يناقش المفكر والكاتب المصري البارز المستشار طارق البشري في هذا الكتاب: «ماهية المعاصرة» قضية تشغل منذ فترة بال المثقفين والمهتمين بالشأن العام، وهي قضية المعاصرة وأهمية ما يطرحه البشري أنه يأتي في وقت توجد فيه على الساحة العربية التباسات كثيرة حول المفاهيم الفكرية والحضارية

وإذا كانت مثل هذه القضايا أصبحت شاغل البشري في الآونة الأخيرة فإنه سبق وقدم مؤلفات قيمة للمكتبة العربية عن تاريخ الحركة الوطنية المصرية قبل ثورة يوليو، والديمقراطية وثورة يوليو والعروبة والإسلام وغيرها من المؤلفات الأخرى.

وفي هذا الكتاب يقول البشري: إن أهم ما يواجه العالم العربي والإسلامي يرد من المواجهة التاريخية بين أصول الحضارة العربية الإسلامية التي سادت حتى بدايات القرن التاسع عشر دون منازع، وبين الحضارة الغربية التي وفدت مع تغلغل النفوذ الغربي السياسي والاقتصادي والعسكري منذ بداية القرن العشرين. فالتاريخ العربي الإسلامي خلال القرنين الأخيرين يرتبط بهذه المواجهة في كل جوانبه.

ومن هنا وفي هذا السياق التاريخي العام، يبدو أن العالم العربي والإسلامي يعيد ترتيب الأوضاع ودراسة تجارب السنين الماضية، ويعيد البحث في الصيغ المناسبة لمعالجة ما يفرضه الحاضر والمستقبل المرئي من مواجهات سياسية وحضارية.ويحدد البشري سبب الحاح طرح هذه المهام الآن قائلا: إنه مضى دهر طويل منذ بدأت المواجهة بين العالم العربي الإسلامي وبين الغرب، وأن صيغا طرحت وجربت، وأن نتائج للنهوض والانتكاس تحققت. وكل ذلك يستوجب الوقوف لتأمل التجارب والصيغ وحصيلتها.

يقول البشري: إن السؤال الكبير الذي يطرح الآن، يتعلق بما نأخذ وما نترك، من الموروث والوافد. ويعلق عليه: لقد طرح هذا السؤال طيلة الأعوام المائة الأخيرة، لكن «التخيير» الذي يعرضه هذا السؤال قد اختلفت موازينه الآن، ويضيف :كنا في الماضي نقف على أرض الموروث، ونتحاور فيما يصلح لها من حضارة الغرب وأدواته، ثم صرنا ـ أو صارت كثرتنا ـ نقف على أرض الوافد ونحن نتساءل الآن عما نستدعي من «التراث»، وسؤال: «ماذا نأخذ من التراث» يستوجب التساؤل عن: من نحن وما التراث؟

وعن التراث والمعاصرة يقول: في البدء كان الإسلام عقيدة، ورباطا سياسيا، وثقافة شاملة مستوعبة محيطة لمناحي التعبير والنشاط الذهني وللنظم والسلوك الفردي والاجتماعي، ثمة عقيدة تقتضى الانتماء، وثمة كيان حضاري بني عبر السنين، وضم في رحابته العديد من المذاهب والمدارس والنظم والقيم ولايزال بأصواله وكلياته منفتحا لجديد يصدر عنه، ومن ثم، فهو الميزان وليس الموزون، فيما تأخذ الجماعة وما تدع وهو معيار الحكم والاختيار.

ويعتبر البشري هذه المعايير أنه يمكن النظر من خلالها فيما وفد إلينا من الغرب في القرنين الأخيرين، قائلا: لقد وفدت إلينا نظم الغرب وفكره وقيمه باسم المعاصرة، و ترادفت مع العصرية، وقامت بها تحت هذا الاسم علاقة التنافي بينها وبين الموروث الحضاري القائم، الذي ترادف بحكم اللزوم بين الوافد والعصري وبين الموروث والرجعي. ويقول : لا شبهة في أن هذا الوافد قد انتفت عنه الأوضاع الاجتماعية والتاريخية الأوروبية في العصر الحديث، وهو يتلاءم مع تلك الأوضاع، وأفسح لها في مجال النهضة والقوة والاقتدار.

ويضيف البشري: لا شبهة أيضا في أن جملة من نظم الأوروبيين المعاصرة وقيمهم وأفكارهم، يمكن لمجتمعات العرب والمسلمين أن تستوعب منها ما يعينها على النهوض.

ولكن ليس من الحتم في إطار المعاصرة أن يكون العصر الحديث الأوروبي، يتطابق أو يماثل أو يشبه العصر الحديث لدى العرب والمسلمين، إذا نظرنا إلى العصر لا بحسبانه التواكب الزمني، ولكن باعتباره جملة الظروف والأوضاع التاريخية والحضارية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في وقت ما. وأي عنصر، قد تتغير وظيفته بتغير الظروف والأوضاع التي ينشط فيها.

