ماذا يحدث عندما تتصادم القيم الثقافية في مجتمع صغير؟ سؤال ملح تجيب عنه الكاتبة الهندية الشابة «لافانيا سانكاران» في مجموعتها القصصية «السجادة الحمراء». ما أن تلمس يد القارئ مجموعة «السجادة الحمراء» حتى تسري في ذهنه تداعيات كثيرة للمناخ العام الذي تدور حوله الأحداث.

وبمجرد الشروع في القراءة سيبدو له أحياناً أنها عملية شبيهة بالسير على سجادة تطوف بك مخيلة كاتبتها أو حائكتها في رحلة مشوقة شبيهة برحلة عصرية على بساط سحري من موروث قدماء الهنود. بغض النظر عما تقدمه مؤلفتها من متعة لاسيما في تقنيات التداخل في الزمان والمكان، وجماليات السرد والإثارة، إلا أن القارئ ربما يتساءل عن مدى ما تقدمه هذه الكاتبة الشابة من فائدة بالنظر إلى تزاحم الأصوات الجديدة في المشهد الإبداعي الهندي المعاصر.

الواقع أن ما يميز أعمال بعض الكتاب الشباب ومنهم سانكاران هو كونها قراءة للتجربة الحياتية الإنسانية المعاصرة بعقلية من ينتمي إليها فعلاً، بحيث يمكنهم التعليق على تفاصيلها بذكاء وحيوية. ومن هنا يمكن القول بأن ما تطرحه هذه المؤلفة هو صوت جديد من حيث إعادة ترتيبه المشهد الحياتي والإبداعي وهو كل ما يقدم للقارئ في هذه المجموعة.

من ناحية أخرى تلفت المجموعة الانتباه إلى ملاحظتين مهمتين، أولاهما، أنه على العكس مما نقرأه اليوم من أعمال روائية وقصصية تجسد حياة المهاجرين من أبناء شبه القارة الهندية إلى الغرب، والصراعات الثقافية والحضارية التي يواجهونها في تلك المجتمعات. تعالج «مجموعة السجادة الحمراء» مشكلة الصراع الثقافي والحضاري الذي تعاني منه المجتمعات المتجانسة في الأساس، التي تلقي عليها الحياة في الغرب بظلالها القاتمة بالنظر إلى طبيعة التواصل الحضاري.

أما الثانية فتشكل صلب حياتنا المعاصرة وهو ما يتصل بمسألة التغيير والفجوة الحضارية، وما يترتب عليه من صراع ثقافي وأبعاد هذا الصراع ومفارقاته ...

تتساءل الكاتبة ماذا يحدث عندما تتصادم قيم الجيل الجديد وقيم الجيل القديم في مكان صغير مثل مدينة بنغالور الهندية لا يحتمل بطبيعة تكوينه الاجتماعي والثقافي الكثير من الاختلاف، وماذا سيحدث لو اتسعت رقعة الصراع ليأخذ طابعاً عالمياً شديد المعاصرة ؟ هنا سيشتبك كل من المحلي والكوني على نحو مثير للجدل.

مجموعة السجادة الحمراء المؤلفة من ثماني قصص قصيرة تجيب على أكثر أسئلة الحياة المعاصرة إلحاحاً. رامو بطل قصة «هذه بومباي»، شاب يبلغ من العمر 30 سنة يعمل في مجال التقنيات الالكترونية، ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، يقرر الزواج فتسعى أسرته إلى البحث عن زوجة مناسبة،

وتجتهد أمه في مساعيها متبنية وجهة نظر شديدة المحافظة تقضي بالمواءمة بين مصلحة ابنها ومصلحة العائلة. وبالطبع يبدو أن شابة مثل اشويني زميلة ابنها الجديدة في العمل لا تبدو مرشحة إلى تلك الصفقة رغم «إعجاب» الابن الشديد بمظهرها العملي الجديد، فهي امرأة متحررة من تقاليد الماضي ومن الانتماء أصلاً للمجتمع التقليدي.

