على الطريقة الغربية، أن تكون مثقفاً يعني أن تستيقظ في السادسة صباحاً وتتناول صحيفتك المرمية قرب بابك، ثم تضغط آلة تسخين الماء لتذيب فيها حليبك المقشود، بعدها تنطلق إلى عملك لتمضية يوم حافل تتخلله أكواب من القهوة سريعة التحضير، ثم تعود إلى بيتك مساء حيث تنطلق إلى متنزه مجاور لتريض ساقيك، أو ليمرح كلبك في الهواء الطلق.
ولكي تكون كامل الثقافة سترتب أمور عطلتك الأسبوعية لتلعب التنس مع مديرك في العمل أو زميلك في المكتب دون أن تنسى أمر عشب الحديقة الذي عليك أن تجزه صباح العطلة، ولا بأس بإلقاء التحية على جارك إذا لمحته صدفة يقلّم أشجار حديقته.
على الطريقة الغربية، أن تكون مثقفاً يعني أنك لا تملك قلماً بل جهاز كمبيوتر محمولاً، وإلى جانب سريرك عدة كتب تساعدك على النوم والاسترخاء، واحتياطاً يوجد في جيب حقيبة سفرك رواية مسلية تنسيك مشقة السفر. ولديك عدة أصدقاء تذهب معهم إلى ملهى خاص مرة في الأسبوع تحتفلون بترقية أو بمناسبة جميلة، ولا يعني الأمر في حال من الأحوال أن تكون مهموماً مثقلاً بالديون والواجبات العائلية والاجتماعية، بل يمكن لضمانك الصحي أن يوفر لك عيادة راقية لمراقبة ضغط دمك، وطبيب أعصاب تعترف على أريكته كم أنت مثقل بالوحدة.. حتى يكاد الضجر يقتلك.
أما أن تكون مثقفاً على الطريقة العربية يعني أن تكون في أسفل السلم اجتماعياً واقتصادياً ووظيفياً، ويوجد لك ملف دائم لدى جهة أمنية تراقب خطك الأنيق عندما تكتب رسالة أو قصيدة عاطفية.
ويعني أيضاً أن يكون بالك مشغولاً على الدوام بقضايا كبيرة، وكأنها لم تخلق سوى لك، فالانتخابات تليها الحريات تليها الديمقراطية ومصطلحات أخرى من تبادل السلطة إلى حقوق الإنسان، ويصبح شغلك الشاغل أن تكون ضيف مقهى بشكل يومي تقول ما قلته البارحة بطريقة أخرى وتستمع إلى ما سمعته البارحة بطريقة أخرى فالمثقفون يتشابهون في آليات الإنتاج والتصدير.
أن تكون مثقفاً عربياً، يعني ألا تكون لديك صحيفة مفضلة أمام باب بيتك فأي صحيفة يمكنها أن تقول أخبار صحيفة أخرى، وقطعاً لا كلب لديك لتريضه، وكتبك المفضلة من تلك النوعية التي تطبع ألف نسخة فقط فتنام إلى جوار سريرك طويلاً يأكلها الغبار ويعلوها السأم.
واعترافاً بموقعك الاقتصادي لا تمتلك حديقة لتجز عشبها أو جاراً لتلقي عليه تحية الأشجار المقلمة، وأحسن جيرانك الذي لا يصدر صوتاً يزعج ليلك بطبله ومزماره أو بنصف دستة من أطفاله يرخّيهم في الممر فيشوطون كرتهم شرقاً وغرباً على بابك وباب جيرانك الآخرين.
هل بقي لديك وقت للرياضة؟ سؤال مزعج لمثقف يتقدم كرشه باستمرار مخلفاً جسداً مترهلاً وشرايين مسدودة بفعل التدخين قابلة للانفجار في أي لحظة انفعال.
الحياة العربية انفعالية.. انفعالية جداً، فالشرطي ينفجر في وجه المواطن والزوج في وجه الزوجة والأب في وجه الأطفال والمدير في وجه مرؤسيه والمعلم في وجه طلابه.. والقارئ في وجه صحيفته