«المنارة الصامتة» 282 صفحة، رواية الكاتب الجنوب أفريقي اشتياق شكري 37 عاماً، الفائزة بجائزة الإتحاد الأوروبي لإبداع جنوب أفريقيا. تسلط الضوء على سيكولوجية بطلها وشخصيته متعددة الأبعاد.
وفيها يقدم شكري تجربة واقعية يحرص على نقلها إلى القارئ بأسلوب مشوق، يتراوح ما بين الرواية الكلاسيكية ورواية التحري، ويلقي الضوء على حياة الجنوب أفريقيين في أوروبا أو حياة النفي الاختياري التي يعيشها المغتربون الجنوب أفريقيين في أوروبا.
على الرغم من معرفة القراء القليلة بشكري كروائي على وجه الخصوص، إلا أن هذه الرواية بالتزامن مع ما تقدمه جائزة الإبداع الأوروبي تأتي كتعريف بمجموعة من الأصوات الإبداعية الجديدة الشابة التي ينتظر أن يشملها المشهد الأدبي الأفريقي الواعد.
في مجمل تعليقها على الرواية تشير لجنة المحكمين إلى أن رواية شكري تنجح في تجاوز ما يمكن حدوثه في المشهد الجنوب أفريقي لكي تسلط الضوء على تداعياته في أماكن أخرى من العالم مثل أوروبا.
وهو ما يلتقي مع تصريحات مؤلفها بأن ما جعل هذه الرواية تفوز بالمركز الأول هو طرحها وجهة نظر لا تتفق كثيراً مع وجهة النظر الأوروبية، المتمحورة حول أوروبا واحتياجات شعوبها في تفسيرها للعديد من الموضوعات الراهنة.
غير أن ما يمكن إضافته هنا هو أن جائزة الإبداع الروائي الجنوب أفريقي، التي تأسست العام الماضي، تأتي كمتطلب أو لمد الجسور التقارب بين الثقافات وهو ما يرى المؤلف أنه قد يسهم في تبديد الكثير من الالتباس على مستوى العلاقات الأخرى بالإضافة إلى تشجيعه على المستوى المحلي.
أنشئت الجائزة في يوليو 2004 على هامش مهرجان غراهامستاون للفنون وشاركت في تأسيسها المفوضيات العليا للإتحاد الأوروبي العاملة في جنوب أفريقيا تهدف الجائزة إلى الاهتمام بالمواهب الجنوب أفريقية الإبداعية الشابة الموجودة في دول الإتحاد وتشجيعها على الاستمرار في العمل الإبداعي. وتشترط الجائزة في أي عمل يتم ترشيحه أن يكون أول عمل لم يسبق نشره من قبل.
تدور تفاصيل رواية «المنارة الصامتة» حول حياة طالب جامعي جنوب أفريقي (عيسى)، مقيم في لندن يختفي على نحو مفاجئ ما يثير انتباه القارئ إلى أن هذه الشخصية الغائبة هي المحور الرئيسي الذي يقوم عليه العمل الروائي.
لا سيما أثناء عملية البحث الذهني المضنية التي يقوم بها أفراد أسرته وأصدقائه الذين يترك اختفاؤه من حياتهم خسارة كبيرة لا يمكن تعويضها، «هل قرر عيسى الاختفاء....؟ لماذا؟ صديقته الأفريكانية كاتنكا، أخوه «كاغيسو»، أمه الدكتورة «فاسينث كومار»، وجارته «فرانسيس» يستعيدون ذكرياتهم عن هذا الرجل المفقود».
إن كل من حوله يعترفون بأنه شيء لا يتجزأ من حياتهم، فرانسيس جارته تطري طيبته وحضوره الدائم والألحان الجميلة للأغنية التي كان يرددها دائما أثناء جلوسه أمام الكمبيوتر ومباشرته الكتابة.
أمه، الطبيبة التي كانت تعمل في جوهانسبيرغ وكاتنكا دي بليسيه يلتقيان لكي يتسنى لهما مقارنة مذكراته والتساؤل حول ما تتضمنه هذه المذكرات، فيما يتصرف الإثنان بحرص شديد خشية الإنهيار.
فيما يقدمه شكري من أوصاف تبدو شخصية بطله شديدة التعقيد على الرغم من بساطتها الظاهرية. منذ طفولته كانت لدى عيسى مشاعر مختلطة بالحب والكراهية تجاه ما يمكن أن يطلق عليه للوهلة تاريخ، تاريخه الشخصي وتاريخ جنوب أفريقيا وتاريخ الآخرين، ويعني به هنا أوروبا.
