مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والناقد دونالد ب. ماكروري المختص بتاريخ الآداب الإسبانية والأوروبية. وهو هنا يقدم سيرة حياة أكبر كاتب في تاريخ اسبانيا: انه ميغيل دو سيرفانتيس مؤلف رائعة الآداب العالمية: دون كيشوت.

ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: ولد سيرفانتيس في منطقة قريبة من مدريد عام 1547 وكان والده طبيباً جراحاً يزعم أنه من نسل النبلاء الاسبان.

ولكن البحوث لتاريخية كشفت أنه من أصل مسلميّ قرطبة الذين اعتنقوا المسيحية بعد سقوط الأندلس ولم يغادروا اسبانيا. وهم الذين يدعون عادة بالمسيحيين الجدد. ولا نعرف شيئاً يذكر عن طفولته وشبابه الأول. كل ما نعرفه هو انه درس على يد أحد النهضويين الادب والشعر.

ثم سرعان ما سافر فجأة إلى روما عام 1569 وعمره اثنان وعشرون عاماً. ونعرف أيضاً أنه ساهم بكل شجاعة وإقدام في معركة «ليبانت» الشهيرة التي جرت بين الأتراك والأوروبيين عام 1571، والتي انتهت بالهزيمة الساحقة للعثمانيين كما هو معروف.

ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد جرح سيرفانتيس في يده اليسرى أثناء هذه الحرب ولكنه استطاع ان يضمد جراحه وينجو منها. وفي السنة التالية انخرط في الجيش النمساوي وشارك في حروب عدة جرت في مناطق مختلفة من بينها تونس.

ولكن عندما حاول العودة إلى اسبانيا بحراً تعرض لهجوم القراصنة من شمال افريقيا فأسروه. وقد ظل خمس سنوات في الأسر حيث اشتغل كعبد لدى المسلمين في الجزائر. ومعلوم انه حاول الهرب أربع مرات ولكنه فشل. ثم ابتسم له الحظ فاشتراه المسيحيون واعتقوه من العبودية والتحق بذويه في مدريد.

وفي عام 1585 تزوج من فتاة تدعى كاتالينا دو سالازار التي تصغره باثنين وعشرين عاماً. ثم نشر رواية رينيه وألف العديد من المسرحيات التي ضاعت ولم تصلنا على الرغم من أنها كانت تمثَّل على مسارح مدريد في ذلك الزمان. فقط وصلتنا مسرحية بعنوان: الحياة في الجزائر.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعد ذلك بسنتين سافر إلى منطقة الأندلس حيث عاش مدة عشر سنوات وهو يقطعها طولاً وعرضاً ويتجول في أقاليمها الساحرة وقد اشتغل في البداية كممون لجنود الاسطول الاسباني الشهير باسم «الأرمادا»، ثم كمحصل ضرائب لاحقاً. وقد سجن في اشبيليه عام 1597 بسبب مشاكله مع مصلحة الضرائب.

وبعدئذ نفتقد اثاره وأخباره حتى نجده يظهر عام 1605 في بلاط أحد الأمراء الاسبان وفي ذات الوقت ظهر الجزء الأول من روايته «دون كيشوت» التي لاقت نجاحاً منقطع النظير فوراً.

وكان نشر هذا الجزء يعني أنه عاد إلى الحياة الأدبية، حياة الكتابة والابداع، من جديد. وفي عام 1607 استقر في مدريد بعد ان اعتلى فيليب الثالث العرش. وفي أثناء السنوات التسع التي بقيت له لكي يعيش استطاع سيرفانتيس ان يرسخ سمعته الأدبية في اسبانيا.

نقول ذلك على الرغم من كل المصائب والنكبات العائلية التي حلّت به عندما مات العديد من أفراد أسرته واحبائه. يحصل ذلك كما لو أن المصائب تشحذ القرائح الأدبية وتجعلها أكثر عمقاً واشتعالاً.. وربما لولاها لما كان كل هذا العمق الذي تتميز به رواية «دون كيشوت» الخالدة.

