مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي تيري ماكديرموت الذي اشتغل كمراسل لثماني صحف أميركية لمدة ربع قرن. وكان آخرها جريدة «لوس أنجلوس تايمز». وقد نال عدة جوائز في مختلف المجالات من بينها الشؤون الخارجية، والاقتصادية، والعلوم.
وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف بالتفصيل عن السيرة الشخصية لمختلف أعضاء الكوماندوز الذين قاموا بالهجوم على نيويورك وواشنطن صبيحة 11 سبتمبر عام 2001. وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام وكل قسم يتفرع إلى عدة فقرات أو فصول. ففي القسم الأول يتحدث المؤلف عن كيفية وصول الطلبة العرب إلى مدينة هامبورغ بشمال ألمانيا.
ويقول بأنهم جاءوا من أجل العلم وإكمال دراساتهم التخصصية العالمية في الهندسة المعمارية أو سواها. وكان ذلك في أوائل التسعينات أو منتصفها. وفي تلك الفترة كان الجهاد الأفغاني على أشده أو في نهاياته. وكانت الجماعات الراديكالية تعتقد أنها انتصرت على الاتحاد السوفييتي. وما عليها إلا أن تنتصر على أميركا أيضاً. ثم يقول المؤلف بأنه ذهب إلى القاهرة لمقابلة عائلة محمد عطا قائد الهجوم بالطائرات على نيويورك.
وكانت دهشته كبيرة عندما اكتشف أن عائلته علمانية وليست متطرفة أو راديكالية. فوالده محام وعائلته تنتمي إلى البورجوازية المتوسطة وتعيش بشكل جيد. وله أخت طبيبة مختصة بأمراض القلب، وأخت أخرى أستاذة في الجامعة ومختصة بعلم الحيوان.ثم يردف المؤلف قائلاً: ويبدو أن والده كان يطمح له بمستقبل باهر في مجال الهندسة. ولذلك فإنه أرسله إلى ألمانيا لإكمال أطروحته في هندسة العمارة.
وقد تعرف إلى عائلة ألمانية أثناء زيارتها إلى مصر فأرسله إلى عندهم في مدينة هامبورغ حيث سكن في الفترة الأولى من إقامته هناك. وكان صاحب البيت أستاذاً في الجامعة أيضاً. وقد أشرف عليه وساعده في بداية دراسته.
ولم يكن هناك أي شيء يوحي بأن محمد عطا سيتحول إلى ذلك المتشدد الذي نعرفه. صحيح أنه كان متديناً ولكن بشكل وسطي وضمن الحدود المعقولة. ولكنه تعرف في هامبورغ على جامع القدس الذي يضم أقطاب الإسلام السياسي في ألمانيا. وكان إمام الجامع شيخاً متشدداً من أصل مغربي يدعى محمد خزازي. ويبدو أنه كان هارباً من بلاده لأسباب سياسية أو لأسباب أخرى.
وكان يقول للطلبة العرب المتجمعين حوله ومن بينهم محمد عطا: ينبغي أن تقتلوا كل من يعادي الإسلام بفكره أو سلوكه. ولا يهم فيما إذا كان رجلاً أو طفلاً أو امرأة. ثم كان يقول أيضاً: ينبغي أن تحرصوا على الموت مثلما يحرصون هم على الحياة. والمقصود بـ «هم» هنا الأوروبيون والأميركان، أي الكفار بحسب وجهة نظره. ثم كان يردف قائلاً: إن الجهاد صعب على الكفار لأن الله أمرنا بأن نذبحهم ذبحاً وأن نبيد ذريتهم. فالله عز وجل خلق الجنة لعباده المؤمنين والنار للكافرين.
