شارك عدد من الباحثين في تحرير مواضيع هذا المؤلف بتقديم الدكتور بييرموسو الذي يدرس في جامعة رين الثانية، والذي يعمل في مركز الدراسات والأبحاث حول القرار الإداري والسياسي في جامعة باريس الأولى، ويشغل عضو هيئة تحرير «كوادرني»، المجلة المختصة في الاتصال وعلاقاته مع التكنولوجيات العصرية ومع السلطة السياسية.
لقد ساهم البروفيسور موسو في كتابة عديد من المقالات والمؤلفات وبوجه خاص: علم الإدارة الاتصالية والأجهزة الأيديولوجية للمنشأة الإنتاجية (2000)، الشبكات الاتصالية والمجتمع (2003)، الشبكات والخدمات والمقاطعات (2003)، الإعلام ثروة مشتركة (2004)، برلسكوني الأمير الجديد (2004).
اعتقلت السلطات الفاشية الإيطالية أنطونيوغرامشي عام 1926 ثم قُدِّم لمحاكمة عام 1928 أعلن فيها ممثل موسوليني في المحكمة: «إن علينا أن نمنع هذا الدماغ من أن يشتغل طوال عشرين عاماً».
لقد مارس غرامشي الصحافة قبل اعتقاله في صحف إيطالية عدة، وقام بتأسيس بعضها في العشرينات مدافعاً بذلك عن الحركة العمالية ومندداً بالفاشية، وكان في ذلك صحافياً وقائداً سياسياً مرموقاً. كما انه لم يتوقف عن العمل الفكري في السجن قبل اغتياله من قِبل السلطات الموسولينية عام 1937، قراءة للكتب وتعليقاً عليها ونقداً لها وصياغة لـ «فلسفة الممارسة» وتناولاً لمسألة «المثقفين» و«الدولة» و«المجتمع المدني» و«الدين والإصلاح الديني»، و«الكتلة التاريخية» و«المادية المبتذلة» و«الإعلام» و«أزمة الغرب»..
هذا ما تضمنه مؤلفه «دفاتر السجن» الذي تشكل أطروحاته مدرسة في التحليل الفكري ـ السياسي ـ الثقافي، والتي كان لها تأثير على قطاع واسع من المثقفين الأوروبيين، ودعت المثقف العربي المغربي عبدالله الووي إلى الإشارة إليها منذ السبعينات وإلى أهمية توظيفها بالنسبة للواقع العربي.هل ما زال غرامشي راهناً بالرغم من مرور الزمن؟
هذا ما يريد أن يجيب عنه البروفيسور موسو، مبيناً هذه الراهنية من الزاوية التي يتناول فيها الفيلسوف الإيطالي، مؤلف دفاتر السجن، أي من الزاوية الإعلامية والثقافية.
فبين عام 1989، العام الذي أقيم فيه الملتقى الفرنسي ـ الإيطالي في مدينة «بيزانسون» حول «حداثة غرامشي» وبين الوقت الحاضر، جرت مياه كثيرة تحت جسر النظريات الفكرية المختلفة، خاصة بعد سقوط جدار برلين وبعد انتصار الليبرالية، بل لقد انهارت جسور عدة. مع ذلك «فإننا نخطئ إذ نعتقد أن عمل غرامشي الفكري قد انتهى»، إنه ما زال أساسياً ونفيساً من أجل «إدراك العلاقة بين الايديولوجيا والسياسة وبين الدولة والاقتصاد وبين الإعلام والثقافة الجماهيرية».
فهذا العمل بالرغم من تجزأته وعدم اكتماله بسبب السجن والاغتيال أخيراً يساهم وبمفارقة في تغذية التفكير وتعميق «النقاش الذي يصبح من دونه سطحياً وعلى هامش ما يشترط الحياة الاجتماعية والفكرية».
ويضيف الكاتب «إن غرامشي لا ينتمي بالنسبة لنا إلى تاريخ الفكر الماركسي أو بوجه أعم وأشمل للفلسفة النقدية، بقدر ما هو حاضر حتى اليوم».بهذا يتعرض بعض الباحثين وعلى رأسهم الفيلسوف الفرنسي اندريه توزل إلى «الصحافة كجهاز للنهضة الايديولوجية» لدى غرامشي ليس بالعلاقة مع المرحلة التاريخية التي كان يعيش فيها داخل بلد أوروبي متوسطي وإنما عبر المقارنة التاريخية المتعددة التي يقيمها وباستخدام كبريات الفلسفات الأوروبية والإيطالية.
فإذا كانت مسألة الصحافة موضوع نظر بالنسبة له، إلا أنه يعالجها في «دفاتر السجن» من خلال العلاقة مع دور المثقفين في توفير المنهجية أي توفير قيادة المجتمع التوافقية للقوى المسيطرة على بقية الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى. هذا يعني أن غرامشي يقيم نظرية في العلاقات بين البنية التحتية والفوقية على أنهما تشكلان كتلة واحدة، أي ما يسميه بالكتلة التاريخية، وبالتالي فإن المشكلة تكمن في تبيّن العلاقات داخل هذه الكتلة سواء في استمرارها أو تطورها أو تحولها باتجاه كتلة تاريخية جديدة.
