مؤلف هذا الكتاب هو المفكر الفرنسي موريس دروون عضو الاكاديمية الفرنسية، بل وعميدها. وهو احدى الشخصيات الديغولية الكبرى على المستوى الأدبي والثقافي. وهو يتناول في كتابه الجديد هذا معظم قضايا الساعة من سياسية، وثقافية، وتاريخية.

ومنذ البداية يتحدث عن صديقه ميشيل جوبير الذي مات عام 2003 ويقول: لقد مات وهو يكتب، مات والقلم في يده دون أن يتيح له القدر أن يكمل مخطوطته. كانت العبارات الأولى واضحة، ثم شيئاً فشيئاً راحت العبارات تتقطع وتصبح غامضة، مشوشة. على هذا النحو وجدوه مطروحاً على الأرض أمام مكتبه بعد أن صعقه الموت ولم يمهله لكي يكمل مقالته.. هكذا مات ميشيل جوبير وزير خارجية فرنسا في عهد الرئيس جورج بومبيد وصاحب الخلاف الشهير مع كيسنغر والاميركان.

ثم يردف المؤلف قائلاً: والواقع أن ميشيل جوبير ما كان يتحمل الطريقة العنجهية التي يقود بها الأميركان شؤون العالم. فقد كان يعتبرهم جهلة بالتاريخ وبمشاعر وحاجيات الشعوب الأخرى، كان الرجل «الصغير» الذي تحدى الرجل «الكبير» ولم يغفروا له ذلك. ولكن كيسنغر الذي كان عظماء العالم ينحنون أمامه لم يحقد عليه، وإنما ابتدأ يحترمه.

وعندما قبل ان يدخل كوزير دولة في أول حكومة لميتران كان يأمل بأن يستطيع المحافظة على مصالح فرنسا في الخارج. ولكن عندما فهم أنه أصبح رهينة لدى النظام الجديد ولا يستطيع ان يطبق أفكاره انسحب من الحكومة فوراً. فالرجل ما كان يبحث عن المناصب وما كانت تغره على الإطلاق. كان أكبر من المناصب على عكس الكثيرين الذين يركضون وراءها ركضاً. كان ميشيل جوبير رجل قضية ومبدأ. وبهذا المعنى فهو ديغولي حقيقي.

ولكن ميشيل جوبير لم يكن فقط سياسياً وإنما كاتب وأديب أيضاً. وقد خلف وراءه ما لايقل عن عشرين كتاباً على هيئة روايات أو مذكرات أو مقالات سياسية، أو غير ذلك. ونذكر من بينها كتابين مؤثرين جداً عن البلد الذي ولد فيه وأحبه: المغرب الأقصى. ثم يردف موريس دروون قائلاً: فقد ولد ميشيل جوبير في مدينة مكناس وتعرف على الحقول الخضراء الخصبة المحيطة بها وأحبها. نعم لقد أحب ميشيل جوبير المغرب أرضاً وشعباً وظل وفياً لتلك البلاد الطيبة حتى نهاية حياته.

ثم ينتقل المؤلف إلى موضوع الفيلسوف المسيحي جان غتيون ويقول: لقد كان أول رجل علماني سيشارك في المجمع الكنسي الشهير باسم الفاتيكان الثاني والذي أحدث ثورة تجديدية ولاهوتية في المسيحية. ولكن من يعمل أنه كاد ان يتعرض للعقاب من قبل الفاتيكان نفسه لأنه ألف كتاباً لا امتثالياً عن مريم العذراء؟ ولم ينقذه من الإدانة اللاهوتية الا الكاردينال الايطالي مونيتني الذي أصبح فيما بعد البابا بولس السادس.

ولذلك نشأت بينهما صداقة اسطورية. والواقع أن جان غتيون كان أشهر مفكر كاثوليكي في عصرنا، وقد عاش حتى سن المئة تقريباً وبالتالي فقد شهد معظم أحداث القرن العشرين أن لم يكن كلها. وكانت له صداقات كبيرة في مختلف الأوساط من سياسية وأدبية وأكاديمية. وكان محترماً مهاباً. ثم يردف المؤلف قائلا: كنت دائما اعتقد أن المسيحيين ينقسمون إلى قسمين: قسم مؤمن عن طريق الحب، وقسم آخر مؤمن عن طريق الخوف. وأقصد بذلك الخوف من الحساب والعقاب في الدار الآخرة. وكبار الأدباء المؤمنين بدوا لي مؤمنين بسبب الخوف. وأذكر من بينهم: فرانسوا مورياك، جوليان عزين، غراهام عزين، ويمكن ان أضيف اليهم جان غتيون.

