يعتبر مؤلف هذا الكتاب د.عبد القادر الريحاوي أحد أبرز الباحثين في مجال الآثار، فقد عمل نحو ثلاثين عاما (1951 ـ 1980 ) في المديرية العامة للآثار والمتاحف كمسؤول عن حماية الآثار والتراث العمراني في سوريا، وعمل على تأسيس جمعية أصدقاء دمشق التي تهتم بمدينة دمشق وتراثها.

وعمل الريحاوي أستاذا بجامعة الملك عبد العزيز بين عامي (1980 ـ 1994 ) درس خلالها مادة العمارة الإسلامية، ومادة تاريخ الفنون، واسهم في إعداد معجم مصطلحات العمران والعمارة، كما وضع عددا من المؤلفات والبحوث الهامة عن التراث العمراني والمعماري في سوريا وبعض البلدان الإسلامية.

وحصل كتابه «العمارة في الحضارة الإسلامية» على الجائزة الأولى من منظمة العواصم والمدن الإسلامية. شارك في مؤتمرات وندوات عربية ودولية مختلفة حول العمارة والتراث المعماري.

وحصل على عدد من الجوائز من مؤسسات ثقافية عدة كان آخرها الجائزة الممنوحة له من قبل اتحاد الجامعات العربية وجمعية الآثاريين العرب في القاهرة قبل سنتين.في كتابه الجديد «روائع التراث في دمشق» الصادر أخيرا عن دار التكوين (دمشق 2005) يواصل الريحاوي مشروعه المتمثل في الكشف عن جماليات التراث المعماري في العواصم والحواضر الإسلامية.

وليس غريبا أن تكون دمشق هي الوجهة الرئيسة لكل باحث عن الآثار والمعالم التاريخية، فهذه المدينة الموغلة في القدم تعتبر من أقدم المدن المأهولة في العالم، وتزخر بالتحف المعمارية التي تعود إلى مختلف المراحل والعهود، فقد دلت المكتشفات الأثرية إلى أن تاريخ بناء هذه المدينة يعود إلى ما بين الألف السادس والخامس قبل الميلاد.

يتحدث الباحث في الفصل الأول عن شهرة جبل قاسيون وتراثه العمراني والمعماري، ويقول إن من أهم المعالم التاريخية في قاسيون هناك قبتان هما: قبة السيار الجاثمة إلى الآن على القمم الغربية التي تعلو موقع الربوة، وقبة النصر التي تهدمت اثر الزلزال الشهير الذي تعرضت له المدينة سنة 1471 م.

ولقاسيون ـ كما يلاحظ الباحث ـ مكانة دينية بسبب احتوائه على المواقع المقدسة كالأديرة والمزارات والمشاهد فهناك دير مران، ودير الرهبان، ودير النساء، ودير صليبا... وهناك مهد عيسى في موقع الربوة، وفي السفح الشرقي هناك «مغارة الدم» التي تعرف اليوم بمقام الأربعين.

وهو مكان مشهور كان يزوره الكثير من الحجاج ويتناقل الناس عنه معلومات وأساطير شتى، ويشيرون إلى صخرة ذات لون احمر دلالة على آثار الدم باعتباره المكان الذي قتل فيه قابيل أخاه هابيل ويقال في تفسير مقام الأربعين ان مسجدا أقيم على المغارة يضم أربعين محرابا بناه الوالي العثماني احمد باشا الحافظ عام 1599 م.

ويوجد كذلك مغارة الجوع التي يذكرها الشعراء كمأوى للمضربين عن الطعام من الأنبياء والمتعبدين، وبالقرب من هاتين المغارتين يوجد «كهف جبريل» الذي يقال إن آدم كان يسكن فيه وتأتيه الملائكة لتعزيه بابنه هابيل، وهناك مسجد إبراهيم في الجانب الشرقي من قاسيون تحدث عنه ابن عساكر فقال انه المكان الذي رأى فيه إبراهيم الكوكب مشيرا إلى الآية الكريمة (فلما رأى كوكبا قال هذا ربي).

ويتحدث الريحاوي عن المدارس التي انتشرت في سفوح قاسيون مثل المدرسة الأيوبية، والبدرية، والشبلية، والحافظية، والشامية، والعمرية، وعن التجمعات السكانية التي ظهرت في العصور المختلفة على سفوح قاسيون مثل الصالحية، والمهاجرين، وركن الدين، والميسات، والجسر الأبيض، والمصطبة وغيرها.

في الفصل الثاني يتناول الباحث الخانات والقيساريات والمنشآت الاقتصادية التي اشتهرت بها دمشق التي عرفت بنشاطها التجاري في كل العصور بسبب موقعها الهام على طريق قوافل الحجاج والتجار فاقتضى ذلك إقامة منازل للمسافرين ومنشآت للنشاط التجاري.

