع الروائي الروسي «بوريس أكونين» حول روايته الأخيرة «موت أخيل» الصادرة عن دار أوريون للنشر (ترجمها إلى الإنجليزية أندرو برومفيلد). روايات بوريس أكونين البوليسية التي تقع أحداثها في روسيا القيصرية أبهجت قراءها المنتشرين في مختلف أنحاء العالم. في هذه المقابلة نتحاور معه حول واقع الرواية البوليسية الموسكوفية بين الماضي والحاضر.

يقول غريغوري تشخارتشفيلي «الواقع أنه لا يوجد سوى نوعين من الكتب ـ الكتب المملة والكتب غير المملة» هكذا بوريس أكونين الذي تصنف رواياته بقوة في خانة الكتب غير المملة. إنها روايات تدور حول مغامرات رجل التحري النشيط إيراست فاندورين أما أحداثها فتقع في مرحلة متأخرة من تاريخ روسيا القيصرية، وهي في مجملها توليفة ساحرة من قصص الجريمة والمغامرات، تبدو شبيهة بتلك المشاهد التي تظهر فيها مجموعة من رجال التحري الذين يقومون بالتفتيش في واحدة من روايات دستويفسكي.

بدأت الفكرة بإيحاء من زوجته التي حفزته على كتابة قصص الإثارة أثناء تذمرها من عدم توفر رواية جريمة جيدة المستوى في روسيا .أثناء لقائنا الذي جرى في شقته اللندنية، الواقعة بالقرب من كاتدرائية سانت بول، سألته عن الأسباب الكامنة وراء الإعجاب الشديد الذي يكنه أبناء الشعب الروسي للحقبة القيصرية.

أجاب مبتكر شخصية فاندورين «الواقع أن كون بطل الرواية تحرياً تاريخياً لا يمكن اعتباره مهماً. ما يهم هو أن هذا النوع من الكتابة كان مطلوباً من قبل القراء الروس إلا أنه لم يكن موجوداً في روسيا. في الحقبة الشيوعية، كان قطاع النشر خاضعاً لسيطرة الحكومة. وكانت هنالك سوق سوداء تباع فيها الكتب المطلوبة، كما كانت هنالك ملايين الكتب التي لا يشتريها أحد».

غير ان السوق شهدت تغيراً دراماتيكياً عنيفاً : كان هنالك الكثير من العنف والوحشية والإنغماس في الشهوات. بحلول منتصف التسعينات، لم يكن هنالك سوى نوعين من الأدب إما أدب النخبة المعبرعن الثقافة الرفيعة أوالأدب الهابط اللذين لا ثالث بينهما. أما أعمالي فهي من فئة الأدب الجماهيري الواسع الإنتشار الموجه إلى الأشخاص الذين يتمتعون بقدر من الثقافة، الذين يميلون إلى استخدام عقولهم».

إلا ان كتبه لا تعبر عن التهرب من الواقع. إن تعليقات أكونين على الأوضاع التي تعيشها روسيا الحديثة من خلال رواياته، ما هي إلا نوع من الإستمتاع الذي يشعر به وهو جالس في منزله. على الرغم من أن الرواية الأخيرة في سلسلة روايات فاندورين، موت أخيل، تقع أحداثها بشكل واضح في القرن التاسع عشر،

إلا ان موضوعها الذي يلقى الضوء على حياة السياسيين الفاسدين الذين يعقدون صفقاتهم القذرة في محيط المبنى الذي تقع فيه كاتدرائية المسيح المخلص تجد لها صديً عميقاً في حياة الموسكوفيين المعاصرين. يعلق على هذه الجزئية بالقول «على الرغم من تدمير الكاتدرائية الذي حدث بالتزامن مع الثورة البلشفية، إلا أن الروس يعيدون بناءها الآن. لقد قاموا بجمع الأموال من أجل ذلك وقد تخللت هذا الحدث كل أشكال الإرتشاء والفساد».