وبصرف النظر عن الفوارق الثانوية بينهما مثلا: تصنيفه الاجتماعي كرجل، بشرته الداكنة واللحية الصغيرة المشذبة بعناية المعلقة على ذقنه، وخط الشعر المتقدم الذي أخذ يبتعد عن جبينه بالطريقة ذاتها التي تزعج الكثير من الرجال الآخرين في مطلع عقدهم الثالث . كانت ابتسامته شبيهة فعلاً بابتسامة الموناليزا .... مليئة بالغموض والتسلية الخفية. لم تكن تلك المرأة التي تدعى، أشويني،سوى سلعة حديثة ترد إلى المدينة .... ومع ذلك فإن المرء يشاهدها في كل مكان، في كل الحانات وكل الحفلات..».

من أجمل ما تقدمه المجموعة شخصياتها التي تمثل في غالبيتها شريحة الشباب بتوجهاتهم المختلفة وهو ما يعمل من جانب على خلق مجتمع متعدد القيم الثقافية . وبغض النظر عن كون أعداد كبيرة منهم من خريجي الجامعات الغربية وربما من مؤيدي القيم المادية، إلا أن المؤلفة تغوص في أعماق شخوصها وتجتهد في رسم ملامحها للقارئ برشاقة وخفة دم وواقعية أيضاً. إحدى أهم النماذج تأتي في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها السجادة الحمراء.

تلقي تفاصيل القصة الضوء على حياة شخصيتين متناقضتين. رانغابا أو راجو كما تدعوه سيدته أثناء موجات الغضب، وهو السائق، فقير غير متعلم يتولى مسؤولية إنفاق راتبه المتواضع على أسرة، المكونة من والديه وأخته وزوجته وطفلتهما. وسيده تشودري المليونير الثري الذي تجسد حياة أسرته نموذجاً حقيقياً للترف والمعاصرة في مجتمع بنغالور . وعلى الرغم من محاولة كل منهما الاقتراب من الآخر إلا أن هناك لحظات من التوتر تلقي بظلالها الثقيلة على مشاعر وسلوك كل منهما تجاه الآخر.

تمتلئ قصص سانكاران بحكايات الشباب المتعلمين العائدين من الخارج وعلى وجه التحديد، من أميركا، هؤلاء ما أن يعودوا إلى بلادهم تقول المؤلفة ويصطدموا بالواقع حتى يتعاملوا معه بطريقتين، إما أن يصنعوا مجتمعاً أميركياً خاصاً بهم وإما أن يقفل بعضهم الأدبار عائداً إلى أميركا كما تجسد ذلك قصة شابين يؤسسان مشروعاً تكنولوجياً ناجحاً وعندما يشعر أحدهما بالحنين إلى أميركا يحزم أمتعته ويعود غير عابئ بتساؤلات وخيبة أمل شريكه.

في قصة «اثنين أربعة ستة ثمانية» تواجه فتاة صغيرة بقوة إرادتها ما ترى أنه هيمنة جدتها العجوز لتبدأ سلسلة من المصادمات العنيفة والمعارك الخفية والمعلنة والمكائد والأكاذيب والخداع لا يطاق في البيت الواحد. وفي «شوربة الحروف» امرأة برجوازية شابة تنشأ في أميركا وتتلقى تعليمها في إحدى مدارس الصفوة تراودها رغبة ملحة في العودة إلى الهند للاستمتاع بما تتصور أنها الأجواء المناسبة لاختبار تعددية الثقافة، وإمكانية الشعور بالاطمئنان جراء الحياة بين أناس يحملون لون بشرتها السمراء.

هنا تخوض بطلة سانكاران صراعاً عنيفاً مع أبيها الذي لا يوافق على مبدأ العودة إلى موطنه الأصلي. وعندما تنجح مساعيها في نهاية المطاف وتصل إلى بنغالور توضع أمام خيارين هما إما إكمال معركتها مع الواقع الذي تعيشه هناك إلى النهاية وإما الإقرار بالهزيمة والعودة إلى أميركا خائبة.

