محمد أمير ناشر النعم كاتب وباحث سوري صدر له: اللغة بين علمي المنطق والأصول 1990، ومسألة (جعل الماهية) وأثرها في علم الكلام، وفكر ومنبر 1995، والإسلام والدور المنتظر 1996، والإمام علي المرتضى قراءة في مقومات كماله 2000. في كتابه هذا (من ينابيع التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر)

يتصدى لقراءة ودراسة ثلاثة من المجددين في الفكر الإسلامي ـ التجديد الذي هو قطع الصلة مع الحالة الفكرية الراهنة، المبتعدة عن الدين أو المشوهة له، وإعادة المباشرة مع النص واستنطاقه ليستجيب للواقع ويرتقي به وفق الخط الإسلامي الأصيل.

والثلاثة الذين يدرس في فكرهم: الفرنسي رينيه جان غينون والبوسني علي بيجوفيتش، والسوري محمود عكام. الفرنسي رينيه جان ماري جوزيف غينون 1886 ـ 1951 أسلم وتسمى باسم (عبدالواحد يحيى) واسمه ما يزال مجهولاً في عالمنا العربي مع أنه أمضى شطر حياته الأخير في القاهرة واعتبره د. عبدالحليم محمود شيخ الأزهر في تقرير كان قد رفعه لإحدى الجامعات المصرية بقوله:

«رينيه غينون من الشخصيات التي أخذت مكانها في التاريخ، يضعه المسلمون بجوار الإمام الغزالي وأمثاله، ويضعه غير المسلمين بجوار أفلوطين صاحب الأفلوطينية الحديثة وأمثاله). وقد تنوعت اهتمامات غينون وكتاباته بين العرض والشرح والنقد، ويمكن تصنيف الكتلة الضخمة من أعماله في عدد من الفئات، على الرغم من وجود علاقة متبادلة بين كتبه المختلفة بسبب الطبيعة التقليدية لفكره، وتشمل كتاباته على نحو تسعة وعشرين كتاباً، ونحو خمسمئة مقال ومراجعة

.

يمكن تصنيفها ضمن محاور:

1ـ التقاليد والعقائد والميتافزيقا.

2 ـ دراسات عن التصوف والمتصوفين والكتب التي تندرج في هذا المحور: (1ـ صوفية دانتي 1925،. 2 ـ القديس برنار 1929، 3 ـ ملك العالم 1925. 4 ـ لمحات في التصوف، 5 ـ التلقين الروحي وتحقيقه 1952. 6 ـ لمحات في التصوف المسيحي 1954).

3 ـ الرمزية.

4 ـ نقد العالم الحديث، وتعتبر الكتب التي وضعها في هذا المحور من أهم كتاباته إذ تجعله أهم ناقد للغرب وهي:

1ـ التيوصوفية: تاريخ ديانة مزيفة 1921.

2 ـ خطأ مناجاة الأرواح 1923.

3ـ الشرق والغرب 1934.

4 ـ أزمة العالم الحديث 1927.

5 ـ مملكة الكم وعلامات الزمان 1945.

ويعتبر محمد أمين ناشر النعم أن أوروبا قد عرفت في عصرها الحديث أعجوبتين فكريتين مهمتين هما: نيتشه وغينون. رجلان لا يمكنك ان تكون بعد قراءتهما كما كنت من قبل ذلك. الأول يودي بك إلى الجنون، والثاني يقودك إلى الإيمان، ولا عجب أن يصف الكاتب الروسي ألكسندر دوغين في كتاب له عن غينون سماه:

دغينون نبي العصر الحديث الجديد، بأنه استطاع أن ينقل المعركة بين النزعتين الدينية والمادية من أرض الأولى إلى أرض الثانية، متخلصاً بذلك من موقف (الدفاع عن الدين) الذي لن يكون في أحسن أحواله سوى (اعتذار) أو (تسويغ).

وتتفاقم حالة الضعف هذه ـ كما يقول غينون: عندما يتحول الدفاع عن الدين إلى مناقشات وجدالات دنيوية بحتة من خلال المنهج والمنظور الذي تطرح من خلاله، حيث يوضع الدين على مستوى واحد من النظريات الفلسفية والعلمية، أو شبه العلمية، إلى أن يصل الأمر إلى القبول، في نطاق ما، لمفاهيم لم تستحدث إلا لهدم كل دين ظهوراً بمبدأ (التسامح).

أما علي عزت بيجوفيتش (1925 ـ 2003) الذي ولد في البوسنة وتعلم في سراييفو، وحصل على شهادات في القانون والآداب والعلوم، وسُجن طويلاً بسبب أفكاره وانتسابه لتنظيمات دينية إسلامية، ولتمرده وقيامه بأعمال مضاده للنظام الشيوعي الذي سقط حكمه إثر انهيار دولة الاتحاد السوفييتي، فخاض انتخابات البوسنة باسم حزب أنشأه (حزب العمل الديمقراطي) ففاز وتولى رئاسة جمهورية البوسنة سنة 1990،

فإن أهم أفكاره التي أثارت عليه الرأي العام في يوغوسلافيا وخارجها، كان قد جمعها ابنه (بكر) في كتاب سّماه (الإعلان الإسلامي) فحوكم عليه سنة 1983، وصدر قرار بسجنه مدة إحدى عشرة سنة، لكنه بعد ست سنوات وبضغط من جمعيات حقوق الإنسان، خرج من السجن ثم برأته المحكمة مع ثلاثة عشر من أصدقائه المثقفين.

وكان كتابه هذا قد حمل أفكاراً من مثل: العودة إلى الأصول والمنابع، التنديد بأنظمة الحكم القمعية، الدعوة إلى مزيد من الإنفاق على التعليم، التشجيع على تحسين وضع المرأة، الدعوة إلى الابتعاد عن العنف، ضمان حقوق الأقليات.

