مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور محمد رياض أستاذ الجغرافيا في كلية الآداب بجامعة عين شمس ويعكس الكتاب خبرة أستاذ له باع في مجال موضوعه حيث كان قد التحق بسلك التدريس الجامعي منذ عام 1957 وما زال يقدم خبراته من خلاله حتى الآن.
وقد قام المؤلف بالعديد من الجولات التي ينظمها قسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة عين شمس بصحبة العديد من أساتذة القسم المتميزين شملت جميع ربوع مصر من صحاري ووديان ومناطق ريفية وحضرية وبدوية وغيرها.
كما عمل المؤلف من خلال هذا الكتاب على الاستفادة من خبرته تلك في رصد الوضع الحالي والمستقبلي للمناطق المختلفة التي تكون ربوع مصر والمشكلات التي تعاني منها وتناول بعضها بالعلاج. وعلى ذلك قسم الدكتور محمد رياض كتابه على النحو الذي يمكنه من تناول أهم القضايا المتعلقة بالقضية التي يعرض لها.
وتتمثل في تخصيص جزء لتناول الأقاليم المهمة في مصر وتاريخ كل منها والوضع الحالي بها ـ خاصة الوضع الاقتصادي ـ وكيفية تنمية تلك الأقاليم. كما خصص المؤلف جزءاً لتناول قضية السياحة والتي تعد من أهم مصادر الدخل القومي لمصر.
وفي هذا الصدد تناول المؤلف الوضع الحالي لمصر بالنسبة لخريطة السياحة العالمية وبعض السلبيات التي تواجهها السياحة في مصر وكيفية معالجة هذه السلبيات. فضلا عن ذلك خصص المؤلف جزءا لتناول الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمواطن المصري وكيفية التصدي لتلك المشكلات الاقتصادية التي تواجه المواطن المصري.
ومن أهم المشكلات التي تناولها بالنقاش مسألة محدودية مياه النيل وبعض السلبيات التي تسهم بإهدار فائض المياه وكيفية التصدي لكل هذا. أما عن أهم الأقاليم التي تناولها المؤلف في هذا الكتاب فهو إقليم قناة السويس والذي شبهه المؤلف بالكنز الدفين تحت التراب.
في تناوله لهذا الإقليم بالتفصيل يؤكد المؤلف على ضرورة توظيف إقليم قناة السويس كمقصد ترفيهي بما فيه من فيلات وشاليهات الترويح وغير ذلك ، مشيرا إلى أن اقتصار الاستفادة الاقتصادية منه على استخدامه كممر مائي تجاري فقط ساعد على تقليص الفائدة الاقتصادية.
ويشير الدكتور محمد رياض إلى أنه بالنظر إلى موقع إقليم قناة السويس يمكن لنا أن نلمس بسهولة الأهمية الاقتصادية الكبيرة التي يمثلها وذلك انطلاقا من كونه أداة للربط بين أسواق الاستهلاك في كل من شرق وغرب المتوسط ( لبنان وسوريا والأردن وليبيا وقبرص) وسواحل البحر الأحمر (السودان اريتريا أثيوبيا السعودية) وشرق أفريقيا (الصومال كينيا تنزانيا موزمبيق جزر القمر).
وبناء علي ذلك يقرر المؤلف ضرورة العمل على الإسراع في عملية الاستفادة من هذا الإقليم عن طريق تحويله ليكون مصدرا لناتج سلعي يخرج منه للمناطق المحيطة به مستغلا في هذا النقل البحري المباشر من مناطق الانتاج إلى مناطق الاستهلاك.
وضمن مساعيه لرسم سيناريو متكامل يحدد ملامح خطة استغلال إقليم قناة السويس يشير المؤلف إلى أنه يمكن إحداث هذا التحول عن طريق إقامة ما يسميه بـ «عزب صناعية»، أي قرى صناعية صغيرة الحجم متخصصة في سلعة معينة.
أو مجموعة من السلع على أن تسنخدم معظمها تكنولوجيا متوسطة حيث أن استخدام هذا النوع من التكنولوجيا يعطي فرصة لتشغيل عدد أكبر من العمالة المصرية وتكون تكاليفها أقل مما هو الحال عليه لو استخدمت تكنولوجيا عالية.
