لقاء أجرته محررة مجلة «لت نت» الثقافية الإبداعية الصادرة في جنوب أفريقيا مع الروائي الجنوب أفريقي «اشتياق شكري» الفائز بجائزة «الاتحاد الأوروبي للإبداع الجنوب أفريقي» عن رواية «المنارة الصامتة».
جائزة الاتحاد الأوروبي للإبداع الجنوب أفريقي أسستها المفوضيات الأوروبية في جنوب أفريقيا سنة 2004 على هامش مهرجان غراهامستاون للفنون، وتهدف إلى دعم وتشجيع الإبداع الجنوب أفريقي الشاب الموجود في أوروبا وتعزيز دوره على مستوى دول الاتحاد.
تشترط الجائزة المشاركة بأول عمل إبداعي لم يسبق نشره قيمة الجائزة حوالي 2300 جنيه استرليني، إضافة إلى المشاركة في مهرجان ونترناشتن الهولندي ونشر الأعمال الفائزة.
ـ كيف علمت بجائزة الاتحاد الأوروبي للإبداع؟
ـ أحد قرائي من جنوب أفريقيا أرسل إليَّ معلومات عنها، كان ذلك أثناء وجودي في لندن.
ـ ما الذي حفزك على المشاركة فيها؟
ـ كنت قادماً من الهند، حيث كنت قد أنفقت ستة أشهر في البحث وعندما أطلعت قرائي في لندن على تفاصيل المسابقة، ألحوا على بالمشاركة كانوا يعتقدون بأن الوقت مناسب للقيام بهذا الشيء .
بالإضافة إلى أن بنية «المنارة الصامتة»، التي أذهلت قراءها في المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا كانت تستحق الجائزة، لاسيما وأنها جائزة أدبية أوروبية تهدف إلى تشجيع ودعم الأصوات الإبداعية الجنوب أفريقية الشابة.
ـ ماذا تخبرنا عن فكرة القصة وكيف جاءتك؟
ـ لقد ولدت القصة في ذهني بالتدريج ولدت من قصة أخرى، قصة مختلفة كنت قد عكفت على كتابتها لبعض الوقت إلا أن تلك القصة سرعان ما تغيرت عندما تحول المجتمع الذي كنت أعيش ضمن حدوده في لندن إلى هدف في إطار المشهد الحياتي البريطاني الذي كرس لمكافحة الإرهاب. فجأة، اجتاحني شعور بالعداء.
وكما قلت في كلمتي في معهد غوث، فإن شخصياتي أصبحت مهتمة جداً بما يحدث في العالم، وبالعودة إلى الوراء، يبدو لي الآن كما لو أنني كنت أتعلم منها.
ـ هل كنت تتوقع للرواية هذا النجاح الذي حققته؟
ـ من الموضوعي القول هنا بأن قرائي كانوا دائماً أكثر شعوراً بالثقة تجاه الرواية بالمقارنة بما كنت أشعر به. فقد كنت أميل إلى التحفظ أثناء العمل على هذه القصة وأعتقد بأنني كذلك دائماً كنت أجد صعوبة في الاعتراف لنفسي بأنني أطمح إلى المزيد فيما يتعلق بالكتابة، فما بالك بالاعتراف للآخرين.
عندما تلقيت نبأ صعودها إلى القائمة النهائية للأعمال المرشحة للجائزة، توجب على أن أستمع إلى ذلك العديد من المرات قبل تصديقه وعندما قرأت الخبر التالي «المنارة الصامتة» تفوز بجائزة «الإبداع الأفريقي»، كان يبدو لي أن كاتبها شخص آخر.
ـ ما رأيك في هذه الجائزة الجديدة؟ هل تتوقع لها أن تسهم في التعريف بأصوات إبداعية على الرغم من وجودها لم يعرفها القراء من قبل؟
ـ أتمنى ذلك. غير أن الجوائز ليست سوى وسيلة واحدة من بين وسائل عدة تلفت الانتباه إلى الإبداعات الجديدة كما أنه ليس من الضروري أن يشتري كل من يقرأ إعلاناً الكتاب الذي يروج له ـ إن ذلك يبدو مؤسفاً حقا. الجوائز الإبداعية ينبغي أن تتبعها حالة شراء وحالة قراءة للكتب. هذا ما يفيد الكتاب الجدد حقيقة، ومع ذلك فإن المشكلة تكمن هنا.
غير أنني أتعاطف كثيراً مع فتور قرائنا في جنوب أفريقيا من ناحية، فأسعار الكتب مرتفعة وبالتالي فإن من يقرأون هم أولئك القادرون على الشراء. إن سيطرة الشركات الضخمة المتزايدة والمركزية الأوروبية على صناعة النشر غير مجدية.
ربما كنا بحاجة إلى الاقتداء بالنموذج الهندي وعلى الرغم من رخص أسعار الكتب إلا أنها تستهلك على نطاق واسع من جهة ومن جهة فإن محلات بيع الكتب من بين الأماكن الأكثر حميمية بالنسبة للناس.
إن للجوائز مكانتها، وكما أتصور فإن ثمة ما هو جدير بالإشادة عندما تمنح أول جائزة أوروبية للإبداع الأفريقي لرواية تدخل في نزاع مع أوروبا وتشير إلى بعض الأخطاء الحديثة التي ارتكبتها أوروبا.
الواقع أنني أتمنى أن تتحول الجائزة الأوروبية إلى منظومة للتبادل الإبداعي الحر و التساوي في الحقوق بين كل من جنوب أفريقيا والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك فإن التحدي الأكبر هو سهولة وصول هذا العمل الذي تحتفي به الجائزة إلى يد القارئ. وهنا أيضاً تكمن الفائدة الحقيقة من الأصوات الجديدة.