ويستعرض الباحث أهم الخانات والفنادق والقيساريات التي اشتهرت في العهد الأيوبي ثم يتحدث عن أهم المباني في العهد المملوكي ( 1259 ـ 1516 ) وأخيرا يتحدث عن الخانات في العهد العثماني ويقدم إحصائية عن أهم الخانات الزائلة مثل خان مصطفى باشا، وخان بني الناشف، وخان بني رمضان، وخان الخضيرية، والسمرجية، وسيباي، والثلاج وغيرها.

أما أهم الخانات الباقية إلى الآن فهي ـ كما يعددها المؤلف ـ خان الجوخية، وخان الحرير، وخان سليمان باشا، وخان العمود، والمرادية، والجمرك، وقطنا، والزعفرنجية، والحرمين، والزيت، واسعد باشا..

وكانت وظيفة الخان تشتمل على النواحي المهنية والتجارية والسكنية، ويقدم الباحث وصفا شاملا للخان من ناحية الهندسة المعمارية، والأوصاف الخارجية، والمساحات، والصحن والقباب التي تتوسطه، ومزاياه المعمارية.

ويفرد الباحث فصلا للحديث عن التكايا العثمانية في دمشق، فيقدم لمحة مفصلة عن تاريخ التكية السليمية في الصالحية، كما يقدم وصفا دقيقا عن التكية السليمانية التي تقع في قلب دمشق على ضفاف بردى وهي مجموعة عمرانية فخمة تتميز بقبابها وغرفها الكثيرة.

وقد بدئ بعمارتها عام 1554 بأمر من السلطان العثماني سليمان القانوني الذي حكم بين عامي ( 1519 ـ 1566 ) لتنتهي بعد حوالي خمسة أعوام، وهذه التكية شامخة إلى الآن ويستخدم جزء منها كسوق للمهن اليدوية كما ان جزء منها تحول إلى متحف حربي.

ويتحدث الباحث عن قصور الحكام التي بنيت في مدينة دمشق في العهود المختلفة، فيلقي الضوء على القصور المشيدة في العهود السابقة للإسلام مثل قصر ملك الآراميين إذ تتحدث المصادر عن وجود هذا القصر الذي هدمه تغلات فلازار الثالث ملك الآشوريين خلال هجومه على دمشق عام 734 قبل الميلاد ويعتقد، بحسب المصادر المختلفة، بأنه كان موجودا في شارع المستقيم عند حي مئذنة الشحم في مكان يدعى تلة السماكة.

كما تذكر المصادر وجود قصر هرقل الذي ظل مكانه معروفا حتى عهد متأخر، ويستنتج الباحث ان هذا القصر كان قائما في محلة النيرب القديمة التي كانت تقع شرقي الربوة بين بردى وفرعه تورا . وتذكر المصادر كذلك وجود قصر الغساسنة (البريص) ويعتقد ان مكانه كان في شارع المستقيم الممتد بين باب الجابية وباب شرقي.

وبعد ان جاء الإسلام وغدت دمشق عاصمة الأمويين فقد ظهرت قصور الأمويين بكثرة، ولعل أهمها قصر معاوية «الخضراء» وقد سمي كذلك لوجود قبة خضراء في المحلة التي كان يوجد فيها القصر الذي سمي أيضا بمقر الإمارة ودار الملك، وموقع القصر معروف وهو إلى الجنوب من الجامع الأموي .

ويبدو ان قصر معاوية كان في الأصل بناء قديما جدده معاوية فكان أول قصر يشاد في دمشق بعد الإسلام أصابه الخراب في العهد العباسي ثم احترق في أواخر عهد الفاطميين في الحريق الذي حدث عام 1068 م، ومن القصور الأموية الأخرى قصر حجاج إلى الجنوب الشرقي من باب الجابية.

وكانت دار الخليفة عمر بن عبد العزيز ووالده من قبله إلى جوار الجامع الأموي، وكذلك قصر الخليفة هشام بن عبد الملك في سوق القلبقجية... لكن كل هذه القصور الأموية في المدينة لم يبق لها اثر سوى تلك الموجودة في البادية السورية «قصرا الحير الشرقي والغربي».

ورغم ان خلفاء بني العباس اتخذوا العراق مقرا للخلافة وبنوا قصورهم في الكوفة وبغداد وسامراء لكن المصادر تذكر أن بعضهم حضر دمشق وأقام بها بعض الوقت كالمهدي والرشيد والمأمون والمعتصم والمتوكل ولاح للواثق ان ينقل العاصمة إليها ثم عدل عن هذا الرأي، ويتحدث الباحث عن قصور السلاجقة والأيوبيين.

ومن أهم المعالم في هذا العهد قلعة دمشق التي اتخذت دارا للإمارة، كما تم تشييد دار رضوان ودار المسرة، أما أهم قصور الحكام في العهد المملوكي فهو القصر الأبلق الذي بناه السلطان الظاهر بيبرس في بداية العهد المملوكي في موقع المرج .

