مؤلف كتاب «العواصم من القواصم» هو القاضي «أبو بكر بن العربي» الذي ولد في «اشبيلية» بالأندلس سنة 468 هجرية، في بيت من أعظم بيوتها، فقد كان أبوه «عبدالله بن محمد بن العربي» من وجوه علماء الدولة وكبار أعيانها.

ولهذا فقد كان لهذه البيئة الأثر الأكبر في حياته، وقد ارتحل حين بلغ السابعة عشرة من عمره مع أهله إلى المشرق، وفي هذه الرحلة يتعرضون لنكبات جديدة، لكن حين يصلون إلى مصر يتصل «أبو بكر» بعلمائها وأئمتها، وكذلك في «بيت المقدس» و«دمشق» ثم يواصلون الرحلة إلى دار الخلافة العباسية «بغداد».

وفي هذا الجو أخذ «ابن العربي» في توسيع ثقافته وتلقي العلوم عن أهلها، حتى برع في علوم السنة وتراجم الرواة وأصول الدين وأصول الفقه وعلوم العربية والآداب، وقد لقي حجة الإسلام أبا حامد الغزالي، وكان لذلك اللقاء أثره في نفسه، ثم توجه مع أبيه إلى دمشق وفلسطين والإسكندرية في رحلة العودة على «اشبيلية».

وكان «ابن العربي» قد حج قبل هذا مرتين، ولما وصل إلى وطنه، استقبل العلماء ورجال الثقافة والأدب في «اشبيلية» وما جاورها من عواصم الأندلس، هذا الغائب القادم بعلوم المشرق استقبالاً لا نظير له، وقصده طلاب العلم وأذكياء الأندلس، وتحول منزله إلى جامعة، وعقدت له حلقات الدرس في الجوامع، إلى ان تسلم القضاء في «اشبيلية».

وقد أجمعت آراء الذين تحدثوا عنه، على انه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء، لكنه بعد فترة تفرغ للعلم وواصل إكمال مؤلفاته الكبيرة، ومن مؤلفاته:

أنوار الفجر، قانون التأويل في تفسير القرآن، الناسخ والمنسوخ في القرآن، العقل الأكبر، أعيان الأعيان..» وقد ترك لنا قرابة خمسة وثلاثين كتاباً.وظل هكذا إلى ان أدركته المنية سنة 543 هجرية ودفن في مدينة «فاس».

يبدأ الكتاب «العواصم من القواصم» بوفاة الرسول الكريم «محمد صلى الله عليه وسلم» الذي كانت وفاته قاصمة الظهر، لكن الله تدارك الإسلام باختيار أبي بكر «رضي الله عنه خليفة للمسلمين.

وهنا يقدم لنا الكاتب خطبة الخليفة الأول، وما فيها من حكمة وعبر وموقفه من مانعي الزكاة وتنظيمه جيش الخلافة واختياره القوّاد والعمال، ثم اختياره «لعمر بن الخطاب» والذي جعل الأمر شورى في اختيار الخليفة بعده.

ثم يتعرض لخلافة «عثمان بن عفان» وسجاياه وصفاته الممتازة ومكانته العالية في الإسلام، ويتعرض لوصف إجمالي لدعاة الفتنة الذين قاموا على الخليفة «عثمان بن عفان» ويعتبر ذلك قاصمة، أما العاصمة: فيعتبرها المؤلف في موقف «عثمان» من عبدالله بن مسعود ومن «عمار بن ياسر» كما يتعرض لجمع «عثمان» للقرآن الكريم وأهمية هذا العمل العظيم.

وهو لا ينسى أثناء حديثه عن هذا الخليفة ان يورد لنا المآثر التي تميز بها في حياته وصحبته مع الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» ومن المهم في هذا الكتاب حين يتعرض لمسيرة الخليفة «عثمان» ذكره للوقائع والمحاورات التي جرت بين الخليفة «عثمان» والبغاة عليه ووصيته إلى الزبير واستعداده للموت، واعتزام الأنصار الدفاع عنه.

كما يصف لنا هذا الخليفة في ساعته الأخيرة، ولا ينسى ان يقدم لنا الأحكام الفقهية في موقف «عثمان بن عفان» رضي الله عنه ويتعرض لخلافة «علي بن أبي طالب» رضي الله عنه.

وموقفه من قتلة عثمان، ويعتبر ان اجتماع أصحاب الجمل بمكة وخروجهم إلى البصرة قاصمة، أما العاصمة فهي مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة لتأليف الكلمة والتوصل بذلك على إقامة الحد على قتلة «عثمان».

أما القاصمة والأخيرة فكانت افتراق المسلمين بعد الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم»وكانت العاصمة تحذير المسلمين من الفساد والأهواء ومما قيل زوراً عن الصحابة والخلفاء الراشدين.