الباحث والأكاديمي فاروق ميثا، الذي يدِّرس حالياً مادة التربية المقارنة في جامعة فيكتوريا بكندا، واحد من المهتمين بالتراث الفكري والتاريخي العربي/ الإسلامي، ويأتي كتابه الغزالي والاسماعيليون: العقل والسلطة في إسلام العصر الوسيط، كمحاولة إجابة عن الاسئلة التي يطرحها تاريخ الفكر الإسلامي بتفرعاته، ورموزه ومذاهبه المختلفة.
وفي مقدمة كتابه يكشف عن الشواغل التي دفعته لتتبع الروابط المفترضة بين أبو حامد الغزالي والاسماعيليين دون أن ينسى أن دراسة جانب واحد من جوانب التاريخ الإسلامي في الفكر أو الثقافة أو المجتمع يجب ألاّ تنفصل عن فكرة الإسلام كتجسيد ومحتوى لرؤية وأخلاقيات تجسّد للضمير والتاريخ معاً، حيث يمثل الغزالي الأكثر تأثيراً في تاريخ الفكر الإسلامي بين المفكرين المسلمين.
بداية يشير الباحث إلى أن كتابات الغزالي في تخصصات اسلامية متنوعة لا تكشف عن حب اطلاع وثبت فكري وحسب، بل وعن سعي شبه محموم باتجاه يقين معرفي قاده في النهاية إلى اعتناق الصوفية، الأمر الذي جعله موضع اهتمام الدارسين المعاصرين.
ثم يتحدث عن أهمية البحث التي يجدها في التحليل النصي والطريقة، التي يوضع فيها نص الغزالي في التاريخ الفكري والسياسي الأوسع للأفكار، مع الإشارة إلى أن خطاب الغزالي ينغمس في الواقعية الدينية والسياسية.
ويعمل على اجتذابها. يتألف الكتاب من ثلاثة فصول وثبات بالمصادر والمراجع الأجنبية والعربية وفهرس بالمصطلحات والأعلام والأماكن، إضافة إلى المقدمة وتمهيد .
ويحمل الفصل الأول عنوان بنية كتاب المستظهري: الموقع التاريخي والعصر وكما هو واضح من العنوان فإن البحث يتناول أحد مؤلفات الغزالي الذي صنف في فترة سابقة لمغادرته بغداد في عهد الخليفة العباسي المستظهر الذي أوكل إليه رسمياً مهمة كتابته، وهنا يشير الباحث إلى أن أكثر التحليلات القائمة على تحليل النصوص هي دراسة جورج حوراني الذي يضعه بعد كتاب تهافت الفلاسفة من حيث القيمة.
قبل أن يدرس نقاط التحول التي كان لها الأثر الأكبر في كتابة المؤلف يقدم مجموعة من التعليقات العامة، التي تتعلق بالمقصود من المصطلح، إذ إن دراسة التاريخ تبدأ بالعودة إلى فكر الماضي، واتساع أفق الماضي، حيث إن الدخول في هذا الأفق هو عمل عقلي أولاً يجري تشكيله بتصوراتنا عن الماضي إلى جانب استخدام الذاكرة والسجلات المدونة وكل أشكال الآثار القابلة للتعريف.
ومن أجل دراسة الموقع التاريخي لهذا النص يبدأ بدراسة العلاقة بين الغزالي وعصر السلاجقة، إذ يشكل الأخير علاقة خاصة للعديد من نقاط التحول المهمةفي التاريخ الإسلامي، تتمثل في طبيعة الهجرات التركية وما رافقها من توطيد للسلطة، وفي تطوير هيكلية سياسية واقتصادية في إمبراطورية سلجوقية آخذة في التوسع، ثم الإحياء الأيديولوجي والفكري للإسلام السياسي.
ويسعى الباحث من خلال إعادة تفسير ظواهر هذا التاريخ إلى تتبع حدود التفاعل الفكري، والاستعارة بين الإسلام والغرب المسيحي. وصولاً إلى إعادة بناء التيارات الفكرية والسياسية للعصر الذي كتب فيه الغزالي هذا النص.