ـ ما هو شعورك وأنت تتحول من كاتب مغمور إلى اسم يعرفه الجميع يردد على كل لسان؟
ـ إن من الغريب فعلاً بالنسبة لي أن أرى رواية «المنارة الصامتة» وقد تحقق لها هذا الانتشار الواسع، بين الناس، في الصحف، وعلى الإنترنت، حيث كانت قبل ذلك تتمتع بالخصوصية، والسرية لفترة طويلة. أعتقد بأنه شعور مشترك بين الكتاب. وبقدر ما أنني مسرور بأن الناس سيقرأون روايتي، بقدر ما يراودني شعور بصعوبة التحرك بعد ذلك.
أعتقد بأن الكتاب كلهم يحملون نفس المشاعر، مشاعر شبيهة بتلك التي تعتريك وأنت تشاهد طفلاً تشرع أمامه أبواب الحياة للمرة الأولى. غير أن المنارة الصامتة لم تعد ملكاً لي وحدي. إنها ملك لكل الذين يقرأونها. أتمنى لها، بعد كل هذه الشهرة، أن تكون جديرة بإعجابهم.
ـ من تفضل من الكتاب الجنوب أفريقيين؟
ـ إسكيا إمفاهلل، أوليف سكرينر، بيتر أبراهامز، أثول فيجارد، والي سيروت، سيزارينا كونا، أنتيجي كروغ، ومنذ فترة قصيرة، بدأت أعجب برواية كريس فان ويكيز شيرلي «الطيبة والرحمة» ورواية دامون غالغوت «الطبيب الطيب» كما أعتبر قصة امبونغيزي دايانتي «ساحرة الأرض» إحدى أهم القصص التي تحتوي عليها مجموعة اكتشاف الوطن الصادرة عن جائزة كاين الأفريقية.
إلا أنني وبعد ما استمعت إلى أعضاء هيئة التحكيم، أثناء حضورهم مراسم الاحتفال، وكانوا يتحدثون على نحو أكبر عن الروايات الأربع الأخرى التي ظهرت في الترشيحات النهائية للجائزة فإنني أتلهف إلى قراءتها كلها دون استثناء ؛ فهي تبدو لي كما لو أنها أعمال روائية خارقة وبدوري أنا أتمنى أن تأخذ طريقها إلى النشر قريباً.
أتصور أن كلا من فاسوين مبي وسيلو كي دويكر كان قد جسد المشهد الإبداعي خير تجسيد وأن خسارتهما مأساة لا يمكن لها أن تعوض على مستوى المشهد الأدبي ما بعد مرحلة الأبارتيد. فعلى الرغم من أن أعمالهما ستظل حاضرة في أذهاننا إلا أن كلا منهما كان ما يزال لديه الكثير ليكتبه.
ـ على المستوى العالمي بمن تأثرت من الكتاب أو الأعمال؟
ـ لقد تأثرت بالروائي الكندي مايكل أنداتجي، وأمين معلوف، وزادي سميث، وحنيف قريشي، ونجيب محفوظ، وجمبا لاهيري، واروندهاتي روي. إنني أشعر تجاههم بالحميمية. أشعر بالألفة وأنا اقرأ أعمالهم. كذلك كارول شيلدس، وإدوارد سعيد الذين أشعر بالأسى على رحيلهما. وبخاصة سعيد. إنني أفتقده.
ـ ما هو رأيك في حالة المشهد الأدبي الجنوب أفريقي؟
ـ الواقع أنني أتبين حاجة ماسة تتطلب تحركاً سريعاً من أجل السيطرة على المشكلات الراهنة التي لم تحل بعد، على الرغم من أن هذا ربما كان هو ما يميز مشهدنا الأدبي باستمرار. قضايا الهوية يبدو أنها تشكل موضوعاً رئيسياً بالنسبة لكتاب جنوب أفريقيا في الوقت الراهن.
وربما كان ذلك يعود إلى أن الكيفية التي كنا نرى بها أنفسنا قد تغيرت على نحو دراماتيكي خلال العقد الماضي أو ما يقارب هذه المدة. أعتقد بأن هنالك حاجة ملحة إلى استقراء جزء من الواقع الراهن، وبالأحرى واقع جنوب أفريقيا ولو كانت الاستجابة للجائزة تشكل دافعاً للمضي إلى الأمام، فأنا أتصور حينئذ أن كتاب جنوب أفريقيا سيكونون منكبين على التأليف.
لقد أذهلت المنظمين تلك الاستجابة التي حظوا بها بالإضافة إلى جودة الأعمال المقدمة للمسابقة إلا أنني أود أن أقدم لكل هؤلاء الكتاب الذين تقدموا بأعمالهم نصيحة وأود أن يأخذوها بعين الاعتبار. إن الكتابة، كما يعرفون جيداً مهمة شاقة كما أنه ليس من السهل على المرء أن ينشر أعماله لكي يقرأها الناس.
إنني ألتمس منهم كلهم أن يستمروا في الكتابة، وهو ما قد لا يبدو ضرورياً... إن الكتاب يكتبون لأنه ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك، إنه الشيء الذي يفعلونه بلا ريب، إذ إنه ليس لديهم خيار آخر، وهكذا فأنا أعتقد بأنهم لا بد وأن يستمروا.
ومن جانب آخر، فإن حالة المشهد الأدبي في جنوب أفريقيا مرهونة بيد القراء. إن تأسيس أدب وطني نابض بالحياة هو كذلك مسؤولية القراء كما هو مسؤولية الكتاب. ودون أن يكون هنالك قراء جنوب أفريقيين، فلن يكون هنالك كتاب جنوب أفريقيين.
مريم جمعة فرج