ويؤسس البشري على ما سبق رأيه بأن الوفود الفكري والتنظيمي قد تواكب مع الوفود السياسي والعسكري والاقتصادي. وما لم يفد اختيارا وفد جبرا، وهذا أدى إلى نوع من الازدواج والانفصام شمل معظم المؤسسات الفكرية والتعليمية والسياسية والإدارية، فالفكر الديني اقام بجواره الفكر العلماني، والتعليم الديني، قام بجواره التعليم الآخذ من الغرب، والنظام القانوني الآخذ من الشريعة قام بجواره وعلى حسابه النظام القانوني الآخذ من فرنسا وهكذا.

وحول النظام الديمقراطي وموقعه في قضية الكتاب الرئيسية يقول البشري: إن التاريخ العثماني مليء بالعبر من جهة حركات الإصلاح، وما أفضت إليه من صلاح أو فساد في ظروف المواجهة. ويضيف: كان الجمود وعدم الاجتهاد سببا لإنكار فاعلية الموروث والترحيب بالوافد، وقد تسبب ذلك في تفكيك الدولة العثمانية واحتلال أراضٍ إسلامية. وحدث هذا لأن الإصلاح كان ضالا غير مرتبط بمواجهة التحديات الخارجية.

وبعد أن يسمي البشري المثل العثماني للديمقراطية بـ «الديمقراطية الضالة»، يأتي في مقابلها بالتجربة المصرية المناضل فيها والديمقراطية لأنها أدخلت عنصر المواجهة مع الاستعمار، لا في أهدافها فقط، ولكن في التكوين الوظيفي لإدارتها. حيث بدأت الديمقراطية في السبعينات من القرن 19، بشعار «مصر للمصريين».. هذا الشعار الذي جاء في سياق تاريخي يقول عنه المؤلف: كان انعزال مصر عن الدولة العثمانية قد تقرر بمعاهدة سنة 1840، وما لبثت الأطماع الأوروبية أن انفردت بمصر.

وهنا ظهر مبدأ «مصر للمصريين»، كشعار وطن ديمقراطي وانهزمت هذه الحركة في الثورة العرابية بغزو الإنجليز مصر، واحتلالهم إياها عام 1882، ومع ظهور الصحوة المصرية التالية في أوائل القرن العشرين، ضلت الديمقراطية قليلا على أيدي حزب الأمة، الذي وجهها إلى غير وجهة الكفاح الوطني. ثم وقعت حادثة دنشواي وما تلاها من تغير في السياسات والأوضاع،

أن ربطا بين الهدفين الوطني والديمقراطي في سلوك الحزب الوطني. ومع ثورة 1919، امتزج مطلب الاستقلال الوطني بمطلب البناء الديمقراطي واستلهم الوفد ذلك، وقد أدى هذا الارتباط والتوظيف الوطني للديمقراطية، إلى أن حزب الديمقراطية كان هو حزب الحركة الوطنية باللزوم.

ويضيف البشري: عرفت مصر تنظيمين أساسيين شعبيين كان لهما من التأييد الواسع ما يؤهلهم مكان الصدارة وهما الوفد وحركة الإخوان. فكل منهما ارتبط بهدف واحد أساسي هو مواجهة الغزو، سواء السياسي كالوفد، أو العقائدي والحضاري كالإخوان.

ويصل المؤلف إلى شرح مفهوم المعاصرة بين العالمين الغربي والإسلامي قائلا : الأصل أن العصر هو مفهوم زمني، يمكن أن يميز مرحلة، ويمكن أن تقوم له دلالة على التعاقب والتتالي. ولكنه بذاته لا يميز جماعة ولا تقوم به وحدة هوية، ولكننا إذا انتقلنا بالعصر من مفهومه الزماني إلى مفهوم يفيد بذاته الدلالة على حضارة واحدة أو جماعة واحدة، فإننا نكون قد أكسبنا وحدة العصر دلالة أممية، من حيث يصير العصر بذلك وحدة انتماء جماعي، تحل محل وحدات الانتماء الأخرى، دينية كانت أو قومية أو غيرهما.

فالقول بوحدة العصر ينتج القول بوحدة التاريخ الذي يعني وحدة الجماعة، لأن التاريخ صيرورة أي جماعة متحركة في الزمان. ويضيف البشري: لا بأس طبعا أن يتوحد العالم، وتتوحد الجماعة البشرية في مستقبلها، وفي حاضرها أيضا، ولكن البأس يظهر عند معرفة: هل يجرى هذا التوحد لحساب فئة وعلى حساب فئة؟

لذا فهناك أهمية موضوعية عندما نتحدث عن العصري والمعاصر، فإنما يتعين علينا أولا أن نحدد من نحن، وأننا لا نستطيع أن نحدد «عصرنا» غير منسوب لما ندرك أنه هويتنا. والأصل أن العصر بمعناه التاريخي الاجتماعي هو مجموعة الظروف والأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعيشية، خلال مرحلة تاريخية، فهو بذلك يتصف بملامح محددة.

إن وحدة العصر كجامع حضاري أممي، تعني إلحاق عصرنا الراهن، أي حاضرنا، بعصر الغرب، أي بنمط الحضارة الغربية الغالبية المنصفة بوصف حضارة العصر الحديث، وهذا يعني فيما يعني، أن التبعية في الحاضر ترتد تبعية على الماضي، كما أن وحدة العصر كمجتمع أممي استتبعت وحدة التاريخ.

أمين اسكندر

الكتاب: ماهية المعاصرة

الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2005

الصفحات: 109 صفحات من القطع الكبير