ولد الروائي الفرنسي بيير أمبرواز فرانسوا شودرلوس دي لاكلوس في أمينس في فرنسا في 18 أكتوبر عام 1741. التحق في الثامنة عشرة من عمره كتلميذ في المجموعة الملكية للسلاح، وبعد عامين ترقى إلى رتبة ملازم ثان، وعين في منطقة ميناء لا روشيل.
ومع انتهاء حرب السنوات السبع عام 1760، نقل إلى شمال شرق فرنسا،وهناك نشر أول عمل أدبي له، وهو قصيدة كتبها على مراحل في عام 1767. وبعد عامين انتقل إلى غرينوبل التي بقي فيها حتى عام 1775، وخلال تلك الفترة كتب ونشر عدة أعمال متواضعة ثم انضم بعد عام إلى الماسونية، وفي العام التالي شاهد في باريس عرض عمله أوبرا «إيرنستين» والمقتبسة من قصة بذات الاسم للروائية مدام ريكوبوني.
وحينما كلف بالإشراف على بناء قلعة جزيرة إيكس، بدأ العمل على كتابة روايته الشهيرة «علاقات خطرة» في عام 1779. ولمتابعة عمله الروائي أخذ إجازة لمدة عام حيث استقر في باريس خلال الفترة من 1780 إلى 1781.
في تلك الفترة تعرف لاكلوس الى امرأة تدعى ماري سولانج دوبريه التي تزوجها لاحقا في عام 1786. وعمل بعدها على كتابة طرق تعليم المرأة وذلك من خلال مجموعة من المقالات التي لم تنشر قبل القرن العشرين. وبعد مضي عامين التحق بخدمة دوق أورليان ورافقه إلى لندن في عام 1790.
شارك لاكلوس في نشاطات الثورة الفرنسية، مستخدما قلمه، واستقال من الجيش في عام 1791 وفي خضم الصراعات السياسية اعتقل وأطلق سراحه في ربيع عام 1793، ليسجن مجددا في نوفمبر. وعلى الرغم من توقعه أن يعدم بالمقصلة، أطلق سراحه في ديسمبر 1794.
وبعد ممارسته لنشاطات مختلفة في السنوات اللاحقة، عين لاكلوس كجنرال سلاح عام 1800، وقام بعدة مهام عسكرية قبل وفاته متأثرا بجراحه في معركة في إيطاليا في 5 سبتمبر عام 1803.
ورواية «علاقات خطرة» التي اعتمد في كتابتها على أدب المراسلات أسوة بكل من ريشارد صاموئيل في روايته «كلاريسا» وجان جاك روسو في روايته «هيلواز» وإن تجاوزهما في تحويل المراسلة إلى دراما وفعل، تتمحور على الخديعة وخداع الذات في ذات الوقت.
وقد وصل المؤلف من خلال روايته تلك إلى أقصى مرحلة من الإبداع الأدبي، حيث يبين النقاد الذين تناولوا هذا العمل خلال المئتي عام منذ صدورها بأنه لا يمكن لقصة هذه الرواية أن تكتب بأي أسلوب آخر سوى هذا الأسلوب، وبأنها أفضل ما يمكن تقديمه في سياق فن أدب المراسلات، فالحبكة والشخصيات قدما بدوافع ذاتية شكلت أحداث الرواية بصورة متكاملة ولا شبيه لها.
والجدير بالذكر أن أحداث الرواية مبنية على خلفية المرحلة السابقة للثورة الفرنسية بسبع سنوات، وحبكتها أشبه بالاستراتيجية العسكرية، أي في حياكة المناورات للإيقاع بالعدو، وإن استبدلت ساحة المعركة بالرومانسية والعلاقات الشخصية.
يتحدث لاكلوس في عمله عن الصراع بين الشر المرتبط بالذكاء والمتمثل في كل من الشخصيتين المركيزة مارشينوس دي ميرتيل والكونت دي فالمونت، والمجتمع الذي يحيط بهما ويمثل في جزء منه البراءة والخير.
وبدافع شعور الأرملة الماركيزة التي تملك ثروة لا بأس بالملل، تبحث عن تسلية لها في محيط مجتمعها وتختار لذلك عشيقها السابق الكونت فالمونت.
