لا يزال أنطونيو غالا مفتوناً بالحب، ذلك الإحساس الذي «يعطينا الحياة وبوسعه نزعها منّا» والذي نحاول الآن، بلا جدوى، وضع حد له لأننا «نعيش في عصر الشعور بالألم ويدفعنا إلى الابتعاد عنه». حول كل عناصر هذا المنزلق الشعوري يدور كتابه «المدعوون إلى الحديقة»، المكون من 32 قصة قصيرة، مما يعبر عن «نمط أدبي ملائم» للمرحلة الطارئة التي نعيش،

يروي فيها الكاتب حكايات مختلفة كما لو كان خلف ستارة يرى من خلالها ما يحدث مع مجموعة متنوعة من الأشخاص بحيث تصبح جميع الشخصيات وجميع القراء على حد سواء مدعوة بصورة لا يمكن مداواتها إلى حديقة الحب، المكان «الذي لن نتوقف عن رؤيته أبداً والذي لن نراه مزدهراً دائماً» في حين «نتلف نحن لأننا لا نعرف كيف نحب ولأننا نستخدم الشخص الآخر كمرآة».

مع أننا «لو كنا آدم وحواء لطُردنا من الجنة مجدداً»، على حد قول غالا، الذي كان قد أكد ذات مرة أنه يكتب قصصاً قصيرة لأن الناس لا تملك وقتاً للقراءة. في «المدعوون إلى الحديقة» ثمة معالجة للحب في جميع أطواره، بدءاً من الولادة غير المتوقعة من خلال نظرة وحتى الضياع دون نسيان البغضاء والغيرة والخلسة ومخاوف البقاء دون حب، أو التوقف عن الاندفاع باتجاه الجنون الذي يثيره العشق.

إن أستاذاً في فن الغرام مثل أنطونيو غالا يعرف كيف يعكسنا في هذه القصص في لحظاتنا الأكثر إثارة وسمواً. وفقط هذا المؤلف يستطيع أن يروي لنا عن طريق حوارات، الغراميات التي لم ترو والتي يريد فيها أحد الطرفين تخيّل قصة غير موجودة ومن ثم التوغل في تشكّل الغيرة، التي تعتبر فكرة أخرى لا تسكن إلا في عقلنا، وفي تشكّل الشخصيات التي تتنزه عبر هذه القصص من دون خوف من إظهار ما تخفيه دائماً: رغباتها، عواطفها، مخاوفها، وفي النهاية، حلمها بالحب وبأن تكون محبوبة.

عندما وقّع مؤلف «وَلَه تركي» في عام 2002 هذه المجموعة القصصية في معرض مدريد للكتاب، قال: «في هذه اللحظات لديّ شيخوخة معقدة . هذا الكتاب جدد شبابي. كنت في القاع، إلا أن لغة هذه المجموعة وموضوعاتها وقِصَر قصص الحب والبغض جعلتني أبدو أكثر شباباً. فضلاً عن أن الشاعر يرى جيمفيرير قد قارن (المدعوون إلى الحديقة) بديواني الأول وروايتي الأولى. بدا لي أنه عاد لي شبابي الذي لم يعد كما كان مع الأسف».

اعتاد أنطونيو غالا على الحضور كل عام إلى موعده مع قرائه الأوفياء، الذين يشكّلون طوابير طويلة في مهرجان مدريد للكتاب للحصول على توقيعه، مما يعكس علاقة حميمية بين هؤلاء القرّاء والمؤلف، الذي يقول: «عندما أقوم بكتابة كتاب يكون لديّ معاونان اثنان، الوحدة والصمت وحين أنتهي من كتابته يكون لديّ معاون آخر، جمهور القرّاء، الذين يتناولونه كل على طريقته وهكذا يستطيعون وضع توقيعاتهم تحت توقيعي».

ورغم أنه يقول إن الشهرة هي «فراطة المجد» ويعترف بأنه لا يشعر بالراحة أحياناً عندما يخرج إلى الشارع ويصطدم في كل خطوة بتقدير الناس (لذلك يفضل العيش شتاء وصيفاً في حديقته في محافظة ملقا»، إلا أن غالا فخور بنجاحه، إذ يقول: «سأكون خنزيراً وجاحداً إن شعرت عكس ذلك».

ويوضح أنه بينه وبين القرّاء «ثمة اتصال» (يستلم نحو 120 رسالة يومياً) لأن «أسلوبي بسيط، فأنا لا أعسّر النص بشكل مقصود ولا أعكر المياه كي تبدو أعمق» وفي حال وجد نفسه بين خيارات عدة فإنه يقف إلى جانبهم دائماً ومن دون تردد، حيث يقول: «بين رفاقي الشهداء وقرائي سأبقى دوماً مع قرائي».

ويؤمن غالا، الكاتب المسرحي والشاعر والروائي وكاتب العمود، بوجود القدر كما تبين قصص المجموعة التي بين أيدينا، حيث يؤكد أن «الحياة كالسيارة التي نصعد إليها ونريد إعطاء العنوان للسائق، لكن سائق الحياة يدرك تماماً إلى أين يتعين عليه أخذنا». لذلك يقول إن مصيره هو أن يكون كاتباً، منذ أن عاقبه والده بعدم الخروج في نهاية الاسبوع عندما كان عمره أربع سنوات فقط وراح يكتب شيئا ما وفجأة قرأه والده وأطلق سراحه. وعندما أصبح في سن البلوغ ، عمل في مجالات عدة، لكن الحياة، في نهاية المطاف، «لم تدعني أكون شيئاً آخر».

