مكي أبوقرجة كاتب صحافي سوداني، يعمل في الصحافة الإماراتية منذ سنوات عديدة، وقد شغلته قضايا الثقافة في السودان باعتبارها جزءاً من هموم الواقع السوداني الراهن، وما يطرحه من أسئلة وقضايا تتطلب الكشف عن المنجز الثقافي بأسمائه وتياراته وإبداعاته المختلفة.

والحديث عن الثقافة في السودان لا ينفصل عند الكاتب عن جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والأدبية ما يدلّ على محاولة تقديم رؤية واسعة للمشهد بصورة عامة.

يؤكد الباحث في مقدمة الكتاب المنطلقات التي اتخذها أساساً في تناول هذا المشهد الثقافي إذ يعلن أن الغاية من هذا الكتاب هي تقديم نماذج من الثقافة السودانية لأجيال منقطع بها حجبتها الظروف السياسية عن رؤية ذاتها بعد أن تجاذبتها المهاجر والمنافي، ولذلك أراد أن يؤكد لهذه الأجيال أنها ذات تاريخ مجيد وحضارة ثرية، ووطن جدير بالانتماء إليه.

يضم الكتاب عدداً كبيراً من المقالات التي تتناول تجارب وأسماء ساهمت في إثراء وتنوع المشهد الثقافي وصناعته، ويأتي الأديب عبدالله الطيب في مقدمة هذه الأسماء، فهو أحد أبرز العلماء والمثقفين السودانيين، عمل في مجال التدريس والتأليف ووضع المناهج والمقررات مدة ستين عاماً.

تميزت حياة الطيب الأكاديمية والفكرية بالعمل والمثابرة، فقد تولى عمادة كلية الآداب بجامعة الخرطوم، ثم تسلّم إدارة الجامعة، وصدرت له مجموعات شعرية عديدة، منها «أصداء النيل» و«أغاني الأصيل».

كما اهتم بالمسرح وألّف مسرحية «زوابع السحر» وظلّ عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة منذ عام 1961،وساهم في تأسيس جامعة «بابيرو» بنيجيريا، إضافة إلى التدريس في جامعات أخرى.

كما يتحدث عن دوره في الحركة الوطنية وفي نشر اللغة العربية انطلاقاً من اعتقاده أن جزءاً من السودان كان يتصل بالجزيرة العربية قبل أن ينفجر الأخدود الأفريقي، وكان يتميّز بالجمع بين موروثه الثقافي القديم وما اكتسبه من وعي وإدراك من تيارات الحداثة الغربية. ثم يتحدث عن سيرة حياته وتعليمه ومؤلفاته في الشعر والنثر ودفاعه القوي عن الحق.

الشخصية الأدبية الثانية التي يتحدث عنها هي شخصية الروائي المعروف الطيب صالح الذي عمل في هيئة الإذاعة البريطانية كمذيع ما منحه شهرة وانتشاراً واسعين، نال عليهما مكانة اجتماعية وأدبية خاصة، والطيب صالح كاتب صحافي، إضافة إلى إبداعه الروائي، وقد استحدث جنساً أدبياً يصعب تصنيفه، وفيه يكتب عن ذكريات وتجارب وآراء تخص الناس والأشياء مستمدة من الواقع وإن كانت تجاوز الخيال.

ثم ينتقل للحديث عن الشاعر محمد المهدي المجذوب الذي يتميز بحبه للحياة وميله الشديد إلى الصراحة والسخرية والحسية، وقد شاعت عنه رسائله الكثيرة إلى القاصة العراقية ديزي الأمير التي لم تبادله الرد وظلّت رسائله حبيسة الأدراج عند الكاتب المصري رجاء النقاش التي حصل عليها من الأمير ورفض أن يعيدها لها.

ويتحدث عن الألق الأفريقي واللغة الباهرة عند جمال محمد أحمد الكاتب الذي تميزت كتاباته بالجدة، فقد كان صاحب وعي أفريقي مبكر تعمق في الوجدان الأفريقي وكتب عنه بمودة مستعرضاً كثيراً من تاريخها ورموزها.

وقد انغمس في نشاط الحركة الوطنية خلال دراسته، كما أثرى الحياة الأدبية والثقافية بمؤلفاته وتراجمه في الأدب والفكر والدبلوماسية، إذ عمل سفيراً لبلاده في عدد من الدول العربية والأجنبية، وظل مواظباً على التأليف حتى رحيله في منتصف الثمانينينات من القرن الماضي، وفي مقالة أخرى يتحدث عن التاريخ السوداني في نصوص «بورخيس».

