«بانتظار بدر البدور .. يوميات 1997 - 2002» هو عنوان مذكرات د. بطرس بطرس غالي من يوم انتهاء ولايته كأمين عام للأمم المتحدة في 31 ديسمبر 1996 وتختم في 31 ديسمبر 2002 في نهاية ولايته كأمين عام للفرانكفونية وقد صدرت مؤخرا بالقاهرة . في بداية تلك المذكرات يؤكد د. بطرس غالي أنه طوال مسيرته السياسية والدبلوماسية ألزم نفسه بواجب التحفظ

وأنه في هذا الكتاب لم يشذ عن هذه القاعدة الذهبية، مبديا اعتذاره عن إفشاء الأسرار في بعض الاحيان وأضاف أنه بالرغم من أن الزمن يضيء أحيانا بعض جوانب الاحداث فتنكشف بصورة مغايرة وغير متوقعة فإن ذلك لم يغيره بتعديل بعض التكهنات أو إعادة صياغة بعض التحليلات التي قام بها لحظة وقوع الحدث وتبين لاحقا أنها غير دقيقة.

ويكشف د. غالي عن سر بدر البدور بأنه أثناء وجوده في نيو دلهي منذ سنوات خلت «أتى إلى من يقترح استشارة عراف واسع الشهرة وأنه على استعداد للمجيء للفندق ولقائي سرا وتم تحديد الموعد يوم الجمعة 9 سبتمبر 1994

وأثناء اللقاء لم أترك له المجال لكي يسترسل في توقعاته ووجهت إليه السؤال الذي كان أكثر ما يشغلني ذاك الحين :إن في نيتي السعي لولاية ثانية لخمس سنوات في الأمم المتحدة ما هي حظوظ انتخابي ؟ فأصابتني الخيبة من إجابته الفورية إذ قال : لا أظن أنك ستنجح في تحقيق هذا المشروع لكني أعتقد في المقابل أن نجمك سيسطع أكثر بعد أن تنتهي من مهامك.. سيحدث ذلك بعد انتهاء قمرك الألف وبإمكاني أن أؤكد لك أن نجمك سيشع بنور لا مثيل له .

لا أرى شيئا آخر في الوقت الحاضر سوى النور الباهر لهذا النجم . تساءلت أحيانا كثيرة منذ هذا اللقاء الغريب عن رمزية هذا النور الذي سيضيء أيامي المشرفة على المغيب وأنا أنتظر كمن ينتظر الوحي أن يطلع بدر البدور».

ويتناول الكتاب يوميات د. بطرس غالي كل عام على حده فيبدأ العام الأول من يوم الثلاثاء 31 ديسمبر 1996 اليوم الأخير الذي أمضاه في الطابق الثامن والثلاثين من مبنى الأمم المتحدة حيث انتهت ولايته عند منتصف ليل هذا المساء، مشيرا إلى أنه انصرف لالتقاط الصور الفوتوغرافية مع كبار الموظفين والموظفين الدوليين المصريين والعناصر الأمنية المكلفة بحراسته،

وأنه في الوقت الذي اجتاز فيه البوابة الرئيسية وللمرة الأخيرة وجد حشدا من الموظفين ينتظره في الباحة للوداع الأخير في وسط هذه الجمهرة وعلى وقع التصفيق تملكه فجأة إحساس بالتأثر الشديد وهو ما يصفه قائلا :« وفي نهاية هذا اليوم قررت أن اختفي عن الانظار قبل أن تدق ساعة منتصف الليل لكي أتحاشى وداع العام 1996 الذي لم يكن جيدا بالنسبة إلى ..

ما يثقل كاهلي في هذه اللحظة ليس تركي لمنصب أو لنمط عيش أو لمسكن أو لأصدقاء بقدر ما هو أنه علي وأنا في الرابعة والسبعين أن انتقل من جديد لأعيش تحت سماء أخرى وأتحمل مسؤوليات جديدة في محيط كان لايزال غريبا عني كل الغرابة» .

وفي 3 يناير 1997 استقبلنا الرئيس شيراك في الاليزيه بتلك الحرارة والبساطة والمودة الصادقة التي يملك سرها لقد خسرنا معركة نحن الاثنين خلال تلك الأيام التي مرت .

شكل جاك شيراك بالنسبة إلى طوق الخلاص ولو كان ذلك مخالفا لرأي معاونيه كان في الواقع تعبيرا عن صداقة نادرة جدا في الاوساط السياسية فكل الدول وبإجماع ظاهر ومضمر فضلت أن تتخلى عني في وجه الاعصار الأميركي.