هؤلاء الناس الذين تكتب عنهم سانكاران يعيشون في صراع مستمر مع نواميس الحياة المعاصرة، مع التغيير، مع الانسجام مع القيم المادية الغربية وحتى مع أنفسهم كما يحدث مع شخصيات القصص الرئيسية. غير أن بعض هذه الشخصيات ربما كان يجسد في الحقيقة حياة المؤلفة نفسها، سعيها الدؤوب لفهم نفسها والآخرين، بدءاً بواقعها العائلي ووالديها الأرستقراطيين، المحافظين على قيمهما العائلية .

وبالتالي فإن الموضوع الأساسي للمجموعة كلها يمكن اختزاله في قصة امرأة هندية تغادر بلادها في مرحلة مبكرة من حياتها لكي تعيش وتتعلم قيم الغرب ثم تعود إليها مرة ثانية لتصطدم بالواقع.

ثم تعاني من تداعيات هذا الموقف المتجسد في الفجوة الحضارية الفاصلة بينها وبين الآخرين. إلا أن النظر إلى العمل من هذا الجانب لا يلغي شموليته التي يمكن من خلالها رؤية المدينة، بنغالور في حالة من التماهي مع شخوصها. حيث هذه المدينة الوادعة البعيدة عن المركز، المحافظة على قيمها الثقافية تتحول إلى مدينة، وادي السيليكون، مكان مختلف يحتضن الشركات العملاقة ومجتمعات المال والأعمال والعقول الشابة

لاسيما التي تنهي دراستها في الغرب فتجد ما يلبي طموحاتها المادية وغير المادية على أرضه، ما يوحي بمفارقة كبرى، فلو تعرف القارئ على هؤلاء قبل عقدين من الزمان كما تجزم المؤلفة لما تسنى له أن يخرج بهذا الانطباع . في الماضي كان هناك شظف العيش وثراء القيم ما يعني أن أحداً من مواطني بنغالور لم يكن بعيداً عن التفكير في الهجرة إلى أميركا أو بريطانيا.

اليوم تشهد الحياة في بنغالور انقساماً ثقافياً واقتصادياً. وهو ما تجسده بقوة الموضوعات التي تناقشها المؤلفة في كل من السجادة الحمراء و الستائر المسدلة حيث الجيران الذين يتطفلون على حياة جيرانهم المختلفة تماماً عن حياتهم المحافظة. وحيث يسلط الضوء على حياة أناس عاديين لا يملكون الثروة المادية الطائلة وعوضاً عن ذلك يملكون التواضع، والكرامة و القيم الإنسانية.

حقائق عن لافانيا سانكاران

لافانيا سانكاران 37 عاماً، كاتبة هندية شابة. من مواليد بنغالور في الهند تلقت تعليمها الأساسي في الهند .

تابعت دراستها الجامعية في أميركا وتخرجت في كلية براين ماور، ولاية بنسلفانيا الأميركية.

بدأت حياتها العملية كموظفة في مجال الاستثمار المصرفي بنيويورك وبعد عودتها إلى الهند عملت في مجال الاستشارات المصرفية.

«السجادة الحمراء» باكورة أعمالها القصصية.

ينتظر صدور أولى أعمالها الروائية في وقت لاحق.

كما ينتظر الإفراج عن أحد الأفلام المستوحاة من إحدى قصص مجموعتها.

لها مساهمات متميزة في عدد من المجلات والدوريات العالمية منها «اتلانتك مونثلي» و«وولستريت جورنال».

الكتاب: السجادة الحمراء

الناشر: دار دايل برس ـ نيويورك ـ 2005

الصفحات: 224 صفحة من القطع الكبير

The red carpet

Lavanya Sankaran

The Dial Press - N.Y2005

p.224