باختصار فإن هذا الإمام المتشدد كان يصل بالتطرف إلى أقصاه. وكان تأثيره سلبياً جداً على الطلبة العرب المقيمين هناك. وكثيراً ما حرفهم عن دراساتهم لكي ينخرطوا في طريق آخر غير تحصيل العلم والمعرفة. وللأسف الشديد فلم يكن يوجد هناك رجال دين عقلاء يشرحون الدين بشكل صحيح لتلامذتهم. كان معظم الأئمة من المتطرفين الذين انحرفوا عن نهج الإسلام الصحيح، إسلام الوسطية والرحمة والاعتدال، وسلكوا دروباً أخرى ما أنزل الله بها من سلطان. وهذا ما أدى إلى كارثة 11 سبتمبر وبقية التفجيرات الإرهابية التي تلتها ولا تزال.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وأكبر دليل على ذلك ما حصل للطالب اللبناني زياد الجراح. فهو من أصل بورجوازي وينتمي إلى إحدى العائلات السنية المرموقة والمحترمة. وكان قد درس في مدارس خاصة مسيحية قبل أن ينتقل إلى الجامعة. ولم يكن همه في بيروت إلا اللهو والمتعة والدراسة.
ثم أرسلته عائلته الموسرة إلى ألمانيا لإتمام دراساته العليا. وهناك تعرف على فتاة ألمانية من أصل تركي وأصبحت عشيقته. وبالتالي فلم يكن متديناً على الإطلاق على عكس محمد عطا. ولكن شيئاً فشيئاً راح يتعرف على الجماعة الأصولية المتشددة التي تعيش في هامبورغ. وراحوا ينتقدون أسلوبه في الحياة وتحرره الزائد عن اللزوم في نظرهم. وعابوا عليه عدم تردده على المسجد خمس مرات في اليوم. وعندئذ أخذ يستمع إليهم شيئاً فشيئاً. وكانت النتيجة أن اختلف مع صديقته وأرخى لحيته وأصبح يتشدد أكثر فأكثر. وعندما عاد في العطلة الصيفية إلى لبنان لم تكد تعرفه عائلته!.
وأحسَّ أولاد أعمامه وإخوته بأنه تغير كثيراً. ولم يعد يتحدث إلا عن الجهاد ضد الكفار. وعلى هذا النحو تغير زياد الجراح ابن العائلة اللبنانية البورجوازية. ويرى المؤلف أن جماعة المتشددين بارعون في جذب الشباب الإسلامي الغرّ إلى صفوفهم. فهم يضربون على وتر الإيمان والدين الذي يتحسس له أي شاب ولد في عائلة إسلامية.
وبالتالي فإنهم يقومون بعملية غسل لعقولهم من أجل أن يستخدموهم بعدئذ في تنفيذ المهمات العسكرية والسياسية. ثم يشرح المؤلف بشكل مطول ظروف أفغانستان وكيف هجم عليها الجيش الأحمر واحتلها عام 1979. ويرى أن هذه العملية العدوانية هي التي هيجت الشباب المسلم ودفعته إلى الجهاد لتحرير أفغانستان.
وهنا يتوقف الكاتب عند شخصية مركزية من شخصيات الجهاد الأفغاني هي: عبدالله عزام. ويقول بأنه ولد عام 1941 في قرية بالقرب من مدينة جنين الفلسطينية. وقد تربى في عائلة كريمة متواضعة ومتدينة. وبعد أن أكمل دراساته الأولى عين مدرساً في قرية بجنوب الأردن. ثم دخل بعدئذ في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة دمشق. وقد حصل منها عام 1966 على شهادة الليسانس في العلوم الدينية.
وفي نهاية الستينات انضم عبدالله عزام إلى قوافل الجهاد في فلسطين. ثم ذهب بعدئذ إلى مصر للدراسة في الأزهر الشريف. وهناك حصل على شهادة التبريز في العلوم الإسلامية. وفي عام 1970 أصبح أستاذاً في الجامعة الأردنية بعمان. وبعدئذ نال منحة دراسية لإكمال الدكتوراه في الأزهر. فذهب إلى هناك من جديد وحصل على شهادة الدكتوراه في علم أصول الفقه.
وهناك تعرف على عائلة سيد قطب. ثم شارك لفترة طويلة في الجهاد ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. ولكنه امتعض كثيراً لأن منظمة التحرير علمانية أكثر مما هي إسلامية. فهي تناضل ضد الإسرائيليين على أساس قومي لا ديني. وفيها الكثير من المسيحيين. وعندما سأل أحد رفاقه في الكفاح: ما هو دين الثورة الفلسطينية؟
أجابه هذا الأخير: الثورة الفلسطينية ليست ديناً، الثورة لكل الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه ... وهذا الجواب أزعج جداً عبدالله عزام واعتبره خيانة للهوية الإسلامية لفلسطين. وأخذ يعتبر منظمة التحرير بمثابة تجمع بعيد عن الإسلام. وقد لاحظ أن معظم المناضلين لا يصلون الصلوات الخمس.