وبالنسبة له فهو كما يبدو لا يختزل وعياً أو عاطفة مختلفة للمرحلة التي سبقت تبني أسرته المختلطة، أسرة الدكتورة فاسينث له وبالتالي فهو من وجهة نظر الجميع كائن عالمي المشاعر.
أما تاريخ جنوب أفريقيا فهو على العكس من ذلك يبدو واضحاً ومرتبطاً بالنضال الذي شهدته هذه البلاد أو شهدته القارة بوجه عام. والواقع أنه كان ولا يزال جزءا من حركة التغيير على الصعيدين السياسي والثقافي، وهو تاريخ مشترك خاضه مع أخيه كاغيسو منذ أيام الدراسة والمناقشات الحامية حول تاريخ الإستعمار الأوروبي لأفريقيا.
يلعب التاريخ دوراً أساسياً في الرواية بوصفه أحد الموضوعات الحاسمة. تأخذ موضوعات أخرى لا تقل أهمية دورها في البروز كموضوعات رئيسية، ومن بينها موضوع الهوية. ومن جانب يبدو واضحاً المجهود الذي يبذله شكري في البحث والتقصي التاريخي، وهو يفعل ذلك على نحو مميز بالدقة.
غير أن أكثر ما يقدمه المؤلف أهمية يتجسد في تحليله لشخصية بطله. إن عيسى يظل على الرغم من كل شيء شخصية غير عادية، مهووسة بالتاريخ، يبدو احتمال وقوعها في أزمة كبيراً.
وتورطه في ذلك يجعل من السهل على القارئ أن يتساءل حول ما إذا كان لذلك علاقة بحادثة اختفائه. هل قرر مثلاً الدخول في صراع مع الآخرين؟ هل تعمد إخفاء مشكلاته النفسية عن أسرته وأصدقائه، هل تعمد نفي نفسه في أي مكان؟ هل خطف، هل مات؟
هذه الحبكة التي يقدمها شكري وإن كانت لا تبدو على درجة عالية من الإحكام تقترب بروايته من مناخ رواية التحري، هنا يحاول شكري محاكاة ما يعرف في الغرب برواية التحري الجديدة ومن هذا المنظور يمكن أن تتحول روايته الكلاسيكية إلى عمل روائي يهتم بمناقشة مأزق حياتي يومي يجد فيه أبطاله أنفسهم محاصرين في دائرة ضيقة لكي يبحثوا عن حلول أخلاقية.
وعلى الرغم من أنك لا تتوصل إلى حل للغز بطله، أو معرفة أسباب اختفائه الدقيقة أو مكان اختفائه إلا أن ذكاء المؤلف يبدو هنا واضحاً من خلال قفزات متأرجحة بين الرواية الكلاسيكية ورواية التحري.
كما ينجح شكري في جعل أبطال الرواية كلهم دون استثناء يبدون في حالة تماهٍ مع بطلها عيسى إلى حد عدم القدرة على الفصل بين معاناته ومعاناتهم .
وهو ما يقودهم إلى حالة الاهتزاز الداخلي الذي يعبر عنه المؤلف بإعارتهم نفس منظور الرجل الذي اختفى فجأة لكي يروا من خلاله الحياة. في لحظات التقمص العاطفي تقول فرانسيس عن نفسها أنها تأملته فوجدته مخلوقاً نورانياً. يعمل بجد، لا يأكل سوى القليل من الطعام، يجلس معها أمام شاشة التلفاز....
إن سيطرة عناصر التحليل النفسي وانشغال شكري بالبحث في التصادم بين ماضي شخصياته وحاضرها وبين القيم الشخصية والقيم الكونية الشاملة يجعل روايته أكثر اقتراباً من الكلاسيكية.
كذلك يبدو أسلوبه الشاعري وتقنياته الجمالية التي تواكب جمال شخوصه وثقافتها الإنسانية التي تجعل عباراتها شديدة الواقعية وهي تتحدث عن الموسيقى وثقافة البوب والقراءة والكمبيوتر وعلاقاتها الحميمة.
ربما كانت كاتنكا إحدى أكثر شخصيات الرواية بعداً عن ملاحقة المؤلف وعن توقعات القارئ بأن يطرأ عليها المزيد من التطوير من قبل شكري.