والميدان الأخضر على ضفة نهر بردى اليمنى ثم تهدم وشيدت مكانه التكية السليمانية، وكذلك دار السعادة وهو مقر نائب السلطنة في العهد المملوكي وكان قصرا مشيدا داخل سور المدينة بالقرب من باب النصر أطلق عليها بعض المؤرخين اسم دار العدل.

ويذكر الباحث كذلك قصر اسعد باشا العظم الذي شيد العام 1750 ميلادية ويقع في جنوب الجامع الأموي بينه وبين سوق البزورية، ويمثل هذا القصر المسكن العربي الدمشقي المتميز بالبساطة في المظهر الخارجي مع البذخ في الزخرفة والتجميل في الداخل.

ونظرا لهذا التاريخ الطويل الذي عاشته دمشق والعهود الكثيرة التي مرت عليها فهي تزخر بقبور العظماء والمشاهير وقد صنفهم الباحث إلى أربع طبقات هي طبقة الملوك والسلاطين ومن قبور هؤلاء يوجد في دمشق قبر معاوية بن أبي سفيان، وقبر عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وقبر محمود بن عماد الدين زنكي الذي لقب بالملك العادل نور الدين.

وكذلك قبر صلاح الدين الأيوبي ( 1127 ـ 1193 م) بالقرب من الجامع الأموي، وقبر شقيقه سيف الدين الذي لقب بالملك العادل، ومن أولاد صلاح الدين الملك المنصور حسن وقبره معروف في التربة النجمية الكائنة في سوق ساروجة، وقبر السلطان الظاهر بيبرس وغيرهم. أما الطبقة الثانية فهي طبقة الأمراء والولاة ويوجد لهؤلاء في دمشق قبور كل من:

شاهنشاه بن أيوب، وتوران شاه بن أيوب، وفروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب، والملك الأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه، والأمير ناصر الدين بن شيركوه، والأمير عز الدين إيبك، والأمير حسام الدين محمد بن عمر، والأمير فخر الدين سركس، والأمير غورلو، والأمير تنكز، وسيف الدين جقمق، ودرويش باشا، ومراد باشا وغيرهم.

أما الطبقة الثالثة فهي طبقة الصحابة التي توجد للكثير منها قبور في دمشق مثل بلال الحبشي، وأبو الدرداء، وقبور لصحابة آخرين يشك الباحث في مدى صحتها مثل قبر صهيب الشامي، أبي بن كعب ، شرحبيل بن حسنة، ضرار بن الأزور، وأبو ذر الغفاري وسواهم. أما طبقة آل البيت، بحسب تصنيف المؤلف، فتوجد لهذه الطبقة في دمشق قبور سكينة بنت الحسين، وفاطمة بنت الحسين، وزينب الصغرى بنت علي، ومشهد الحسين بن علي.

والست رقية، وأم حبيبة زوجة الرسول(ص) وأخت معاوية بن أبى سفيان، أما طبقة العلماء فلها قبور كثيرة في دمشق ومن هؤلاء العلماء ابن تيمية، وابن عساكر، وابن كثير، ومحيي الدين بن عربي وغيرهم.

وينهي الباحث كتابه بالحديث عن أهم المدارس التي أنشئت في دمشق في العهود المختلفة وهي كثيرة جدا ومازالت الكثير منها باقية مثل المدرسة الظاهرية، والعادلية، والركنية، والصاحبية، والجقمقية، والصابونية.

واللافت ان الباحث يضمن كتابه مجموعة من الصور النادرة والمخطوطات التوضيحية التي تبين أجزاء وأقسام المباني الأثرية التي يتحدث عنها، كما ان هناك ملحقا مدرجا في نهاية الكتاب يتضمن صورا حديثة ملونة لأهم المعالم الأثرية التي جرى الحديث عنها.

وورد ذكرها في متن الكتاب الذي يعد أحد أكثر الكتب توثيقا ودقة حول مدينة دمشق وما تزخر به من كنوز أثرية خالدة، فضلا عن كون الكتاب يتميز بخصوصية تتمثل في تسليط الضوء على تلك الجوانب التي أهملها الباحثون الذين يركزون، غالبا، على الوصف الخارجي للأبنية الأثرية ويسهبون في اللغة الإنشائية، لكن الريحاوي يدخل عتمة هذه المباني .

ويزيل الغبار عن صفحات مجهولة غير معروفة إلا لمن اجتهد وتعمق في المصادر التاريخية وهذا ما يفعله الريحاوي الذي يقدم في نهاية الكتاب ثبتا بالمراجع والمصادر العربية والأجنبية .

الكتاب: روائع التراث في دمشق

الناشر: دار التكوين ـ دمشق 2005

الصفحات: 218 صفحة من القطع المتوسط

إبراهيم حاج عبدي