هذه دراسة رائدة للدكتور حماه الله ولد السالم يقدمها مركز دراسات الوحدة العربية تأكيدا لدوره العروبي وفي الربط بين جميع أجزائه. وهي دراسة تحاول أن تؤكد من خلال الغوص في التاريخ على حضور موريتانيا أو بلاد شنقيط كما كانت تسمى عربيا ونخبتها العالمة في ذاكرة علماء وأدباء العرب وجوانب التواصل الفكري بين الطرفين من خلال المراسلات والإجازات العلمية والرحلات الحجية الى غير ذلك.

وبذلك تزيل الغبار المتراكم بشأن هذا البلد العربي الذي ما زالت مكانة أعلامه عربيا منسية من الموسوعات والمعاجم العربية ولا تزال كتب المناهج المدرسية خلوا من التعريف به مكانا وزمانا. والأدهى من ذلك والأمر، حسبما يقول المؤلف، أن البلد ينتكس ما قدم عنه كلما ازداد الشرخ في النظام السياسي العربي الرسمي أو وهن الجسم العربي الجديد حيث لا تزال تنشر على الملأ العربي بين الفينة والأخرى مقالات لكتاب عرب تمس موريتانيا في عروبتها عن حسن نية أو بسوئها.

في محاولة تحديده للعامل الرئيسي وراء غياب موريتانيا عربيا يشير الدكتور حماه الله إلى أن هذا العامل ليس عاملا سياسيا لأن موريتانيا انضمت منذ عقود للنظام السياسي العربي واحتضنها العرب سياسيا وماليا، وإنما يعود هذا الأمر إلى عامل معرفي يتمثل في عدم اندماج موريتانيا في النسق الثقافي العربي المعاصر رغم حضورها القوي في الذاكرة الثقافية العربية في القرون الماضية، أي أن هناك انقطاعا بين هاتين الذاكرتين لكن له أسبابه الموضوعية تاريخيا وأيديولوجيا.

ومن خلال الدراسة يعرض المؤلف لجذور التواصل الفكري بين موريتانيا والبلاد العربية الاخرى لاسيما المشرق العربي خلال الفترة ما بين القرن الخامس عشر وحتى القرن العشرين واستجلاء مراحل التواصل وخصائصها الفكرية ومنعطفاتها الحاسمة ضمن تاريخ الثقافة العربية عموما.

كما يعرض للتحول الذي حصل في تصور العرب حول البلاد الموريتانية ونخبتها العربية مع العهد الاستعماري وما تلاه وتحليل أسباب الانقطاع التي عرفها التواصل ونتائجها على صلة هذا القطر بالأقطار العربية. ويصحبنا المؤلف من خلال دراسته في رحلة مع عهود النهضة العلمية والفكرية في مراكز الثقافة الإسلامية في موريتانيا وتواصلها المتوالي مع حواضر المشرق والمغرب إلى أيام الاندماج الموريتاني في النظام العربي.

من التسمية يبدأ الدكتور حماه الله محاولة فض بعض الالتباسات التي أحاطت بموريتانيا فيشير إلى أن الاسم أطلق على قبائل موريتانيا في عهد الاستعمار الفرنسي وصفا لقبائل البيضان «المور» وبلادهم موريتانيا وهو الاسم المحلي الأصيل لبلاد البيضان ومع ذلك فإن الحديث عن موريتانيا الأمس، حسبما يشير الكتاب، وصلاتها العربية سيبقى مرتبطا بشنقيط والشناقطة لا محالة. فقد كان العلماء الموريتانيون ينسبون أنفسهم الى شنقيط بعد أن يحددوا النسبة القبلية والمدينية والجهوية.

وعلى الرغم من أن اسم مدينة شنقيط أطلق على البلاد وسكانها عربيا فإن الدكتور حماه الله يشير الى أنه لا ينبغي أن يخفي تاريخية التسمية بوصفها لا تعدو كون شنقيط نشطت كمحطة على طريق القوافل نحو الشمال والشمال الشرقي فكانت الأقرب جغرافيا والأسهل عمليا على طريق حجاج البلاد فكانوا يجتمعون بها انطلاقا من كل جهات البلاد أو يمرون بها.

ومع تدهور وضع المدينة لم يعد الموريتانيون يعيرونها الأهمية فكان الوصول الى ضرب من التوفيق يراه الدكتور حماه الله كان ضروريا وحاسما بين مرجعيتهم العربية وجوارهم الأفريقي على نحو انتفى معه أي قلق في تلك الهوية وإنمحت منه كل شوائب العجمة. فاسم موريتانيا على الرغم من كونه الاسم القديم للممالك الرومانية والبيزنطية في شمالي افريقيا فإن أصل التسمية غير أجنبي بل هو متصل بلفظ «آتمورتناغ» ومعناه في الأمازيغية «أرضنا» ثم أن موريتانيا، حسبما يشير المؤلف، ارتبطت بالمور وهي القبائل شديدة الشكيمة التي ناهضت الرومان وغيرهم من المحتلين القدامى.