ثم في عام 1613 نشر كتاباً بعنوان: «قصص قصيرة نموذجية». وفي عام 1614 نشر كتاباً آخر أو بالاحرى رواية اخرى بعنوان «رحلة الى منطقة البارفاس» وفي عام 1615 نشر كتاباً بعنوان: مسرحيات هزلية وفواصل ترفيهية وكذلك نشر الجزء الثاني من رائعته الخالدة: دون كيشوت، وكان ذلك بعد سنة من ظهور تتمة محرفة للرواية على يد شخص مجهول يدعى: أفيلانيدا.

ثم مات سيرفانتيس عام 1616 عن عمر يناهز السبعين عاماً تقريباً. ثم يردف المؤلف قائلاً: ان ما نعرفه عن حياة هذا الكاتب العظيم هو ثمرة بحوث تاريخية عديدة ومتتالية على مدار القرون. وقد ابتدأ المؤرخون الكبار يهتمون به منذ اوائل القرن السابع عشر، أي بعد موته مباشرة في الواقع. فقد كانت روايته مشهورة جداً ولكن لا أحد يعرف أى شيء عنه تقريباً. كانت روايته مشهورة وهو شبه مجهول من الناحية الشخصية.

ولكن المساهمة التاريخية الحاسمة للتعرف عليه وعلى حياته لم تحصل في الواقع الا في بدايات القرن العشرين. عندئذ ظهر مؤرخ يدعى كريستوبال بيريز باستور. وكرس كل جهوده للكشف عن الجوانب الغامضة من حياة هذا الكاتب العملاق الذي لم يشهد له تاريخ اسبانيا مثيلاً. فهو يوضع في مرتبة شكسبير من حيث العظمة الفنية لا أكثر ولا أقل.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد كشف هذا المؤرخ عن عدة مراحل من حياة سيرفانتيس وبخاصة حياته في الأسر في الجزائر، ثم حياته في الأندلس عندما كان جابي ضرائب، ثم بعض الأحداث الأساسية التي أثرت على حياته.

نادرون هم المؤرخون الذين أضاءوا لنا حياته ككاتب أو طباعه الشخصية كإنسان من لحم ودم ومشاعر. ولا نزال حتى الآن ننتظر ظهور سيرة ذاتية نقدية موثقة لحياته. فعلى الرغم من كل ما كتب عنه إلا أن بعض الجوانب من شخصيته لا تزال مظلمة ومجهولة.

مهما يكن من أمر فإن ما نعرفه بشكل مؤكد عن سيرفانتيس هو أن حياته لم تكن سهلة على الإطلاق، وأنه اضطر لتجاوز الكثير من العراقيل والعقبات حتى وصل إلى قمة الأدب الإسباني.

نقول ذلك على الرغم من أن معظم أعماله الشعرية والغنائية اختفت ولم تصل إلينا ولكن ألا تكفينا دون كيشوت؟ ألا تكفي لتخليد اسمه على مدار العصور؟ إن شهرتها لا تقل عن شهرة ألف ليلة وليلة بالنسبة للأدب العربي.

ثم يردف المؤلف قائلاً: والواقع أن سيرفانتيس ولد وعاش في العصر الذهبي لأسبانيا، فقد كانت أكبر قوة عظمى في القرن السادس عشر بفضل أساطيلها التي لا تقهر، ثم بفضل اكتشافها لقارة جديدة هي أميركا، كانت أهم من انجلترا أو فرنسا.

وقد كرس السنوات الأخيرة من حياته للكتابة بعد أن خدم في جيوش ملوك اسبانيا وأوروبا دفاعاً عن المسيحية في مذهبها الكاثوليكي. وقد عاش حياة تسكع طويلة. وربما لهذا السبب نبغ في وصف مغامرات بطله سانشوبانشا في رواية دون كيشوت، فقد كان متسكعاً كبيراً هو الآخر.

ويبدو أنه درس في الجامعة لبعض الوقت، ثم رافق أحد الكرادلة الاسبان إلى روما عاصمة البابوية والمذهب الكاثوليكي. ثم أصبح عسكرياً بعدئذ.