الواقع أن لدى أكونين المقدرة الذهنية الحادة التي تؤهله للمساهمة في الجدل الدائر حول ما إذا كان ينبغي للكتاب التاريخيين أن يعيدوا، صياغة الماضي بتفاصيله الشديدة الدقة. يوضح ذلك «إن رواياتي تحتوي على مفارقات تاريخية، وهو ما يذكر قرائي بأنها تتجاوز كونها مجرد سرد تاريخي لا أكثر.

الحقيقة أنني أتعمد القيام بهذا الشيء ـ إنني أقدم بعض التقنيات التي أعلم أنها لم تكن موجودة في تلك المرحلة من الزمن. أو أستخدم، مرة أو مرتين، عبارة مقتبسة من لغة أخرى، لكي يتسنى للقاريء أن يفاجأ بها ثم يقول لنفسه «إن هذا الكاتب يمزح، هذه أشياء غير صحيحة، إنها ليست تاريخاً».

أنت تسعى إلى كتابة الرواية الشعبية الرائجة، ما مدى ما ينطوي عليه هذا العنصر الروائي من أهمية؟ الواقع أنه شديد الأهمية إن كافة أشكال اللعبة الإبداعية والتلميحات ـ ليست مهمة بالنسبة لتسعين بالمائة من قرائي. وفي قصص المغامرة والإثارة تكون الحبكة هي الشيء الوحيد المهم. وما يتبقى بعد ذلك هو مجرد ديكور.

هل سبق لك مشاهدة لعبة الماتيروشكا الروسية؟ إن غالبية الناس لا تدري أنها تحتوي على لعب أخرى مخبأة بداخلها. اللعبة الخارجية الكبيرة الحجم ينبغي أن تكون جميلة. وإذا كان القاريء ماهراً، فسيعرف كيف يفتحها. عندها سيكتشف لعبة أخرى، وسيستمر في الفتح إلى أن يصل إلى أصغرها حجماً.

ومع ذلك فلن يتمكن من التعرف على أصغرها فعلاً لأن هنالك مستويً معيناً من الكتابة يخصني أنا وحدي، ولا يمكن لأحد أن يفهمه: رموز، فكاهة، أشياء لا أحد يعرفها غيري. هذه الأشياء أشعر بالمتعة في كتابتها».

في رواية موت أخيل، ينجح أكونين في رسم شخصية شديدة السوء تشعرك بروعتها. هي شخصية أخميس فهو ينحدر من الطائفة المورافية المستأصلة الجذور، حيث تلعب ملامحه الجرمانية الشمالية الضخمة دوراً في عزله وحمل الآخرين على كراهيته. في طفولته، تمر أمام عينيه مشاهد مليئة بالوحشية وما أن يصبح يتيماً حتى يخوض غمار صراع قاس من أجل الحياة.

الواقع أن هذا هوالعنصر اللازم لكتابة رواية الجريمة الجيدة، شخصية النذل التي تتوفر فيها الفتنة. في هذه الرواية يتحول بطل أكونين إلى قاتل مستأجر يقتل بدم بارد.

يقول «لا بد من أن يحملك الأنذال على التفكير. أما أنا فقد كنت أسعى إلى فهم عقلية رجل بهذه المواصفات الرهيبة. الحقيقة أنه لا بد وأن توجد مبررات لذلك. إذ ليس من المهم أن تتخيل قاتلاً مستأجراً .... لو أن هذا الشخص كان حيواناً غير سوي، لا بد وأن يكون قد عاش في عالم غريب فعلاً. كنت أسعى إلى إعادة بناء هذا العالم».

إن شخصيات أكونين تبدو كلها معقدة إلى حد ما بما فيها شخصية «ماسا» الشهيرة في روسيا. أما فاندورين فهو شاب، أنيق، ثري ومتقد الذكاء، وعلى الرغم من ذلك فإن لديه نزوعاً شديداً إلى الكآبة. يقول «أنه يعيش في مرحلة تعيسة من التاريخ، دراماتيكية وتراجيدية، وهو روسي أصيل، ما يعني نزوعه إلى الشك، وانعدام الثقة في الذات، الصفات ذاتها التي يتميز بها المثقف الروسي وهو ما أجده غاية في الجاذبية».

