مؤلفة هذا الكتاب من مواليد مدينة وهران الجزائرية عام 1963 حائزة على شهادة جامعية في العلوم السياسية من باريس. هذا هو كتابها الأول.. قصتها كامرأة بيضاء سافرت ذات يوم إلى أفريقيا..
وهناك أحست فجأة بأن شيئاً يجذبها كي تتابع مسيرة حياتها في هذه القارة. لقد تركت وراءها حياة الترف التي كانت تعيشها في فرنسا لكنها كانت تعاني مما يشبه الحصار. لقد أقامت في قرية صغيرة من قرى السنغال اسمها «يوبنفين» حيث التقت ب«تامسير» الفلاح وصياد السمك ووقعت في حبه.
«امرأة بيضاء، أفريقيا سوداء» يحكي قصة «ولادة جديدة» لهذه المرأة التي تبنت عادات وتقاليد وطقوس «موطنها» الجديد وألقت جانبا عاداتها ومرجعياتها الغربية، هذه المرأة الكاثوليكية.. كان عمرها خمساً وثلاثين سنة يوم كانت لاتزال في فرنسا وتنعم بكل ما يمكن لامرأة «بيضاء» ان تحلم به في مجتمع استهلاكي كالمجتمع الفرنسي،
اذ كانت تمتلك بيتاً جميلاً وواسعاً يحلم به الكثيرون ورفيق حياة وسيم.. بالإضافة إلى غنى كان يمكن ان تحسدها عليه الكثيرات من رفيقاتها وعملاً يؤمن لها مرتباً محترماً يسعى الآلاف الى الحصول على مثله، أو على ما هو أدنى منه.
بالاختصار لم ينقصها شيء سوى امر واحد تعبر عنه بالقول «معنى لحياتها». فكل النجاح الذي كان يحيط بها حسب المعايير الاجتماعية السائدة لم يكن يحقق لها مثل هذا المعنى «بل على العكس كان ذلك مبعث احساسها بالضيق، تقول وكنت ميتة في الداخل، لكن ذلك لم يكن يظهر للعيان».وفي الأول من شهر أبريل 1990 قررت «مارييل» ان تترك كل شيء في البلاد وتترك البلاد أيضاً.
ولكن ليس من أجل ان تجد نفسها، كما يردد المشاركون في نوادي العطلات الاستجمامية، وانما بالاحرى من أجل ان تنسى نفسها، و«تضيع». لقد ذهبت الى السنغال الى داكار. وبعد ان اجتازت منطقة عامرة بالغابات وصلت صاحبة الشهادة العليا في العلوم السياسية إلى قرية «يوبنفين» الشاطئية والتي تعني بلغة أهل البلاد «لقد وصلت إليها وسأبقى فيها». وفيها أيضاً التقت بالصياد «تامسير ندياي» الذي تصفه كما يلي: «كان هناك يجلس القرفصاء، حاضراً بكل كيانه وناشراً حوله قوة مشعة». ولم تتردد في الزواج منه.
بعد زواجها ـ زالت «مارييل» كي تنبثق «ماديجن». وكان أول عمل قاما به هو الشروع ببناء منزل لهما.. ولم يتأخر طفلهما الأول عن رؤية النور بعد ان كانت مارييل قد اعتنقت الدين الإسلامي، دين زوجها كما تفترض القوانين النافذة في البلاد، بالطبع لم تكن هناك أية إمكانية للمقارنة بين المستوى المادي لحياتها الجديدة «الفقيرة» بكل ما تعني هذه الكلمة، ولحياتها السابقة في أحضان الوفرة في فرنسا.. الفارق الوحيد الكبير هو انها عرفت السعادة في السنغال.. أنها سعيدة «أكثر من أي وقت مضى في حياتها».
لكن استجد طاريء تمثل في اصابتها بنوبات متكررة من الملاريا.. وكان لابد من متابعة العلاج لذلك كان لابد من عودة الأسرة «كاملة»؟ إلى فرنسا ولكن «بصورة مؤقتة».. إذ ان ثاسير و«ماديجن» تواعدا على العودة إلى قريتهما السنغالية. لماذا؟ تقول المؤلفة: «إن بوبنغين قامت بشفاء قلبي من الجراح التي سببها الشك، والأسئلة التي لاإجابات لها وما يثيره من قلق وأيضاً بسبب فقدان الحب».
«امرأة بيضاء، أفريقيا سوداء» وفضلاً عن المشاعر الإنسانية الجميلة التي تعيد للروح بعض شفافيتها عند قراءة قصة صاحبة الكتاب، فإن هذا العمل يحمل قيمة وثائقية.. كبيرة.. إذ ان مارييل تراوليه ندياي ترسم بدقة تفاصيل حياة زوجة في احدى قرى السنغال وهي تقوم بأعمال الطبخ المحلي، وخاصة الأسماك التي يتم اصطيادها بطريقة بدائية جداً.. وفي منزل يفتقر الى أبسط الوسائل التكنولوجية الحديثة..
وحيث يبقى الهاتف بمثابة حلم بعيد المنال.. هذا دون الحديث عن طريقة حياة البشر المفتوحة على بعضهم البعض بلا أية قيود أو أي «بروتوكول» حضاري.. ووصف نفسها وهي تقوم ب«خدمة» زوجها وتحمل طفلها الوليد على ظهرها ك«افريقية أصيلة».. باختصار قبولها بالخضوع لنمط الحياة الذي تمليه الطبيعة.
الكتاب: امرأة بيضاء، أفريقيا سوداء
الناشر: غراسييه ـ باريس 2005
الصفحات: 283 صفحة من القطع المتوسط
femme blanche afrique noire
martelle trolet ndiaye - grasset - paris - 2005
p. 283