استغرق لقاؤنا وقتا طويلا عرض خلاله بالتفصيل تركيبة مؤسسات الفرانكفونية وكذلك مكانتها التي تتمثل في الدفاع عن التعدد اللغوي والتنوع الثقافي وماذا يرجى من الامين العام الذي سينتخب في قمة رؤساء الدول والحكومات في هانوي في نوفمبر المقبل كما اقترح علي القيام بجولة اعتبارا من شهر مايو في افريقيا وآسيا لكي أحضر انتخابي. كانت تلك بداية المغامرة الفرانكفونية».

ويضيف غالي «وفي يوم السبت 4 يناير 1997 استقبلني الرئيس حسني مبارك لأكثر من ساعة كان يبدو في غاية الارتياح ولمحت في نظرته بعض التشفي .

لقد نصحتك بألا تتحدى الأميركيين.. ثم يضيف بابتسامة واضحة : « لو كنت أكثر ـ لطفا ـ مع مادلين أولبرايت لأعيد انتخابك ..» لا يبدي أي اعتراض لترشيحي لمنصب الأمين للفرانكفونية ويقبل أن يدعم ترشيحي.

وفي المساء استقبال كبير على شرفي في أحد الاندية العسكرية بحضور الرئيس حسني مبارك وزوجته وأكثر من أربعمئة مدعو.. يتحلق حول الرئيس شيخ الأزهر والبطريرك الانبا شنودة ورئيس الوزراء كمال الجنزوري عابسا كعادته ورئيس الوزراء الاسبق عاطف صدقي بطبعه المرح وكذلك سفير الولايات المتحدة إدوار ولكر الذي يتكلم العربية بطلاقة.

لا يقاوم الرئيس متعة الممازحة حول موضوعه المفضل: افتقاري «للجرأة» تجاه السيدة التي أبعدتني عن الأمم المتحدة: يضحك الجميع من القلب باستثناء سفير أميركا الذي يبقى باردا كالرخام.

وبعدها ببضعة أسابيع اتصل بي هاتفيا كوفي عنان للمرة الأولى بعدما أصبح أمينا عاما للأمم المتحدة وأخبرني أنه يدين لي بتعيينه رئيسا لقسم عمليات حفظ السلام مما أتاح له فرصة تطوير علاقاته بالإدارة الأميركية وسألني لماذا رفعته إلى هذا المركز فأجبته : كي يتنامى عدد الافارقة الذين يشغلون مراكز المسؤولية.

ويشير د. بطرس غالي إلى كتابه «بيت من زجاج» الذي أعده حول السنوات الخمس التي أمضاها في مبنى الأمم المتحدة وكرس الفصل الأول للقضية العراقية ليلقي الضوء على الحالة المأساوية التي يعيشها الشعب العراقي منذ فرض حالة الحصار التي أقرتها الأمم بضغط من الولايات المتحدة وبريطانيا وما يجب تسميته التواطؤ المذعن للدول الأخرى أعضاء مجلس الأمن وأن الأمم المتحدة سخرت نفسها لتدفع بالشعب العراقي إلى الفقر بدلا من تنميته.

ثم يتحدث عن كتاب «طريق القدس» الذي ألقى فيه الضوء على الدور الإسرائيلي في تغذية الحقد في نفوس الغرب واسهامهم في نسف إمكانيات الحوار وهو يقول : لم أعد أحصي عدد التصاريح التي أدليت بها خلال الخمسة والعشرين عاما الأخيرة لشجب الاعتداءات الإسرائيلية بلا فائدة لكن ذلك ليس سببا لنصمت.

ويشير إلى رؤية إلياهو بن أليسار أول سفير لإسرائيل في مصر للصراع والتي ضمنها كتابه «السلام الميؤوس منه» وقام بإهداء د. بطرس نسخة منه ويصف د. غالي رؤية الياهو بأنها تختلف جذريا عن رؤيته فهو يرى الصراع أيديولوجيا بين استعمار إسرائيلي وحركة تحرر فلسطينية ممكن مقارنتها بالصراع الدائر في جنوب أفريقيا حيث تتواجد الأكثرية الأفريقية السوداء والأقلية العنصرية البيضاء في حين يرى الياهو أن الصهيونية تحرير وطنية للشعب اليهودي .

ويذكر غالي تلك المقابلة في القناة الأولى الفرنسية التي ضمت السفير الإسرائيلي آفي بازنر والحاخام الأكبر لفرنسا جوزيف سيتروك وسفيرة فلسطين ليلي شهيد قائلا : «أبدو الأكثر حدة يصعب عليَّ السيطرة على انفعالي حين يدور الكلام حول القضية الفلسطينية .. وأجد التحفظ ينهار فجأة .. مليونا لاجئ محكوم عليهم أن يتعفنوا في المخيمات منذ جيلين أو ثلاثة .. تطهير عرقي يلام عليه اليوم العرب والكرواتيون بينما يغلفه الصمت حين يرتكبه الإسرائيليون».