هذه النظرة الدينامية، تعالج الأمور من خلال فاعلية القوى الموجودة داخل الكتلة التاريخية، ومن خلال النزاع فيما بينها على الهيمنة، أي على قيادة المجتمع التي تعني قيادة العلاقات الاجتماعية ـ الاقتصادية والقيادة الثقافية والأخلاقية، والقيادة السياسية للدولة وأجهزتها المختلفة.
فتاريخياً بدأت القوى البورجوازية في الغرب على الحصول على القيادة الاقتصادية على أرضية العلاقات الاجتماعية التي أوجدتها وذلك بتسييرها للإنتاج، ولكنها لم تستطع تحقيق القبول بقيادتها السياسية إلا من خلال تشكل رأي عام يدعمها، أي توفر ثقافة من القيم والذهنية والمسلكية بينها لجماهير تناصرها؛ وأخيراً فإنها لم تتمكن من فرض سلطتها السياسية ـ المعنوية إلا بالاستيلاء على الدولة والسيطرة على أجهزتها المختلفة.
باختصار شديد، فإن البورجوازية لم تتمكن من الاستيلاء على الدولة كاملة إلا بعد أن حققت هيمنة واضحة على المجتمع المدني، بمعنى أنها كانت قد اكتسبت حركتها في الإنتاج وفي الأفكار وفي التأييد الشعبي. في هذا لا يمكن الفصل بين الدولة والمجتمع المدني إلا منهجياً، لأن الدولة هنا مقولة أوسع من قصرها على مجرد «جهاز عام» حكومي وكفى، إنها أيضاً «جهاز خاص» أي مجتمع مدني تحقق من خلاله المجموعات المسيطرة هيمنتها على المجتمع.
ولذا فإن الصراع على الدولة هو أيضاً صراع على المجتمع المدني وعلى أجهزته الأيديولوجية لتحقيق الهيمنة بالضبط. والمثقفون هم الذين يقودون عملية النزاع من أجل الهيمنة سواء بهذا الاتجاه أو ذاك، أي باتجاه القوى المسيطرة على الدولة أو العكس.
والصحافة هي جزء من الأجهزة الأيديولوجية للهيمنة، ويقسمها غرامشي إلى صحافة رأي وصحافة أخبار بوجه عام. فصحافة الرأي تعمل على إنتاج رأي عام متوافق مع التوجهات للفئات المسيطرة ولهذا عندما تريد الدولة أن تقوم بعمل لا يحظى بالرضا الشعبي الواسع، فإنها تعمل على خلق رأي عام مطابق لما تريده، أي انها تقوم بتنظيم مركز وتوجيه بعض عناصر المجتمع المدني الخاص، الذي تشكل الصحافة جزءاً منه، وهذا ما رأيناه مثلاً في حرب الخليج الأولى، أو في ما قامت به الإدارة الأميركية بشأن اجتياح العراق.
ويصل غرامشي إلى القول إن صحف الرأي الكبرى تتعدى مسألة هذا الحزب أو ذاك الذي يحظى بدعمها أو الذي لا يتمتع بعلاقة مباشرة مع مختلف القوى الاجتماعية. فهذه الصحف تدمج في عملها مطالب واهتمامات الفئات الاجتماعية الهامشية في الوقت نفسه الذي تعمل فيه على تسريب أو تحييد مطاليب الطبقات الحليفة الحديثة للقوى المسيطرة والتي تعمل من جانبها لتحقيق هيمنة لصالحها بما يجعلها موجهة للرأي العام.
لهذا يتم النزاع حول أجهزة الرأي العام: الصحف والأحزاب والبرلمان والروابط المدنية، وذلك كي تتمكن قوة من القوى القائمة من توجيه الرأي العام وإذن الإرادة السياسية الوطنية محولة بعدها النزاعات القائمة إلى غبار من الخلافات الفردية والهامشية.
ثمة إذن دور للصحافة لا يقل أهمية عن غيرها من مؤسسات المجتمع، بل يمكن لصحيفة كبرى أن تصبح «حزباً فوق الأحزاب»، أي نوعاً من هيئة إسكان عليا توجه الحياة العامة للبلاد على شاكلة صحيفة «كورييه ديللا سيرا» الميلانية في إيطاليا. فلقد كانت صحيفة لصانعي النسيج وداعمة للحركة التصنيعية الإيطالية، آخذة بعين الاعتبار النزعة الوحدوية الواسعة للإيطاليين من دون أن تتبقى النزعة القومية المتطرفة الفاشية.
لقد عملت بحذر على «إعادة خلق الوحدة الديمقراطية لإيطاليا على المستوى السياسي ـ الثقافي» ودعمت باعتدال العلمانية وكمنت مهمتها بعد الانتفاضات العمالية الإيطالية على «إعادة بناء الوحدة الوطنية وعلى خلق نهضة قادرة على ممارسة القيادة العادية» اللافاشية واللاديكتاتورية أو التسلُّطية.