ويذكر المؤلف هنا تجربة كلا من اليابان وبعض النمور الأسيوية في هذا المجال موضحا أن تجربة تلك البلدان قامت جزئيا على الاستفادة من النقل البحري الرخيص كما أن موقع هذه الدول ليس مركزيا .
كما هو الحال بالنسبة لإقليم قناة السويس، وبالتالي فإن إقامة هذه المناطق الصناعية على طول هذا الاقليم ستقيم نشاطا إنتاجيا يجد سوقا بين أوروبا وأفريقيا وأسيا ، مستفيدا في ذلك من رخص النقل البحري.
ويرد المؤلف في سياق استعراضه لهذا السيناريو على من يمكن أن يشكك في فكرته بالتعلل بأن أمراً كهذا من الممكن أن يعرقل الحركة الملاحية في القناة ، فيوضح أن تلك المناطق الصناعية من الممكن إقامتها بعيداً عن محيط القناة بحيث يتم ربطها بما يشبه الحارات المائية بالممر الرئيسي للقناة ويكون لكل من هذه المناطق مكان الشحن الخاص بها دون أن تتأثر الحركة الملاحية في القناة.
وعن النتائج الايجابية لهذه الفكرة التي يطرحها المؤلف يشير إلى أن من أهمها أن أمرا كهذا سيخلق نوعا من جذب رؤوس أموال المصريين العاملين في الخارج والداخل للاستثمار في هذا الاقليم بل وقد يمتد الأمر إلى أصحاب المبادرات من الأفراد والشركات العربية.
ولم يرد المؤلف أن يترك موضوعاً مثل هذا دون أن يوضح بعض المعوقات التي قد تعترضه والتي من أبرزها البيروقراطية والقوانين المتداخلة وفي هذا الخصوص فإن المؤلف يرى أن التغلب على مثل هذه المعوقات يمكن أن يكون عن طريق نوع من الشراكة والتعاون بين المستثمرين والدولة المصرية.
وعلى نفس المنوال تناول الدكتور محمد رياض عددا آخر من الأقاليم ذات الأهمية الاقتصادية بشكل مشابه لتناوله لاقليم قناة السويس من أمثلتها .. إقليم شرق التفريعة ، والمناطق الساحلية المصرية، والواحات خاصة واحة الفرافرة.
أما في تناوله للسياحة المصرية فقد بدأ المؤلف برصد أنواع السياحة المختلفة الموجودة في مصر واهتم اهتماما خاصا بما يسمى السياحة العلاجية.
حيث أن هذا النوع من السياحة لم ينل حظه الكافي من الاهتمام به من جانب القائمين على السياحة في مصر سواء الحكومة أو الأفراد أو المؤسسات السياحية على الرغم مما تزخر به مصر من إمكانات هائلة في هذا المجال مثل الكثير من ينابيع المياه الحارة.
والتي أوردها المؤلف بالتفصيل، بل ومما يدعو إلى التعجب ما تشهده تلك الأماكن من محاولات لتشويه معالمها وإهدارها مثلما حدث من اتيان التنمية الصناعية في منطقة حلوان على مثل هذه الينابيع، دون أن يبذل أدنى جهد للحفاظ على تلك الأماكن.
وينتقل المؤلف في إطار الموضوع ذاته إلى نقد مفهوم السياحة لدى القائمين على السياحة المصرية من القطاعين العام والخاص والذي يمكن تلخيصه في انه إذا كانت هناك سياحة فهي تعني بالضرورة السياحة الأجنبية فقط دون الاهتمام بالسياحة الداخلية .
والتي يعتبرها المؤلف الأهم والأجدى اقتصاديا من السياحة الأجنبية وذلك على الرغم مما يقال من ان السياحة الأجنبية هي مصدر العملة الصعبة إلا أن هذه السياحة لا تمثل سوى فتات السياحة العالمية و ذلك لأنه لو تم حساب العائد بالنسبة لكلا نوعي السياحة فسنجد أن السياحة الأجنبية تتم من خلال ما يعرف بالعقد الشامل .
و الذي يحتوي حتى على نفقات الطائرة المستأجرة والتي غالبا ما تكون أجنبية ـ مما لا يخدم الطيران المحلي ـ كما أنها تتم في إطار رحلات مدمجة لكل من إسرائيل وسيناء، في الوقت ذاته الذي يأتي فيه هبوط سعر العملة المصرية ليعظم من الفائدة لدى الجانب الاسرائيلي بينما يحصل الجانب المصري على أقل القليل.