ويتطرق د. غالي من آن لآخر بين صفحات الكتاب إلى مشاكل القارة السوداء وخاصة ما يخص الدول الفرانكفونية ويصف غينيا ـ بيساو وجيبوتي بوصفها الدول الأكثر فقرا .

ويتحدث عن جهوده للتوفيق بين الفرانكفونية ومجموعة اللوزوفونية ( الناطقين بالبرتغالية) ويأخذه الحديث عن محاضرة القاها في فبراير 2002 في محفل الشرق الاكبر الفرنسي إلى الحديث عن الماسونية التي منعت منذ سنوات في مصر رغم أنه على حد قوله أن غالبية أعضاء الطبقة السياسية المصرية قبل الحرب العالمية الثانية كانوا ماسونين «أنور السادات كان ماسونيا».

ويتطرق د. غالي إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر كثيرا ويصف ردود فعله الأولى فقد خاف من حرب صليبية ضد المسلمين فالرأي العام الأمريكي لا يميز بين المسلمين الحقيقيين والمعتدلين وبين الأصوليين المتشددين كما خشى أن تتذرع إسرائيل بهذه الكارثة كي تحتل الاراضي الفلسطينية وتزيد من شدة القمع يقول:

«كل المقالات تعمل على الاعتقاد بأنه لا إرهاب إلا الإرهاب الإسرائيلي لكن في الوقت الذي كانت تجرى فيه اعتداءات 11 سبتمبر كان إرهاب النمور التاميل في سريلانكا وإرهاب الإنفصاليين الباسك وإرهاب الجيش الثوري في كومومبيا مستمرا في تهديداته ولا نستطيع حقا أن نتهم هذه الحركات بالإرهاب الإسرائيلي»

ثم يضيف «من يفسر لي صمت وسائل الاعلام عن الإرهاب الصهيوني الذي مارسة مناحيم بيجن القائد السابق لمليشيا الأرغون الصهيونية المتطرفة أو عن إرهاب الدولة الذي يمارسه أرييل شارون».

وفي موضع أخر يتساءل د. بطرس بدهشة «كيف لم أفهم قبل الآن تغير السياسة الأمريكية منذ سقوط جدار برلين والانتقال من الاستراتيجية الثنائية إلى الأحادية المتوحشة والعدائية ؟ أنا الذي كنت أستاذا لمادة العلاقات الدولية وعلمت طلابي مادة سياسة الولايات المتحدة الخارجية»، إضافة إلى ذلك «لم تبدأ الأحادية الأميركية عند نهاية الحرب الباردة ولا في 11 سبتمبر.

إن بدايتها تعود إلى 1823 وهو تاريخ ظهور «نظرية مونرو» التي كانت تطمح لإخضاع كامل قارة أميركا اللاتينية لتأثير واشنطن ويصف عبارة بوش المليئة بالصلف غداة الاعتداءات 11 سبتمبر «من ليس معنا فهو ضدنا» بأنها «عبارة تنذر بنهاية زمن التشاور وتعدد الأطراف أو بالأخرى تضع نهاية للاختضار الطويل ..

فالدبلوماسية الاميركية حتى قبل أن يجيئ جورج بوش الابن إلى الحكم مهدت الطريق جيدا لكنها كانت تموه سياستها الإمبريالية بتغليفها بمظهر من التشاور .. ولم يكن في غالب الاحيان إلا خدعة لكن التنازلات الشكلية التي كانت تقبل بها كانت تسمح لنا بالاعتقاد بأن قاعدة حكم القانون لازالت هي الغالبة».

وأشار د. بطرس إلى ابن أخيه المفضل ـ على حد وصفه ـ في أكثر من موضع في مذكراته قائلا : «إنه الجيل الخامس الذي يواصل بكل تألق تقليدا في العائلة التي ترفد الدولة المصرية بالموظفين الكبار.. إنه وزير التعاون الدولي فأنا موضع ثقته والمؤتمن على أسراره ورأيته في ذلك اليوم مشغول البال يساوره الشك فأقول له :

«انتظر التغيير الحكومي المقبل حينها سيكون الوقت مناسبا للتفكير بوضوح ولكن إذا كان في نيتك ترك السياسة يجب أن يتم ذلك قبل نهاية العام وبموافقة الرئيس مبارك فكلما مر الوقت أصبح من الاصعب عليك إيجاد موقع في القطاع الخاص لأن الشركات متعددة الجنسيات تفتش أكثر عن موظفين قياديين شباب» ويضيف «يبدو أن الوزير الشاب يفضل السلطة على المال لا أظنه سيترك الحكومة على الرغم من العداوة التي يكنها له رئيس الوزراء كمال الجنزوري».

فيصل حماد

الكتاب: بانتظار بدر البدور

يوميات 1997 - 2002

الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2005

الصفحات: 614 صفحة من القطع المتوسط