وبعد أن يتناول حياته الأولى والبيئة الفكرية والسياسية، يتحدث عن علاقة الغزالي مع الخلافة العباسية، كما تجلت في محاولة النظام السياسي لإضفاء الشرعية عليه .
وقد جاء هذا الكتاب لتأكيد الحاجة والرغبة في إبقاء مفهوم السلطة الخلافية حيّاً في الأمة، إلا أن الغزالي يكشف فيه عن فكر قلق، إزاء تعقيد المشكلات المحيرة، التي تواجه مجتمعه، في الوقت الذي لا نجده يتطرق إلى الحرب الأهلية لرغبته في عدم التحزب لأي من أطراف الصراع الداخلية الأسروية.
لقد استخدم الغزالي التعبير الأكثر كناية عن الإسماعيلية وهو «الباطنية». ومن أجل فهم دوافعه وتحليلها يرى أنه من الضروري الخروج من السجالات المتحاملة ودراسة الباطنية بعيداً عن فهم الغزالي لها، فالاسماعيليون لم يستخدموا هذا التعبير.
ثم يتطرق إلى علاقة حسن الصباح بالإسماعيلية، إذ كان الصباح ممثلاً للدعوة الفاطمية في شمال إيران، والتي كانت قد أضحت تنظيماً فعالاً، ومميزاً في نوع العلم الديني الذي كانت تنشر.
وقد جاء كتاب الغزالي كامتداد للمنافسة الفاطمية مع السلاجقة بسبب مخاصمته الموجهة إلى الخليفة الفاطمي في مصر، وإلى الأفكار المرتبطة بتغلغل فرقة الصباح داخل الإمبراطورية السلجوقية، ولذلك كان من الطبيعي ان تكون كتابات الغزالي متحاملة على الاسماعيليين.
في الفصل الثاني من الكتاب، ينتقل من الخلفية التاريخية، السياسية، والفكرية إلى تشريح كتاب المستظهري في ضوء الحقائق السابقة التي قدمها، فيدرس أولاً محتوى الكتاب وأسلوبه معتبراً أن كل قراءة، هي فعل تفسير، وقراءة النص تستدعي نوعا مخصصاً من التفسير، ولتأكيد الجانب المنهجي يبدأ بالتعريف بالخصائص العامة بين النصوص، وبمفهوم التفسير والنص.
ثم ينتقل إلى فك رموز الكتاب الذي ستجري معاملة تصنيفات الأسلوب والمحتوى كعناصر متكافلة ومتضامنة، الأمر الذي سيجعل التركيز الأساس ينصب على قراءته كنص مجسد لمجموعة نقاشات محددة، لتحديد تركيبة النص، ولذلك يبتدئ بتناول مبررات مقدمة الغزالي التي تتألف من خطبة تمهيدية تتضمن أهداف الكتاب.
وقائمة بعناوين الفصول العشرة ويكشف الباحث عن الطريقة التعليمية لفك رموز الأسلوب، والتي تقوم على أخذ السمات المختلفة للكتابة الموجودة في المقدمة، وهي تظهر في ثلاث سمات، تداخلت مع بعضها البعض، التقوى والولاء والانحياز، ثم يقوم بشرح هذه السمات، بعد ذلك يتحدث عن تراث أدب الفرق مشيراً إلى أن اسلوب النصف الأول من الكتاب يحمل شبهاً لما كان آنذاك في طور الظهور من صنف أدب الفرق.
والغزالي لم يكتب رسالة شاملة في الفرق، بل اشتمل على ثلاثة موضوعات مركزية الاول هو تمثيل الباطنية كمؤامرة منظمة تهدف إلى الاستيلاء على الملك، والثاني هو الانحراف الديني أو البدعة العقائدية، والثالث هو التناقض المزعوم للحركة، ولأجل ذلك يقوم الباحث بتفحص الاستراتيجيات المتحاملة التي استخدمها في كل واحدة من هذه الموضوعات المركزية الثلاثة.