ومن التسمية التي خصص لها جانبا كبيرا من الفصل الأول يعرض المؤلف للمحددات التاريخية لهوية البلاد وسكانها من خلال وضع بعض الشهادات في سياقها الزمني والمنطقي لتوكيد وحدة الفضاء الشنقيطي الذي بدأت معه الصلات الفعلية المتصلة بالعرب المشارقة والمغاربة برغم أن جذور هذا التواصل تعود الى عهود الفتح العربي للصحراء والى صعود حركة المرابطين،

إلا أنه لم يكن هناك تواصل فكري حقيقي كذلك الذي نهضت به النخبة الشنقيطية التي بدأت تفد الى المشرق بعد أن تبلور كيان حضاري محدد تنتمي اليه وتمثله وهي مرحلة تنطبق بشكل خاص على الفضاء الثقافي لمنطقة غرب الصحراء بعد أن أصبح يعرف مشرقياً ببلاد شنقيط وينسب اليه القادمون منه فيعرفون بالشناقطة.

ويوضح المؤلف في هذا الخصوص أن مجال دراسته الذي سمي محليا ببلاد بيضان وعربيا بلاد شنقيط يشمل مكانا أوسع من موريتانيا الحالية، حيث يتضمن ما يلاصقها شرقا وشمالا من المجالات التي تعمرها القبائل العربية البيضانية التي تقطن ضمن الحدود الرسمية للمغرب والجزائر ومالي حاليا.

ويشير المؤلف الى أن تسمية الشناقطة تسمية ذات محامل حضارية وثقافية منسجمة صيغت في المشرق بإقتراح من المشارقة وتقبلها الشناقطة عن طيب خاطر في سياق عريض تبيح ملابساته القول إن الهوية الشنقيطية ولدت في المشرق أو على الأقل كانت من نتاج الثقافة المشرقية وهمومها الاجتماعية الحضارية.

ويقدم المؤلف في الفصل الثاني ما يسميه لوحة لقنوات التواصل بين موريتانيا والأمصار العربية الأخرى كالحجاز ومصر والمغرب وغيرها وركز على أهم تلك القنوات وهي ركاب الحاج التي انتقلت عبرها وبها القيم الدينية والأفكار والمعطيات الثقافية والحضارية المشرقية والمغربية بما فيها بضاعة الشناقطة من نثر وشعر وفقه أفاد منها عرب الأمصار ومن نكت وذائقة استطرفها أهل تلك الديار.

وحسبما يشير المؤلف فإنه منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي ازدهرت العلاقة الفكرية المشرقية الشنقيطية في ظل الصلات التجارية والحضارية الوثيقة بين الممالك الإسلامية في غرب افريقيا ونظيراتها المصرية (الطولونية، والأيوبية، والمملوكية..) وعلاقات المجتمع الأهلي الشنقيطي بمثيله في الحواضر المشرقية. وكان لركب الحج التكروري، حسبما يشير الكتاب، الذي ظل الشناقطة ينضمون اليه، دور بارز في نقل المؤثرات الفكرية المشرقية الى غرب الصحراء.

وتصل الدراسة الى أن الشناقطة كانوا خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين (السادس عشر الى السابع عشر الميلادي) في أوج صلتهم بالروافد الثقافية المشرقية، بحيث وصلوا الى الحجاز حجاجا وطلاب علم ومروا بمصر مسترفدين متلقين فنقلوا الى بلادهم المتون والإجازات المشرقية المهمة،

لكنهم لم يكونوا متلقين سلبيين حيث استوعبوا المنظومة الفروعية المشرقية وأعادوا إنتاجها بشرح متونها والتحشية عليها، وأدى ذلك الى أن أصبحت بلاد شنقيط طرفا فاعلا في علاقاتها الفكرية مع المشرق وهو الأمر الذي تمثل في الإنتقال الكثيف من قبل الشناقطة ومن في حكمهم الى المشرق الذي أضحت أسانيد وإجازات علمائه خلال هذه الفترة تبركية أساسا وذات قيمة تدريسية متواضعة.

ثم يعرض الكتاب بعد ذلك الى التواصل العربي لموريتانيا في عهد النهضة العربية خلال القرن التاسع عشر الى القرن العشرين، مشيراً الى أنه لم تأت نهاية تلك الفترة إلا وقد تكامل حضور قوي من قبل مثقفي الشناقطة في المشرق العربي فساهم علماء أجلاء مثل محمد محمود الشنقيطي في بواكير نهضة الآداب العربية بما حققوه من الأمهات ونشروه من التصانيف وبما أثروها به من نقاشات علمية تركت في نفوس المشارقة آثاراً كبيرة وفي بلاد المشرق عموما صيتا للشناقطة لم تطمسه الأيام.