وفي مقال تال يتناول العلاقة بين لوركا والفنان خليل فرح الذي كان منغمساً في الشعر والغناء والموسيقى والعمل الوطني، إلى أن ينتقل إلى شخصية أخرى هي شخصية الدبلوماسي صلاح إبراهيم الذي كتب الشعر والقصة القصيرة.

كذلك يتحدث عن المساجلات التي اشتهرت بين الشاعرين محمود الفكي وعبدالحليم طه، وعن الريادة الشعرية التي لم تنل حقها من الاهتمام يتحدث عن المغامرة المبكرة في التجديد الشعري للشاعر والناقد السوداني حمزة الملك طنبل الذي ظلّ يكتب منذ بدايات القرن العشرين وحتى الخمسينات.

وأصدر عام 1931 ديوان الطبيعة، وقد جاء إحساسه بضرورة التجديد من خلال إدراكه لضرورة الكتابة التي تناسب الذائقة الجديدة، فكان شعره يتميز بلغة وصور أقرب إلى الواقعية، إلا أنه ظل بعيداً عن الهم السياسي على العكس من الكاتب محمد المكي إبراهيم الذي كان بالإضافة إلى كتابة الشعر كاتباً سياسياً لا تخلو كتابته من السخرية والغضب، في حين ظل شعره يتغنى بحب الوطن.

أما الشاعر شابو الملقب بذي القلب الرنان الأجراس، فتميز بانتباهه الحاد، والاستغراق في الأحزان الوجودية، وهو ينتمي إلى جيل الستينات الذي أسس لمدرسة أبادماك وعاش في مصر أحداث ثورة يوليو، وأحداث التأميم والعدوان الثلاثي، ثم درس في الجامعات الأميركية، وعاد ليعمل في التدريس.

إن أهم ما يميز الأسماء الأدبية السودانية هو انتماؤها إلى حركة اليسار، وتعدد أشكال مساهماتها في الشعر والنثر كما هو حال الشاعر كمال الجزولي الذي كان شاعراً وكاتباً نثرياً.

ومن الأسماء الشعرية الأخرى التي يعرّف بها وبإسهامها الإبداعي الشاعر الصوفي إسماعيل الدقلاشي الذي كتب الشعر الديني وشعر الغزل المباشر والطبيعة وقد تميز بعزفه على آلة الطنبور، والكاتب المسرحي الدكتور أحمد الطيب الذي درس المسرح في انجلترا، وعمل عميداً لقسم اللغة العربية، ووضع أسس المسرح المدرسي في السودان.

لا تقتصر أسماء الأعلام التي يتحدث عنها الكتَّاب على الكتاب السودانيين وحدهم بل يطول عدداً من الأسماء الأجنبية والمعاهد العلمية التي لعبت دورها التنويري، ومن الأسماء الأولى يتحدث عن الكاتب البريطاني توماس غراهام الذي أقام علاقات وثيقة مع السودانيين، كما يتحدث عن فيليبا المغربي الممرضة البريطانية التي كانت أول زوجة لأول رئيس سوداني.

ويحفل الكتاب بالتعريف بأسماء سياسية ونقابية لعبت دوراً مهماً في تاريخ السودان الحديث، وفي الحركة السياسية والنقابية السودانية كالشهيد محمود محمد طه.

والنقابي إبراهيم زكريا الذي عرف بعمله النقابي على مستوى العالم طوال ثلاثة عقود كذلك يعرض لحياة ومساهمات عدد من الأسماء العلمية والأدبية العربية التي أثرت في الثقافة السودانية، وكانت لها مساهماتها في تخريج أجيال من جامعاتها كالدكتور إحسان عباس الذي تخرج في جامعة الخرطوم منذ مطلع الخمسينات.

وساهم في النشاط الثقافي بمثابرة أثرت الحياة الثقافية، ومن الأسماء العربية الأخرى التي كان لها إسهامها الكاتب اللبناني نعوم شقير الذي كتب مؤلفه الشهير تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، إضافة إلى مؤلفات أخرى تناولت موضوعات تاريخية وجغرافية ولغوية.

ويعود الكاتب للحديث عن الأسماء السودانية التي لعبت دوراً مهماً في الحياة الثقافية كيوسف ميخائيل القبطي السوداني الذي عمل أخيراً، كما يفرد للحديث عن مدينة أم درمان حيزاً واسعاً يتناول فيها جمال المدينة وتاريخها واسمها وحياتها الاجتماعية ثم ينتقل للحديث عن مدينة عطبرة التي لعبت دوراً مهماً في مقاومة الاحتلال الإنجليزي فكانت أن تعرضت لممارسات قمعية ومحاولات لتخريب مؤسسة التربية والتعليم فيها.