وهذا ما يمكن أن نراه بشكل آخر في صحيفة «اللوموند» في فرنسا اليوم، والتي تمارس دوراً سياسياً وإن كانت تقدم نفسها على أنها تزاول هذا الدور بشكل لا مباشر وعلى أنه «تمحيصي» و«توجيهي ـ ثقافي» و«معنوي». إنها تمارس في الواقع دور الهيمنة التي أشار إليها غرامشي، أي انها «حزب ايديولوجي» وبالأحرى توجيهي وثقافي، فوق الأحزاب.
لكن الهيمنة التي تحتاجها دائماً القوى السائدة من شأنها أن تعيش أزمة حقيقية على مستوى الإعلام نفسه. فلقد وجدت هذه الأزمة في إيطاليا نتيجة وجود انقطاع بين القوى الليبرالية وبين القوى الشعبية الأمر الذي أدى إلى صعود الحلول الديكتاتورية لتخطي الوضعية القائمة. بهذا فإن أجهزة الإعلام أجهزة هيمنة أيضاً لا يعود بمقدورها أن تمارس دورها العادي.
فالفئات المسيطرة تلجأ إلى أساليب وتقنيات عاطفية ـ خطابية ـ تهييجية ترسلها وسائل الإعلام السائدة خالقة بذلك حالة من القلق والخوف ضد التفكك الاجتماعي والسياسي القائم. لقد لعب الراديو «الأداة الشفوية الجديدة» تهييجاً ودعاية على حساب الصحافة المكتوبة «المعقلنة» و«التوجيهية» وبالعمل على جرِّ هذه الأخيرة وراءه للتخلُّص من أزمة الهيمنة القائمة عبر الحل الديكتاتوري. باختصار فإن أزمة الهيمنة تشمل الأجهزة الإعلامية بالذات.
هذا ما يمكن تطبيقه في كل وضعية يحدث فيها الانقطاع بين القوى السائدة وبين الجماهير المسودة، والذي من شأنه أن يؤدي إلى حلول فاشية حيناً وثورية حيناً آخر أو انه يخلق أوضاعاً ديكتاتورية مختلفة حسب التفكُّك الاجتماعي والسياسي القائم، وذلك طبقاً لمدى هذا الانقطاع ونمط الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام فيه.
وأزمة الهيمنة نفسها يمكن أن تشمل الديمقراطيات الحديثة ووسائلها الإعلامية، في أوضاع لا تستطيع فيه هذه الديمقراطيات وأعلامها حل التفاوتات الحادة في المجتمع. وإذا كان الحل يكمن في الانتخابات والاقتراع العام فلا يعني ذلك حل الأزمة مادام التفاوت قائماً، لأن الوضع القانوني الناجم عن الاقتراع يزدوج مع ذلك بوضع الجماهير المستاءة الفعلية، مما يجعل أزمة الهيمنة مستمرة يعبِّر عنها استنكاف أوسع ومسح من المواطنين في المشاركة الانتخابية كما نرى اليوم.
إن «دفاتر السجن» تشير لأكثر من مرة إلى «الصحافة المكتملة». فغرامشي الذي عمل على استبعاد المقولات المادية والدوغمائية المبتذلة من «فلسفة الممارسة» أو التغيير التاريخي للمجتمع ورفض العمل الإعلامي الدعائي التضليلي والتناول الأحادي الجانب للثقافة وطرح مسألة الصحافة وأجهزة هيمنة إنما يريد بذلك التوجه نحو خلق مجتمع إنساني يضع حداً للانشراخات القائمة بين الحاكمين والمحكومين وبين النُخب والشعب، وبين الأحزاب والمواطنين، وبين القوى الاستغلالية والقوى المستغلَّة.
وبهذا، فإنه يرى في الصحافة المكتملة، أي القادرة على خلق ونشر ثقافة جديرة لكتلة تاريخية ينصب مشروعها على ولادة مجتمع إنساني متقدم قضية جوهرية.
فالصحافيون هم مثقفون من وجهة نظر غرامشي مثلهم مثل بقية فئات المثقفين، جامعيين وخبراء ومفكرين وإطارات تقنية.. ومن هنا يقع عليهم أيضاً تنقية الثقافة الشعبية مما هو خرافي وأسطوري وغيبي وربط ما هو عقلاني ونهضوي وموضوعي فيها بالثقافات العليا، خاصة بثقافة المطبوعة الكتابية العقلانية والتمحيصية والتوثيقية والاستقصائية ضد ثقافة الإعلام الخطابي والدعائي والمبتذل.
الكتاب: غرامشي الإعلام والثقافة
الناشر: مطبوعات سابينتا - باريس 2005
الصفحات: 124 صفحة من القطع المتوسط
GRMSCI, LES MEDAS ET LA CULTURE
OUVRAGE COLLECTIF
PIERRE MUSSO EI ALT
EDITIONS SAPIENTA PARIS 2005
P. 124