فهي تقدم بشكل سريع، شابة أفريقية من جوهانسبيرغ، متحررة، تقاطعها عائلتها بسبب معتقداتها الفكرية، تلتقي كل من عيسى وكاغيسو في إحدى المرات فتطلب منهما أن يوصلاها بسيارتهما إلى كيب تاون، للإستمتاع بمشاهدة نيلسون مانديلا في أعقاب إطلاق سراحه. بعد وصولها إلى لندن ترتبط بعلاقة غرامية مع شاب عربي وتحرص على تعلم اللغة العربية.
على مستوى الزمان والمكان تتوزع الأحداث على مرحلتين مختلفتين ومكانين مختلفين كذلك، حيث تقع بعض أحداث الرواية في منطقة غرب الكاب خلال السنوات التي تقود مباشرة إلى قيام أول انتخابات ديمقراطية في جنوب أفريقيا.
بينما يقع القسم الباقي من هذه الأحداث في صيف 2003 في لندن وتبدأ بحادثة اختفاء عيسى شمس الدين المفاجئة من منزله في فنسبري بارك حيث يعيش وسط أهله وأصدقائه ويواصل دراسته العليا في إحدى الجامعات البريطانية.
أحد الموضوعات المهمة التي تناقشها الرواية موضوع العلاقة بين الثقافات والثقافات الفرعية وهو موضوع مثير للجدل بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب على ذلك من سوء فهم. فمن هذه الجزئية يشرع المؤلف في إضفاء لمسات.
إضافية على القصة المحورية من خلال الخروج بالمشهد الروائي من إطاره المحلي، في جنوب أفريقيا إلى إطار أوسع وبعد عالمي أرحب يجعل القصة أكثر واقعية وآنية وينأى بالمؤلف عن شيء من ضيق الأفق.
في جو احتفالي مهيب بضاحية باركوود، جوهانسبيرغ، أعلن فوز «المنارة الصامتة» كأول عمل روائي جنوب أفريقي يستحق جائزة الإتحاد الأوروبي للإبداع المخصصة لكتاب جنوب أفريقيا.
وكان تسليم الجائزة قد تم بحضور سفيري كل من هولندا والإتحاد الأوروبي. وإضافة إلى قيمتها البالغة حوالي 2300 جنيه إسترليني تلقى الكاتب اشتياق شكري دعوة لحضور مهرجان ونترناشتن الهولندي ووعداً بنشر روايته في وقت لاحق من العام الحالي 2005.
يشكل كل من التاريخ، والسرد، والذاكرة العناصر الرئيسية في الرواية. التاريخ كما يقدمه المؤلف لا يتصل بالماضي فقط وإنما بتطور الأحداث بوجه عام لكي تمتد إلى الحاضر.
وبالنسبة لعيسى بطل رواية شكري يصبح التاريخ مادة للتغيير إلى الأفضل. وباستمرار هذا التغيير يتبين لك أنه لا يمكن سرد التاريخ بشكل مستقيم. حيث يقود تواصل الأحداث إلى تراكم يشير إلى الحاضر، لندن، مستحضراً صورة الماضي ، جوهانسبيرغ.
تحتوي الرواية بعض الموضوعات الفرعية التي تظهر بين الفينة والفينة. ومن جانبها تبدو أهمية هذه الموضوعات كبيرة بالنظر لما تنطوي عليه من مضامين تلعب دوراً مهماً في إثراء المشاهد الروائية.
بعض هذه الموضوعات يأتي في هيئة إشارات لأماكن معينة كالمتاحف والمقاهي والأماكن الأخرى التي تعطي إيحاءً باختفاء بعض الأشياء الأساسية من حياة هذه الشخصيات التي تتحدث عنها الرواية.
«المنارة الصامتة» رواية رشيقة تلقي الضوء على موضوعات معاصرة مثيرة للجدل يأتي في مقدمتها موضوع التواصل والحوار بين الثقافات.
وبنفس النكهة من المعاصرة والانفتاح تبحث في حياة مجموعة من الشخصيات المرتحلة في الزمان والمكان، التي تجتمع لفترة من الوقت تحت سماء لندن القرن الحادي والعشرين حيث التعددية الثقافية والنجاح والإخفاق الذي يصادفه المغتربون، والاضاءات الصادرة عن المؤلف من وقت إلى آخر التي إذا نجحت في شيء فهي إنما تنجح في التشويق والإغراء بمواصلة القراءة.
الكتاب: المنارة الصامتة
الناشر : دار جاكانا ـ جوهانسبيرغ 2005
الصفحات : 282 صفحة من القطع المتوسط
THE SILENT MINARET
ISHTIYAQ SHUKRI
5002grebsnahoJ-AIDEM ANACAJ
P.282