وقد ترجم الكتاب إلى العربية وكتب محمد يوسف عدس في مقدمته بأنه وعلى الرغم من إعادة محاكمة علي عزت بيجوفيتش وسقوط التهم الموجهة إليه، إلا ان الكتاب ظل سيفاً مسلطاً لا على رقبة مؤلفه فحسب، بل على المسلمين في البوسنة، وعلى الإسلام باعتباره عقيدة وشريعة ونظاماً،

واستمرت الحملات الإعلامية العربية تتصاعد ضد علي عزت لترسم له صورة مقولبة باعتباره (آية الله الأبيض الملعون) الذي ظهر في قلب أوروبا المسيحية. ولترويج هذه الصورة أخذ الكتاب، وأجريت على نصّه تعديلات، وأضيفت إليه عبارات وكلمات لم تكن موجودة في الأصل.

ثم وزع بحماسة في بلغراد وزغرب كدليل على دعوته للجهاد، والجهاد عندهم معناه إعلان (الحرب المقدسة على المسيحية) هذه التي تتعارض مع مشروعه الفكري، لأن علي عزت كان قد اعتبر أن الدين المسيحي قد تقدم خطوة على الأرض وشمل الإنسان كله ببعثه خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.

بل إنه اعتبر أن المسيحية دين التقدم الجواني للإنسان، فيما اليهودية هي تاريخ التطور التجاري للعالم، وأن اليهود لم يساهموا في الثقافة، إلا أنهم كانوا دائماً يساهمون في الحضارة، وهم في هجرة دائمة من حضارة آفلة إلى حضارة أخرى وليدة، فكلما سادت الثقافة في مدينة ظهر اليهود فيها، ففي التاريخ القديم نجدهم في مدن صور وصيدا وانطاكيا والقدس والاسكندرية وقرطاجة وروما، وفي مدن إسبانيا الإسلامية نجدهم في قرطبة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية،

وفي بداية عصر النهضة نجدهم في مدن امستردام وفينيسيا ومارسيليا، وفي العصر الحاضر نجدهم في كل مدن العالم الكبرى وعلى الأخص في المدن الأميركية.

وعلي عزت بيجوفيتش على خلاف مع غيره من السياسيين اليوغسلاف، فهو يؤمن بإمكان التعايش بين جميع المواطنين على الرغم من اختلاف دياناتهم وقومياتهم في إطار وحدة وطنية قائمة على الحرية الدينية. ومن هنا فقد رفض تقسيم البوسنة على أساس ديني عرقي، والذين اتهموه بالأصولية والتعصب الديني والتطرف هم الذين حاولوا بعد ذلك إرغامه على قبول دولة مقتصرة على المسلمين مطهرة عرقياً ودينياً.

أما الدكتور محمود عكام المفكر الإسلامي الذي تخرج في جامعة السوربون في باريس 1984 وعاد إلى حلب ليعمل خطيباً في جامع التوحيد الذي أثار من على منبره قضايا فكرية أثارت جدلاً واسعاً في الحياة الاجتماعية والسياسية لجرأتها في نقد وتجريح الفساد مهما كان شكله أو لونه أو مذهبه،

فإنه يعتبر أن القرآن الكريم حاكمية مطلقة في كل الميادين الإنسانية و«العلمية التجريبية» وأن الإنسان كائن حي، موجود بالاضطرار، متميز عن بقية الكائنات الحية بآلية المعرفة وقدرة الاختيار، أُهِّل بهذا للتكليف، فكان الأول في النوع خلقاً ومكانة من حيث التصنيف.

ومن برنامجه الإصلاحي الذي يقوم على رصد الخلل ومن ثم وضع خطط عمل له، أنه في مقابلة له مع رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد كان قد تقدم بخطة مفصلة لإصلاح الأوقاف والإفتاء والتعليم الشرعي، وكان مما جاء فيها أن بعض الخطباء والأئمة غدوا نتيجة استمرارهم في المسجد نفسه فترة طويلة من السنين أصحاباً لهذه المساجد، وغدت ممالك يتصرفون وكأنهم الأسياد المطلقون فيها، وربما حرصوا على توريثها لأولادهم.

وأن وظيفة المفتي قد تحوّلت من وظيفة دينية علمية فكرية إلى منصب سياسي، وأضحى هذا المنصب بشكل عام مستغلاً لعمل خاص للمفتي، وأن الإفتاء غير قادر على مواكبة العصر بمستجداته، فلا يبادر بالمعالجة والتوضيح وإعطاء الرأي في ما يحدث، وأن الاهتمام بالقضايا الوطنية ذاك الذي على مستوى الدائرة الرسمية، وليس على مستوى المفتي الشخصي ـ يكاد يكون شبه معدوم.

إلا أنه حيث يتبنى موقف التجديد بعد الإصلاح فهو يعتبر أن التجديد إنما هو إعادة المباشرة في قراءة النص الأساسي والنص الشارح، وفق العقلية الإنسانية لتثبيت الثابت واستنباط المتغير المناسب بحسب ظروف المجدد الزمانية والمكانية بوساطة الأدوات العلمية.

لأن التجديد أيضاً هو عكس آني راهن عن القرآن الكريم، ترى عصرك فيه، وترى القرآن في عصرك. فهناك من لا يرى في القرآن عصره، ولا يرى عصره في القرآن، ويكتفي برؤية سابقه في القرآن، والقرآن في سابقه، ويبقى متوارياً غائباً. وهل هذا إلا إهمال وضياع؟

أنور محمد

الكتاب: من ينابيع التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر/ دراسة

الناشر: دار فصّلت ـ حلب 2005

الصفحات: 384 صفحة من القطع المتوسط