ونظرا لقناعتها بأنها شخصية بنت وثقفت نفسها بنفسها، فإنها تسعى لتطبيق هذا الأمر على شخصيات أخرى، وتختار الفتاة الساذجة سيسيل التي خرجت للتو من دير الراهبات بعد إنهاء دراستها. والدافع الآخر لاختيارها تلك الفتاة يعود لرغبتها في الانتقام من والد خطيب سيسيل دي غيركوت والتسبب له بفضيحة.
وتعتبر شخصية الماركيزة في عالم الأدب وحتى يومنا هذا من الشخصيات المميزة، فهي تمثل المرأة الذكية الثرية المستقلة بشخصيتها والتي يسكنها حب السيطرة على أي فرد كان بغض النظر عن جنسه وعمره ومكانته.
وفي حين تطلب من فالمونت أن يتقرب من سيسيل وإغوائها، وبالمقابل تضع طلبها هذا كشرط كي تعيد علاقتها العاطفية معه، كان فالمونت الذي يعيش حياة مرفهة عاطلة، يكرس اهتمامه لإغواء السيدة الشريفة الفاضلة دي تروفيل زوجة الرئيس. فاستعصاؤها كان بمثابة تحد أو معركة له.
وحينما يفشل في تحقيق هدفه في البداية بسبب مراسلات والدة سيسيل، السيدة فولانج لزوجة الرئيس التي تكشف لها غرور فيلمونت وتصويرها له كزير نساء، يقرر تنفيذ خطة صديقته الماركيزة وذلك بدافع الانتقام من والدتها.
ومن خلال المراسلات بين هاتين الشخصيتين تتضح الدوافع الذاتية والواقع العبثي الذي تعيشه طبقة الارستقراطيين، مع عرض قوتهم ونفوذهم اللذين لا حدود لهما.
وفي تلك الأثناء تنشأ علاقة حب رومانسية نقية بين سيسيل ومدرسها دانسنسي. ويدخل فالمونت حياتها بذات الطريقة، ويتمكن من إغوائها بداية بفعل الاغتصاب حيث نسيت أو تناست في أحد الأيام إغلاق غرفتها بالمفتاح. وبذا تصبح سيسيل حبيبة دانسنسي في النهار وعشيقة فالمونت ليلا.
حيث يعلمها كل ما يرتبط بفنون الحب. وفي تلك الأثناء ينجح فالمونت في التقرب من زوجة الرئيس، ويتلاعب بعواطفها من خلال تحميلها ذنب معاناته وبأنها هي التي تسببت في عشقه وحبه لها. وبدافع شعورها بالذنب تحاول التخفيف عنه وبعد حين تقع أسيرة حبه.
وتدرك الماركيزة من خلال مراسلاتهما، تغير اسلوب كتابة الكونت وتعابيره التي تعكس روح وفكر زوجة الرئيس، وحينما تشير له بأنه واقع في غرام تلك الإنسانة. وتطالبه بدليل مادي لنجاحه في علاقته مع سيسيل لتحقيق شرطه، ينتصر فالمونت لكبريائه على حساب مشاعره ويسعى لتقديم الدليل للماركيزة.
وحينما تكتشف زوجة الرئيس بأنها كانت ضحية مغامرة عاطفية لا أكثر ولا أقل، تشعر بالعذاب وبتأنيب الضمير وبأن العار يجللها فتلجأ إلى الدير لتموت فيه. أما حينما تدرك سيسيل المؤامرة الدنيئة التي وقعت ضحيتها بسذاجتها، تقرر اعتكاف الحياة والانعزال في الدير أيضا لتصبح راهبة ولتمضي ما تبقى من حياتها في التكفير عن خطيئتها.
ونظرا لكون الشر يرتد دوما على فاعليه كما يؤكد المؤلف، تبدأ الحرب بين الكونت والماركيزة لتنكشف المؤامرة للجميع. وحينما يدرك دانسنسي المؤامرة يطلب فالمونت للمبارزة انتقاما لسيسيل حبيبته.
وحينما يصاب الأخير بجرح بليغ، يسلم مبارزه وهو على فراش الموت رسائل الماركيزة. وحينما يكتشف المجتمع حقيقة الماركيزة ومؤامراتها الدنيئة، وبعدما تفشل في الدفاع عن صورتها كسيدة محافظة في المجتمع، تجبر على الرحيل بصورة مهينة، وجدير بالذكر أن هوليوود حولت هذه الرواية إلى فيلم سينمائي في عام 1988 وشارك في بطولته كل من ميشيل فايفر وجون مالكوفيتش.
رشا المالح