يعبر أكونين عن شكوكه تجاه الشخصية الروسية الوطنية، ما إذا كانت موجودة فعلاً، إلا انه يضيف «هنالك بعض الملامح المعروفة عنها أراها مثيرة للإشمئزاز بالفعل هي عدم الشعور بالإلتزام، انعدام الشعور بالخصوصية. لكن ما هوالشيء الجيد ؟ إنه النهم الثقافي ـ لا يمكنك أن تروي ظمأ المثقف الروسي، سيكون بحاجة إلى المزيد باستمرار. إضافة إلى الشعور بما يشبه الحرية الدينية وعدم التعصب».

إلا أن ثمة مستقبل مشرق يقف بانتظار فاندورين على الرغم من كآبته المزمنة. « فهو يتنقل من رواية إلى رواية بين سعود الحياة ونحوسها. الحقيقة أن نجمه سيصعد أكثر فأكثر. وسينتهي ذلك على نحو ما يحدث بالفعل في النزاعات الروسية بين الفرد والسلطة» سيضاف إلى القصة كذلك مظهر آخر من مظاهر الحياة المعاصرة. يضيف تعليقاً آخرسالواقع أنه يمكنك أن تحرز نجاحاً ملحوظاً في روسيا وكذلك يمكنك أن تحافظ على استقامتك في حدود، فإذا تجاوزت هذه الحدود، ستكون قد اخترت إما الفساد أوالفشل في إحراز أي تقدم.

الرواية الجديدة هي الرابعة في سلسلة روايات فاندورين المترجمة إلى الإنجليزية، على الرغم من وجود أعمال أخرى للمؤلف. تحتوي هذه المجموعة من الروايات على سلسلة من القصص البوليسية ينتظر أن تنشر ترجمة أولاها إلى الإنجليزية خلال السنة القادمة 2006. إضافة إلى رواية جديدة من روايات فاندورين ستنشر قريباً وأخرى سادسة.

يقول عن كونان دويل مخترع روايات شيرلوك هولمز المحرض الأساسي على كتابة رواياته « لقد عشقت كل هذه المجموعة من... القصص في طفولتي.

وإلى الآن فإن تقديري لا يوصف. الحقيقة أن هناك مدرستين أساسيتين للرواية البوليسية الكلاسيكية هما مدرسة أجاثا كريستي ومدرسة كونان دويل. بالنسبة لدويل أرى أن عملية القراءة تأتي كشيء أكثر أهمية من الحبكة ذاتها.

أما بالنسبة لكريستي فإن العكس هو الصحيح، نظراً لما تحتوي عليه حبكاتها من حيلة وبراعة حتى انها تقوم على تجريد أبطالها من الحيوية لكي يمكنها ذلك من التأثير في القاريء، وهكذا فأنني أنتمي إلى مدرسة كونان دويل، وكان طموحي العظيم في البداية أن أتمكن من كتابة رواية بوليسية، كلما أعاد المرء قراءتها كلما اكتشف أشياء جديدة».

حقائق عن بوريس أكونين

ـ بوريس أكونين 1956 روائي وكاتب ومترجم روسي. من الأصوات المؤثرة في الأدب الروسي المعاصر. من مواليد جورجيا. تنقل بين موسكو واليابان ويعيش حالياً في موسكو.

عمل مساعد مدير تحرير مجلة «الأدب الأجنبي» إلى سنة 2000، حيث تفرغ للكتابة الإبداعية.

ـ له عدة مؤلفات في النقد الأدبي والترجمة أهمها «الكاتب والانتحار»، و«مختارات مترجمة من الأدب الياباني».

ـ من أعماله الروائية المهمة «النورس»، «خليلة الموت»، «حكايات خرافية»، «المغامرة التركية»، «لوثايان».

ـ ترجمت رواياته إلى عدة لغات منها الإيطالية والألمانية والفرنسية واليابانية.

ـ رشح لنيل جائزة سميرونوف (بوكر الروسية) للإبداع سنة 2000، وأعلن اسمه كأفضل روائي روسي للعام نفسه.