وعندئذ قرر الابتعاد عن منظمة التحرير والنضال الفلسطيني وهاجر إلى المملكة العربية السعودية. وهناك درّس في عدة جامعات وكان من تلامذته شخص يدعى: أسامة بن لادن. وقد أصبح شيخه وأستاذه فيما بعد في أفغانستان.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وعندما غزا الجيش السوفييتي أفغانستان كان عبدالله عزام من أوائل الذين التحقوا بقوافل الجهاد لتحرير بلاد المسلمين مما يعتبره دنس الملاحدة والشيوعيين. ومعلوم أن المخابرات المركزية الأميركية انتهزت الفرصة السانحة لتوريط السوفييت هناك مثلما ورطوها هم في الستينات في المستنقع الفيتنامي.
وأرادت الولايات المتحدة تصفية حساباتها مع الشيوعية العالمية من خلال دعم المقاومة الأفغانية حتى ولو كانت أصولية متشددة. فالمهم هو إهانة العدو السوفييتي وليس أي شيء آخر. وقد حصلت مناقشة في الكونغرس حول الموضوع. واتهم بعض أعضائه الحكومة الأميركية بدعم الأصوليين الراديكاليين في أفغانستان من أمثال قلب الدين حكمتيار وعبدالله عزام وبن لادن وسواهم. ولكن الحكومة لم تستمع إلى هذا الكلام.
مهما يكن من أمر فإن الشيخ عبدالله عزام أثر كثيراً على الجهاد في أفغانستان. وقد استلم رئاسة المكتب العربي الذي كان يشرف على المقاتلين القادمين من البلدان العربية لنصرة اخوانهم الأفغان ودحر الجيش السوفييتي. ثم نشر هناك مجلة تدعو إلى الجهاد وتبشر بالأفكار الراديكالية التي أدت لاحقاً إلى ضربة 11 سبتمبر وسواها. ويقال بأنه شارك في العمليات الحربية بنفسه بعد أن اطلع على أرض الواقع الميداني في كل أنحاء أفغانستان. فقد زار منطقة قندهار وجلال آباد وسواهما.
ولكن شاء الله أن يموت في أحد التفجيرات المحكمة الصنع. قد كان ذاهباً لحضور صلاة الجمعة مع ولديه إبراهيم ومحمد وولد أحد المجاهدين الأفغان المعروفين. ويبدو أن أعداءه نصبوا له كميناً على الطريق الضيق حيث وضعوا ثلاث قنابل. وقد انفجرت فيهم فقتلتهم جميعاً. ثم يتحدث المؤلف أيضاً عن بقية الشخصيات الراديكالية التي ساهمت في تفجيرات 11 سبتمبر. ويستعرض مسارهم الحياتي والتاريخي الذي أدى بهم إلى سلوك الطريق الانتحاري وهم في عز الشباب.
وقد بذل المؤلف جهوداً كبيرة لتتبع أخبارهم ومقابلة عائلاتهم وأصدقائهم وكل من يعرفهم. وجمع عنهم معلومات جمة منذ نعومة أظفارهم وحتى كبروا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه. وبالتالي فالكتاب مليء بالشهادات الحية والمقابلات الشخصية التي تمت في القاهرة أو بيروت أو صنعاء أو بقية المدن والعواصم العربية. ونضيف إلى ذلك بالطبع مقابلات المؤلف مع أساتذة هؤلاء الطلاب العرب وبخاصة في الجامعات الألمانية.
الكتاب: جنود مثاليون
الناشر: هاربيرز لوكينز ـ نيويورك 2005
الصفحات: 330 صفحة من القطع الكبير
PERFECT SOLDIERS
TERRY MCDERMOTT
HARPIER COLLINS PUBLISHERS - 2005
P. 330