ولكن يا له من خوف مثمر وخصب! فقد دفع بصاحبه إلى تأليف عشرات الكتب والمقالات المهمة. ومن بين كتبه الخمسين يمكن أن أذكر كتابه الذي يحمل العنوان التالي: حوارات مع بولس السادس. وهي حوارات متواصلة بين الرجلين على مدار سبعة وعشرين عاماً. ومعلوم أن البابا بولس السادس كان مثقفاً وذا معرفة واسعة جداً وكان يلجأ إلى اللغة الفرنسية عندما يريد التعبير عن الأشياء المهمة.

كان بولس السادس دبلوماسياً وصوفياً في آن معاً. وكان ذا طبيعة قلقة تحمل على كاهلها كل آلام البشرية وتعتبر انها مسؤولة عنها. وكان ذلك يبدو على وجهه. وبعدئذ ينتقل المؤلف إلى موضوع آخر مختلف تماماً ويقول: ان كلمة ليبرالي أو ليبرالية كانت دائماً كلمة إيجابية تدل على الحرية. ولكن اليسار الفرنسي وبعض الآخرين في شتى أنحاء العالم أصبحوا يستخدمونها بطريقة سلبية. وهذا من أخطر الأشياء. فهو يعني قلباً لمعاني الكلمات أو تحريفاً لها.

فقد أصبحت كلمة «الليبرالية» أو «الليبرالية الجديدة» شتيمة في وقتنا الحاضر. أصبحت مرادفة للرأسمالية والظلم والقهر هذا في حين أنها كانت دائماً تدل على التقدم. وبعدئذ ينتقل المؤلف إلى موضوع أدبي محض وممتع. وهو يخص احتفالنا نحن المعاصرين بكبار الكتّاب والأدباء من أمثال شاتوبريان وفيكتور هيغو وسواهما. فنحن نعتقد أنهم كانوا معززين مكرمين في بلادهم وشعبهم. ولكن الحقيقة غير ذلك في الواقع، فقد تعرضوا في حياتهم للهجوم الشديد، بل والشتم، والاتهام، والاحتقار، ولم يحظوا بالمجد فعلاً إلا في أواخر حياتهم أو بعد مماتهم.

فالكاتب الكبير ستندال هاجم شاتوبريان بعنف قائلاً: «إنه أكبر منافق في تاريخ فرنسا. وأما الشاعر الكبير دوفيني فقد قال عنه: إنه تجسيد للنفاق السياسي والديني والأدبي. إنه يبدو ظاهرياً كعبقري ولكنه في الحقيقة لم يخترع شيئاً». وأما ميريميه فيقول عنه بأنه الأناني الأكبر في القرن كله. فهو مغرور بنفسه ولا يفكر إلا بمصالحه. وأما مترينخ فقال عن شاتوبريان: كان طموحه يصل إلى حد الجنون.. إنه شخص لا يفكر إلا بامتيازاته ومصالحه الشخصية.

وأما عن الشتائم التي تساقطت على فيكتور هيغو في حياته فحدث ولا حرج، فالشاعر لوكونت دوليل استهزأ به قائلاً: ليس لغبائه حدود. إنه أكبر من جبال الهمالايا!

وأما المفكر والوزير غيزو فقد تحدث عن كتاباته الغزيرة، قائلاً: له خصوبة الإجهاض! وأما اميل زولا فقال عنه: الفيلسوف الأكثر غموضاً وتناقضاً في العالم.. إن قراءة كتبه مملة إلى درجة مخيفة.. أكاد أموت من النعاس والضجر عندما أقرأه إني لا أستطيع تحمل غلاظته.

وأما ستندال فقد قال عنه بأنه ينّوم القراء أو يخدرهم، هذا في حين أن غوته وصف أحد كتبه المشهورة بأنه أتفه كتاب في العالم! وحتى كتابه الأشهر «البؤساء» فقد شنوا عليه حملة كبيرة.

وبالتالي فحتى الكتّاب الكبار لم ينجوا من الملاحقة والاحتقار. ثم ينتقل المؤلف بعدئذ إلى التحدث عن موضوع آخر يخص الفرانكوفونية ومدى انتشارها في العالم. ويقول بما معناه: إن فكرة تشكيل منظمة الدول الناطقة بالفرنسية تعود إلى رئيس دولة السنغال ليوبول سيدار سنغور. ومعلوم أنه كان شاعراً كبيراً باللغة الفرنسية، على الرغم من أنه كان مناضلاً ضد الاستعمار الفرنسي في السنغال.