غير أن المؤلف رغم ذلك يشير الى صعوبة أن يصل الى القول ان الشناقطة قد أثروا على مسار الحركة الفكرية المشرقية لأن هذه الحركة كانت متبلورة ضمن عملية تكوينها التاريخي في رحاب المركز، وظلت هياكلها تترسخ مع مرور الأيام ورغم ما مرت به من أطوار الجمود والإنحطاط إلا أنها على مستوى مصر مثلا كانت تظل محتفظة بدمائها ورماد فكرها الذي لا يخبو.

ومواصلة لرحلة التواصل يقدم المؤلف شهادات ونصوصاً عربية عن موريتانيا لكتاب وسياسيين وصحافيين مختلفي الأقطار والميول والمنهج، وترجع كتاباتهم إلى عهود متقاربة أغلبها بين فترة النضال الوطني في موريتانيا (1945- 1955) وعهد نشأة الدولة في الاستقلال الجزئي والكامل (1957- 1960) ووضع هذه الشهادات في سياقها التاريخي السياسي والفكري لموريتانيا المعاصرة من دون إصدار حكم محدد عليها تاركا المهمة للقارئ العربي.

وفي سياق هذا الاستعراض يشير المؤلف الى أن الاستقلال كان عملية صعبة نتيجة الوعي الوطني والتجاذب الفرنسي المغربي الأمر الذي صاحبه إشفاق من الكتاب العرب على هذا الاستقلال، لأنه في نظرهم سيطرة فرنسية على موريتانيا لان الجمهورية الأفريقية الجديدة ستحصل على الاستقلال التام ثم يتلو ذلك انضمامها إلى الأمم المتحدة، وعلى ذلك فقد كان من الواضح،

وفق رؤية هؤلاء الكتاب في ذلك الوقت، أن بقاء هذه الدولة الجديدة في أسرة الدولة الفرنسية يجعل استقلالها وثرواتها المعدنية العظيمة تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي.

ويشير المؤلف الى أن الحال وصل بالبعض الى حد اعتبار الوضع في موريتانيا بمثابة فلسطين أخرى ممثلا في الهجرة غير المشروعة التي تتدفق يوميا عبر نهر السنغال تحاول أن تطمس عروبة موريتانيا، والعرب عنها غافلون وعلى ذلك فقد كان الحل الوحيد، من وجهة نظر هؤلاء، إيقاف التجنس وقفا تاما حتى يصبح للبلاد جهاز يحد من هذه الهجرة المريبة التي تهدد بجعل موريتانيا فلسطين أخرى في أقصى الطرف الجنوبي الغربي من الوطن العربي الكبير.

وفيما يبدو محاولة لتفنيد التهم الباطلة التي يحاول البعض عن عدم دراية إلصاقها بموريتانيا يشير الى كتابات موريتانية توضح أن بلادهم بعد استقلالها لم تقصر في حق الثورة الفلسطينية من دعم في المحافل الدولية ومنح جوازات سفر دبلوماسية للشخصيات الفلسطينية واستقبال الفلسطينيين ومعاملتهم معاملة متميزة.

ومع إقراره بأن وضع موريتانيا من حيث فقرها وكونها لا تحوز ثروة بترولية يعدان من الأسباب الفاعلة في غبش صورة البلاد وضبابيتها، إلا أنه يشير الى أن العامل الجوهري يبقى الانفصام الذي تم بين قرون من التواصل مع عمقها العربي وبين مرحلة سيطر فيها الاستعمار على العباد والبلاد وربطها بمستعمراته في السنغال وتكريس ذلك مع همزة الوصل، فانطمس علم البلاد وأعلامها في الذاكرة العربية ولم تجد الكتابات المعاصرة في جلاء تلك الصورة إلا قليلا.

ويخلص الدكتور حماه الله في كتابه الى مجموعة توصيات يأتي على رأسها ضرورة إنجاز أعمال جادة حول تاريخ موريتانيا وجذورها العربية عبر التاريخ ودمجها في البرامج التربوية العربية، الى جانب العمل على توفير تمويل عربي عاجل لنشر التراث العربي الموريتاني ونشر الدراسات العربية الموريتانية التي تواجه الإهمال بفعل السيطرة الفرانكفونية،

وكذلك العمل على إنجاز كتاب مرجعي حول تاريخ موريتانيا، وفيلم وثائقي حول تاريخ البلد وثقافته وصلته بعمقه العربي ومقاومته للاستعمار، وأخيراً ترجمة أعمال أساسية عن موريتانيا باللغات الأجنبية لمكافحة الصورة الخاطئة التي تروجها المنظمات الصهيونية والفرانكفونية عن هذا القطر العربي دوليا.

ألفت عبد لله

الكتاب : موريتانيا في الذاكرة العربية

الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية

بيروت 2005

الصفحات : 331 صفحة من القطع الكبير