إن الحديث عن الثقافة في السودان لا ينفصل عن الحديث عن كفاح الأجيال السودانية من أجل الحرية والثقافة والتقدم ولذلك يختار للحديث عن كفاح أحد هذه الأجيال التي لعبت دورها الريادي عدداً من الأعلام وفي مقدمتهم الكاتب أحمد خير المحامي الذي احتل بمؤلفاته موقعاً متميزاً في أدبيات تاريخ السودان الحديث.

وكان أحد أعلام الحركة الفكرية والوطنية، والكاتب د. محمد سليمان صاحب كتاب السودان حرب الموارد والهوية الذي عرف بثقافته الموسوعية، وكذلك مأمون البحيري الذي أسس للخدمات المدنية وكان اقتصادياً بارزاً، كما يتناول حياة الأديب والشاعر والزعيم السياسي عبدالرحمن علي طه الذي عرف بمشاريعه الرائدة في مجال البيئة والتربية لاسيما عندما تولى وزارة المعارف.

ومن الأسماء المهمة التي يعرض لدورها التنويري رفاعة الطهطاوي الذي عاش في الخرطوم خمسة أعوام اتسمت حياته فيها بالنشاط والترجمة والتأليف، وكان له صالونه الذي يرتاده المثقفون والرحالة وممثلو القنصليات الأجنبية.

ورغم قلة الأسماء الأنثوية التي يتحدث عنها بسبب طبيعة الظروف الخاصة التي كانت تعيشها المرأة في السودان فإنه يتناول تاريخها الطويل وتجربتها الخصبة عبر مراحل تاريخ السودان المختلفة، ثم يتحدث عن إحدى أعلامها .

وهي الأديبة والمعلمة ملكة الدار عبدالله والدكتورة حاجة كاشف والدكتورة فاطمة بابكر محمود الناشطة السياسية والعاملة في مجالات العمل العام، والدفاع عن حقوق المرأة، وكذلك الدكتورة فاطمة طالب إسماعيل التي عملت في مجال التعليم إضافة إلى الحاجة ست البنات أم يوسف ود. إنعام البدوي.

ويفرد الكاتب حيزاً آخر لرموز العمل السياسي مبتدئاً بالصالح عبدالقادر، وعبدالجبار عبدالله الذي تناول موضوع أزمة الهوية والثقافة في السودان باعتبارها تمثل جوهر الصراع السياسي والاجتماعي بمفهومه الحقوقي السيادي.

كما يتحدث عن د. النور حمد الذي درس الفنون الجميلة وكان رساماً، ومحمود صالح راعي الذي أعطى الأولوية لدور العمل الثقافي في الحياة من خلال عمله في إحدى المراكز الثقافية السودانية.

وتأتي المحاور الأخيرة في الكتاب لتناول قضايا بيئية وتاريخية فيتحدث عن تاريخ السودان المعاصر في الوثائق البريطانية وانتصار الإمام المهدي على القوات الإنجليزية بعد ان استخدم أساليب الحرب الشعبية.

كما يتحدث عن سجناء الضمير من أنصار الثورة المهدية معتمداً في ذلك على كتاب د. أحمد حسن إبراهيم وبشكل مكثف وسريع يتحدث عن بدايات الحركة المسرحية في السودان والبدايات الأولى للصحافة السودانية التي ارتبطت بالصحافي حسين شريف كذلك يتحدث عن الخرطوم في القرن التاسع عشر ثقافياً واجتماعياً لاسيما من خلال ما دونه الرحالة الذين زاروا السودان في تلك الفترة.

ومن خلال الحديث عن عبدالكريم ميرغني يتحدث عن تاريخ المؤسسة الثقافية السودانية، والدور الذي لعبه المثقفون في مواجهة التسلط والقهر السياسي.

وفي الختام يتناول غربة الروح والتمرد الخلاق في تجربة معاوية نور، ثم سيتحدث عن الاستعمار النبيل وضمير المثقف الذي تبدى من خلال دوغلاس نيو بولد السكرتير الإداري لحكومة السودان الذي كان الأب الشرعي لأول كلية تعليم عال التي خرجت أجيالاً من المثقفين السودانيين.

أحلام سليمان

الكتاب: أصوات في الثقافة السودانية

الناشر: مؤسسة الإمارات للإعلام

أبوظبي 2005

الصفحات: 427 صفحة من القطع الك