وقد أطلق الفكرة عام 1976 ودعا سبعة وأربعين وزيراً للخارجية للاجتماع في داكار من أجل تأسيس «كومنويلث على الطريقة الفرنسية». ولكن الرئيس فاليري جيسكار ديستان أحبط المشروع في آخر لحظة عندما صرح بأن فرنسا دولة وسطى لا عظمى، وكان في الواقع يخشى إذا ما حصل الاجتماع في العاصمة السنغالية أن تبدو فرنسا كدولة استعمارية من جديد، ولذلك رفض فكرة سنغور.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن لحسن الحظ فإن الرئيس فرانسوا ميتران استعاد فكرة سنغور وطورها. ثم دعا رؤساء الدول أو الحكومات الناطقة بالفرنسية إلى الاجتماع في قصر فرساي بتاريخ 17 فبراير 1986. وقد حضر الاجتماع المهيب وفد من الأكاديمية الفرنسية يضم سنغور وادغار فور وأنا. ثم حصلت قمة الفرانكوفونية في كيبيك بكندا بعد عامين، وقررنا أثناءها تحويل هذه المنظمة إلى مؤسسة رسمية وتعيين سكرتير عام لها.

وفي مؤتمر هانوي أصبح بطرس غالي وزير خارجية مصر الأسابق والأمين العام السابق للأمم المتحدة سكرتيراً عاماً للفرانكوفونية. وهو يتقن الفرنسية تماماً، ومشبع بالثقافة الأوروبية والأدب الفرنسي. وأما مؤتمر بيروت الذي انعقد عام 2002 فقد كان من أنجح المؤتمرات، نقول ذلك خاصة أن عدد الدول الأعضاء ارتفع إلى خمس وخمسين دولة.

ولأول مرة انضمت الجزائر إلى المؤتمر ممثلة برئيسها عبد العزيز بوتفليقة الذي صرح قائلاً: إننا نشارك في هذه القمة بدون أي تحفظ أو حرج، فاللغة الفرنسية تتيح لشبابنا أن يوسعوا آفاقهم وعقولهم عن طريق الاطلاع على المعرفة الحديثة من خلالها. فاللغة الفرنسية حاضرة ومنتشرة في جميع القارات وتحتوي على العلوم كافة، إنها لغة علم وأدب وفكر وفلسفة وفنون.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد كانت هذه أول مرة تجتمع فيها مؤسسة الفرانكوفونية في أرض عربية، ولحسن الحظ فإن الرئيس جاك شيراك يتمتع بشعبية كبيرة في لبنان والعالم العربي. ولذلك نجحت القمة.

وبعدئذ يتحدث المؤلف في نهاية كتابه عن عظمة الجنرال ديغول وقدرته على التنبؤ بما سيحصل في المستقبل. فعشية حرب خمسة يونيو 1967 وصل إلى فرنسا أبا ايبان وزير خارجية إسرائيل لكي يخبره بأن الدولة العبرية سوف تعلن الحرب على جيرانها. وعندما وصل إلى الاليزيه واستقبله ديغول واستمع منه إلى نوايا دولته في هذه الظروف قال له: إني أعرف أن كل ما سأقوله لك لن يغير قرار الحكومة الإسرائيلية.

ولكن اعلموا أنكم إذا ما شنيتم الحرب على العرب فسوف يحصل ما يلي: أولاً ستربحونها وبسرعة شديدة، ربما خلال أسبوع فقط، وثانياً لن تستطيعوا أن تستفيدوا دبلوماسياً أو سياسياً من انتصاركم. وثالثاً فإن عملكم هذا سيؤدي إلى ولادة الأمة الفلسطينية: أي سيؤدي إلى عكس النتيجة المتوخاة منه. ثم يختتم المؤلف كلامه قائلاً: والآن ماذا حصل؟ ألم تتحقق نبوءة ديغول بعد أربعين سنة تقريباً من ذلك التاريخ؟

الكتاب : بكل صراحة

الناشر: الفيغارو 2005

الصفحات :249 صفحة من القطع المتوسط

LE FRANC - PARLER

MAURICE DRUON

LE FIGARO. PARIS

P. 249