وينسحب هذا الإيمان بالقدر الى لحظات ما بعد الانتهاء من كتابة مؤلف ما، حيث يضطر الى البقاء جالساً ومنتظراً ما تريده الحياة أن أكتب. أما في حالة «المدعوون إلى الحديقة، فلقد كانت الإشارة حلماً أعطاه الحكاية الأولى، وهذا النمط الأدبي نزع عن كاهل مؤلفنا سنوات، كما يقول. حول الحب تدور كل هذه القصص، مثلما هو حال حياته برمتها تقريباً، لأنه، على حد قوله، هو من عانى منه ويدرك أنه قوة «تعري الكائن البشري» وهو «أكثر ما يميزه».

كما أنه موضوع «يقف عند حدود الكلمات» وذلك رغم أننا «نعيش في مرحلة مسكنة للألم ولا نحب الألم فيها، ولذلك لا نريد إلزام أنفسنا بالحب، لأن المرء يعاني في الحب. لكن الحب لا يمثل البطل الوحيد في «المدعوون إلى الحديقة» إذ أنه يسير جنباً إلى جنب مع موضوع آخر لا يقل أهمية بأي حال من الأحوال، ألا وهو موضوع الموت، حيث يضيف مؤلف «مخطوط قرمزي» أن «الحب والموت هما البطلان الكبيران في هذا الكتاب لكنهما أيضاً بطلا الأدب العالمي منذ بدء الأزمان، مع وجود فارق كبير، حيث لا يزال الموت يتمادى لكن الحب بدرجة أقل».

بيد أن غالا لا يزال يحتفظ في جعبته بالكثير من القصص، التي يود أن يرويها، لأن قصصه الأخيرة قد حملته إلى حالة من «قوة الاستمرار للكتابة بطريقة شاقة وعاجلة من دون التفكير بالنمط». ولقد قام بالفعل بجمع هذه القصص بكتاب آخر حمل عنوان «سيد الجرح»، الذي يعد استكمالا لمجموعة «المدعوون إلى الحديقة»،

لكن هذا الكتاب يدور حول فكرة الألم، الذي غالباً ما يسببه الحب والبغض على حد سواء»، ألم يجرح، لكنه الألم الذي نتساءل أمامه من هو سيد تلك الجراح، الذي يحدثها أم الذي يعاني منها، كما لو كنا نتساءل من هو سيد رسالة ما، الذي يكتبها أم الذي يتسلمها. لأننا نحن العاشقين نجرح أنفسنا إلى درجة نصبح معها جميعاً أسياد جراحنا إلى حد ما».

أنطونيو غالا حافظ دائما على موقف نقدي امام الحياة الأدبية والاجتماعية والسياسية، حتى أنه واجه في عام 1976، اثر كتابة مقالة «الأرامل»، ستة عشر دعوى قضائية في وقت واحد، وهو يقول في هذا الصدد: «في ذلك النص أشرت إلى الموسسات التي كانت بحاجة رلى التغيير أو الاحراق.

فما كانت تهمني السيدة فرانكو، لكن تلك اللحظة كانت رهيبة وخصوصاً مع آرياس نافارو، الذي كان يكن لي حقداً أسود وفتح النار ضدي. لا بل إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فعندما انتشرت شائعة ان قوات أمن الدولة قتلتني في نهاية المطاف في مورسيا، قال الوزير فراغا: تباً، أصبح لدينا لوركا آخر واستفرغ طعام الافطار.

في يوم «حزين ومر وملعون»، و قع الكاتب القرطبي أخيراً القصص التي جمعها في كتابه «سيد الجرح»، مع مرثية حول بغداد استصرخ فيها تلك المعركة الأخرى التي تعشش في قلب الانسان والتي «لا يأتي عتوها من الكراهية وانما من الرغبة».

طرف العين

كانت قد اختفت تلك المساءات البطيئة الحرة، التي كانا يتنزهان أثناءها حيث يتأبط كل منهم ذراع الآخر في شوارع «خاين» الضيقة وهما مزهوان بمعرفتهما أن الناس كانت تعكس اتجاهها عند مرورهما دون التمكن من منع ابتسامة صغيرة على الشفاه ومسرة في العيون، معلقين بالقول: «يا لهما من زوجين جميلين جداً ويا لروعة رؤيتهما معاً».

وهما كانا ينظران إلى بعضهما كذلك بطرف العين، متمتعان أيضاً بتلك المسرة وبذلك المجد المبارك، روعة معطاة ومتلقاة، تبادلية ومضروبة بإثنين وحتى بألفين، لأنهما كانا يجدان نفسيهما كل يوم، أكثر التصاقاً وأكثر ظرفاً وجمالاً وأكثر سعادة.

مقتطف من قصة «زوجان جميلان»

الكتاب: المدعوون إلى الحديقة

الناشر: دار «بلانيتا» ـ مدريد

الصفحات: 368 صفحة من القطع المتوسط

Los Invitados Al Jardin

Antonio Gala

Planeta - Espana

P. 368