ثم ساهم في معركة «ليبانت» الشهيرة كما قلنا سابقاً، وهي المعركة التي خاضتها أساطيل اسبانيا والبندقية والفاتيكان ضد الأتراك عام 1571، وهزمتهم بشكل ساحق، وقضت على أسطورة الجيش العثماني الذي لا يقهر. وقد فقد فيها ذراعه. وهذا ليس بالشيء القليل. فقد تركت المعركة التاريخية بصماتها على جسده وعقله.

وبعد كل هذه المغامرات في مجال الحياة راح يخوض مغامرة الأدب بنفس القوة والحماسة. وكان أن نتجت دون كيشوت رائعة الأدب العالمي، وفيها يصف مغامرات بطله دون كيشوت دولا مانشا بشكل رائع يكاد يميتك من الضحك..

وكما قلنا فإن الرواية مشكَّلة من جزئين اثنين لا جزء واحد. وتفصل بينهما مدة عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة. فقد صدر الجزء الثاني عام 1616. ولكن الشيء الغريب هو أن أحد الأشخاص المجهولين سبقه إلى نشر الجزء الثاني بشكل مزيف أو مزور.

وكان ذلك عام 1614، بالطبع فإن سيرفانتيس رد عليه في الجزء الثاني الحقيقي عن طريق اختراع شخصية الدجال أو المحتال، وقد جعله يموت في نهاية الرواية، وهكذا انتقم منه شر انتقام.

وقد صرح سيرفانتيس بأن الفصول الأولى من الكتاب مستمدة من «أرشيفات دولا مانشا». وأما ما تبقى فقد ترجمه عن مؤلفات كتاب آخر، وبالطبع فهذا التصريح ليس إلا حيلة يختبئ وراءها سيرفانتيس لكيلا يتحمل مسؤولية كل هذه المغامرات الجنونية. فالواقع أنها كلها من وحي إلهامه وإبداعه.

وعقدة القصة تدور حول رحلات ومغامرات دون كيشوت مع مروِّض جياده سانشو بانشا. ودون كيشوت هو عبارة عن شخص ينتمي إلى أسفل الهرم في سلم الارستقراطية الاسبانية، بمعنى أنه نبيل صغير لا أهمية له. ولكنه مهووس بقصص الفرسان الضائعين في البرية والمولعين بمغامرات الفروسية.

ويعتقد أصدقاؤه وكذلك عائلته بأنه مجنون لأنه قرر أن يصبح بدوره فارساً تائهاً في البراري والقفار، فارساً يعبر كل اسبانيا على جواده «روسينانت» عن طريق محاربة الشر وحماية المستضعفين والمظلومين.

وهو يبدو شخصاً ملهماً أو مهووساً بالنسبة لمن يلتقيهم. لماذا؟ لأنه يأخذ الأشياء على غير ما هي عليه. فهو يعتقد مثلاً أن الملاجئ العادية التي يصادفها في طريقه هي عبارة عن قصور رائعة، وأن الفتيات الريفيات عبارة عن أميرات نبيلات!

وأما طواحين الهواء فهو يرى فيها نوعاً من الطغاة العمالقة الذين ينبغي عليه أن يحاربهم! فهي في نظره عبارة عن أشخاص مرسلين من قبل السحرة الشريرين. كما ويعتقد بأن إحدى الفلاحات في بلاده والتي لم يلتق بها أبداً في حياته هي عبارة عن حبيبة قلبه التي ينبغي ألا يخونها أبدا.

باختصار فإنه شخص خيالي لا يعيش في الواقع على الإطلاق، بل إن عالم الخيال يبدو بالنسبة له أكثر حقيقية وأهمية من عالم الواقع، وهنا تكمن عظمة هذه الرواية التي لا مثيل لها في تاريخ الآداب العالمية.

الكتاب: ميغيل دو سيرفانتيس

الناشر: بيتر أوين

لندن، نيويورك 2005

الصفحات: 311 صفحة من القطع المتوسط

Miguel de Cervantes

Donald P. Maccrory

Peter owen - London , New york 2005

P.311