وفي دراسته لمكانة الكلام يتناول مفهوم العقل وحدوده لادراك ما ينوي الغزالي تحقيقه في الكشف عن زعمهم في معرض البرهان على ابطال النظر العقلي واثبات وجوب التعلم من الامام المعصوم، ولمعرفة كيفية قيام الغزالي بتطبيق الشرع في حل مشكلات مرتبطة بالباطنية يدرس متطلبات الفقه من حيث القيود والقواعد باعتبار الشرع أداة للسلطة.
أو بمعنى آخر يستخدم فاعليته في تبرير سلطة الخليفة المستظهر، ولذلك يختتم كتابه بعرض فضائل المستظهرية عبر نموذجين مميزين، نموذج نص السياسة الشرعية في الفصل التاسع، وترجمة لنص نصيحة الملوك في الفصل العاشر.
الفصل الثالث يحمل عنوان نحو إعادة وقراءة كتاب المستظهري وفيه يؤكد أن الدراسة التاريخية للأفكار تتعلق أولاً بالأهمية والأثر، والدراسة تتوخى في أهدافها استعادة الأهمية التاريخية والأثر لهذا الكتاب الذي يصفه بأنه مدهش ومعقد وأفكاره لا تتناول قضايا عصره وحسب، بل هي ذات صلة بالمواقف الفكرية الحرجة التي تواجه المسلمين في العالم المعاصر.
كما ينوه بأن كل إعادة قراءة تتطلب فعل اسقاط، يقوم على اسقاط مجموعة من المنظورات الحاضرة على نص كتب في الماضي، وإذا كان هذا الكتاب نصاً مكثفاً، ومتعدد الوجوه، يحتوي أساليب متنوعة من المجادلة والتقديم، فإن المؤلف يلجأ إلى تصنيف المفاهيم المقلقة ضمن ثلاث مجموعات هي:
الرشدية والنظر والسلطة، ثم يقوم بشرح هذه المفاهيم، مبيناً أن تاريخ الشرع وعلوم الدين الإسلامي تظهر الرغبة الدائمة لادعاء الرشدية، وهو ما يفسر التوجيه المتحامل للكتاب، في حين أن النظر كمصطلح استخدم تسمية للنظر في نصوص أصول الفقه والكلام حتى زمن الغزالي، وقد جاء بناء النظر عنده للدفاع عنه ضد ما فهم بأنه منظورها للعقلانية.
ويبحث الكتاب في العلاقة بين الديني والدنيوي في قضايا السلطة، فيدرس ثلاث قضايا تتعلق بمكانة الخليفة، وهوية العلماء، والتزامات ضمير الغزالي الديني.
ويرى الباحث ان جذور هذه المسألة، تقع داخل وخارج التاريخ الاسلامي في الآن معاً، فمن الخارج تشكل قضية اصطلاحية، في حين انها من الداخل تنصب من داخل ظروف التطور التاريخي نفسها، وقد استخدم الغزالي مصطلحي الدين والدنيا، مشيراً إلى مجالات مختلفة من سلطة الخليفة،.
كما طور في نصوص لاحقة التفريق بين المصطلحين، وكان استخدامه لهما في الكتاب يوجز الحالة التي كانت تهدد مكانة الخليفة السني، فمن جهة يشير هذا الاستخدام إلى الانقسامات الكامنة للسلطة بين الخليفة والسلطان السلجوقي، والتي بموجبها قام الخليفة بتفويض السلطان بالاشراف على الشؤون الدنيوية.
ويؤكد الباحث في ختام الكتاب على حصافة الغزالي .
وبراعته في احتواء مجموعة متنوعة من العلوم، عمد في استخدامها الى نقض مفهوم المعلم أو الامام وتقديم تعريف للمعلم على أنه النبي وحده، وأن دور النظر يتأكد بونه مصدقا من النبي، وانه أداة ضرورية في اتباع الحقيقة، ثم يوضح أهمية دراسة الكتاب من خلال ما تكشف عنه من توترات فكرية مركزية ساهم الاسماعيليون في تغذيتها بما يعزز دورها وأهميتها.
مفيد نجم
الكتاب: الغزالي والإسماعيليون
العقل والسلطة في إسلام العصر الوسيط
الناشر: دار الساقي ومعهد الدراسات
الاسماعيلية ـ بيروت 2005
الصفحات: 151 صفحة من القطع الكبير