كما أن هذا النوع من السياحة يتطلب من الدعاية خارج البلاد ما يكلف نفقات عالية جدا قد لا يقوم العائد من وراء السياحة الأجنبية بتغطية تلك النفقات.
ولكن وبالمقارنة بالسياحة الداخلية فإنه لو تم الاهتمام بها فإنها ستكون، حسبما يذهب المؤلف، سياحة دائمة مستمرة على مدار العام ـ على عكس الأخرى التي تتأثر تبعا للظروف السياسية ـ دون الحاجة لنفس كم النفقات التي تتطلبها الحملات الدعائية للترويج لمصر في الخارج.
هذا في الوقت نفسه الذي سيتم فيه تشغيل عدد من الأنشطة المصاحبة للنشاط السياحي منها على سبيل المثال الطيران المحلي وبالتالي تعود الفائدة كلها على المصريين أنفسهم ولا يكونون في حاجة لانتظار فتات الغير.
ورغم ذلك لا يمكن القول أن المؤلف يقلل من أهمية السياحة الأجنبية ولكنه يريد فقط أن يظهر مزايا السياحة الداخلية حتى يتم جذب الأنظار نحوها و إعطاؤها حقها الذي تستحقه من الاهتمام.
ولم يفت المؤلف أن يوضح الأسباب الكامنة وراء ضآلة نصيب مصر من السياحة العالمية والتي من أهمها قصور الترويج لمصر في الخارج ونقص الكتب والخرائط السياحية هذا إلى جانب بعض الأسباب الأخرى التي تناولها المؤلف بالتفصيل.
ثم اتجه المؤلف إلى الجانب الاجتماعي في حياة المجتمع المصري عارضا لأهم المشاكل التي تتعلق بهذا الجانب والتي كان أبرزها ما أسماه المؤلف بثلاثي المتاعب المصرية «الفقر والاستهلاك والمشكلة السكانية» وقد اهتم المؤلف اهتماما خاصا بالمشكلة السكانية وتناولها بأبعادها المختلفة بل واقترح بعض الحلول المبدئية لهذه المشكلة.
وعن أزمة المياه التي أصبحت الشغل الشاغل ليس لمصر وحدها و إنما لجميع دول العالم يتناول المؤلف الأزمة في مصر بالتفصيل موضحا مدى ارتباطها بالأزمة ذاتها في الدول المشتركة مع مصر في حوض النيل في الوقت ذاته الذي حرص فيه على شرح أدق التفاصيل المتعلقة بتلك المشكلة المعقدة والمتداخلة بين هذه الدول ومن بينها مصر .
ولكن - في رأي المؤلف ـ فإن أزمة المياه في مصر لا تتوقف على ما تثيره دول حوض النيل فقط ولكن الأمر يتعلق أيضا بأزمة داخلية للمياه في مصر، و في هذا الإطار يوضح المؤلف الأشكال المختلفة التي يتم عن طريقها اهدار المياه في مصر منها ما يتعلق بممارسات المصريين أنفسهم من حيث الري والزراعة والتنظيف .
وغير ذلك ولكن و إن كانت هذه الأمور ضرورة من ضرورات الحياة فهناك أشكال أخرى لا تمثل أي ضرورة ويتم إهدار الماء من خلالها ومن أمثلة ذلك ملاعب الجولف ، تلك الرياضة شديدة الأرستقراطية وشديدة الاستفزازية من حيث اهدارها لكميات هائلة من الماء لري ملاعبها الخضراء وإقامة البحيرات بها.
كما ينتقد المؤلف وبشكل خاص التوسع في إقامة مشروعات التنمية التي تستهلك كما هائلا من المياه دون النظر إلى محدودية موارد تلك المياه. وفي النهاية يضع المؤلف ما يمكن تسميته بحلول مبدئية لهذه المشكلة موضحا أن حل هذه المشكلة في إطارها العام والخاص بما أثير من جانب دول حوض النيل لا يمكن أن يتم إلا عبر التعاون والتنسيق بين هذه الدول.
ألفت عبدالله
الكتاب: نحو خريطة جديدة لمصر
الناشر: دار الهلال ـ القاهرة 2004
الصفحات: 338 من القطع الصغير
