مؤلف هذا الكتاب أشهر من نار على علم، إنه المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ وكان قد ولد في مدينة شيكاغو عام 1952 من أصول يابانية أو آسيوية، ثم أصبح موظفاً في وزارة الخارجية الأميركية، وبعد أن نشر كتابه واشتهر، تحول إلى التدريس الجامعي الأكاديمي، وأصبح من أشهر أساتذة الجامعات في الولايات المتحدة.
وهو ذو تكوين فلسفي واقتصادي وباحث في العلوم السياسية أيضاً، ويرى البعض أن الأفكار السياسية لفوكوياما قريبة جداً من تيار المحافظين الجدد. ومعلوم أنه ساهم بفعالية في بلورة المشروع الفكري والسياسي المعروف باسم: مشروع القرن الأميركي الجديد. وهو المشروع الذي صدر عام 1997.
وقد وقع على عريضة سياسية تدعو الرئيس بيل كلينتون إلى قلب نظام صدام حسين، وهذا المشروع الذي نفذه جورج دبليو بوش عام2003، ولكن طريقة تنفيذه لم تعجب فوكوياما، فدعا إلى استقالة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد.
وفي كتابه الجديد هذا عبّر فوكوياما عن قلقه من آخر التطورات التي توصلت إليها العلوم البيولوجية وبخاصة علم الأعصاب والدماغ، وقال إن الصورة البيولوجية ـ التكنولوجية الحالية قد تُطبَّق على الإنسان وتؤدي إلى تغيير طبيعته. وسوف تكون لها انعكاسات خطيرة على النظام السياسي نفسه،
فاللامساواة بين البشر سوف تتزايد، وكذلك التمييز العنصري، والظلم والقهر.يتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء، وكل جزء من عدة فقرات أو فصول، فالجزء الأول يحمل العنوان التالي: الطرق إلى المستقبل. وهنا يتحدث عن علم الدماغ وتركيبته، وعن علم الأعصاب البيولوجية، وعن العقاقير الطبية وتأثيرها علينا وكيفية تحكّمها بسلوك الإنسان.
وعن إطالة عمر الإنسان في المجتمعات الصناعية المتقدمة ثم يطرح هذا التساؤل: لماذا ينبغي أن نقلق أو أن نخاف؟ وأما الجزء الثاني من الكتاب فيحمل العنوان التالي: ما هو الكائن الإنساني؟ وما هي الطبيعة البشرية التي تميز الإنسان عن الحيوان وبقية الكائنات؟ بمعنى آخر: ما هي خصوصية الإنسان؟
وهنا يتحدث المفكر الأميركي مطولاً عن حقوق الإنسان، وعن الطبيعة البشرية، ثم عن الكرامة البشرية، وهو يرى أن هذه الطبيعة وتلك الكرامة أصبحتا مهددتين من قبل الثورة التكنولوجية ـ البيولوجية الحديثة.
أما الجزء الثالث من الكتاب فيحمل العنوان التالي: ما العمل؟ ما الذي ينبغي أن نفعله لكي نتحاشى الخطر؟ وهو يجيب قائلاً: ينبغي أن نقوم بمراقبة سياسية لهذه الثورة البيولوجية التي تريد صنع الإنسان في أنبوب اختبار، أو التي توصلت إلى استنساخ الحيوانات تمهيداً لاستنساخ البشر.
وبالتالي فالعلم لا يحق له أن يفعل ما يشاء بنا، فقد يفعل الصالح وقد يفعل الطالح، وليس كل تقدم أو اختراع علمي هو بالضرورة لصالح الإنسان. هذا وهم ينبغي أن نتحرر منه بعد أن أوصلنا العلم إلى حافة الهاوية عن طريق اختراع الأسلحة الذرية والكيميائية والبيولوجية.
لا ريب في أن العلم أدى إلى تشكيل أعظم حضارة على وجه الأرض طيلة القرون الثلاثة أو الأربعة الماضية، ولكنه الآن أصبح يتجاوز صلاحياته وصوره. لقد أصبح يتلاعب بالصبغات الوراثية للإنسان: أي بجوهر الإنسان وطبيعته الداخلية، وهنا نقول له: قف! هذا خط أحمر. حذار من المساس بالإنسان.. ثم يبلور فوكوياما الخطوط العريضة لسياسة جديدة ومسؤولة من أجل المستقبل، فالقيادة السياسية والأخلاقية للبلاد لا ينبغي أن تدخل في نقاش مع العلماء والباحثين.
في الواقع ان فوكوياما يبدو استفزازياً وطليعياً في هذا الكتاب، كما كان عليه الحال في كتابه السابق: نهاية التاريخ، فهذا الرجل الذي يبدو خجولاً للوهلة الأولى، وذا ابتسامة لطيفة يمارس تأثيراً كبيراً على الأجواء الثقافية في الولايات المتحدة، حيث يعتبرونه نجماً أكثر مما هو فيلسوف.
ولكنه فيلسوف بالمعنى العميق للكلمة.. إنه فيلسوف على طريقة هيغل وتلميذه الفرنسي كوجييف، وهو يستعيد الفكر النقدي الأوروبي من أجل صياغته بطريقة أميركية ثم تصويره بعدئذ لأوروبا وبقية دول العالم! ولكن ليست هذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها فوكوياما استفزازياً. فكلنا يتذكر الضجة الكبيرة التي أحدثها كتابه عن نهاية التاريخ عام 1989. ومعلوم أنه يقول في أطروحته المركزية ما يلي: التاريخ له معنى أو وجهة محددة مرسومة سلفاً: ألا وهي تعميم الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي على جميع شعوب العالم.
وهذا يعني أن العالم سائر بشكل واع أو لا واعي، مباشر أو غير مباشر، نحو هدف محدد بدقة، ألا وهو تحقيق الحرية والديمقراطية والنظام الليبرالي التعددي بصفته أفضل نظام للبشر وآخر نظام، فما بعد الديمقراطية إلا الديمقراطية، وما بعد الحرية إلا الحرية. وبالتالي فالتاريخ سوف يصل إلى نهايته، إلى غايته ومبتغاه بعد تصميم النظام الديمقراطي على كل المجتمعات البشرية الأخرى التي لم تنعم به حتى الآن، والدليل على صحة نظرية فوكوياما هو انهيار الشيوعية وانتصار الليبرالية الديمقراطية عليها. وبالتالي فلم يعد هناك من منافس للنظام الغربي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
وفي كتابه الجديد هذا نلاحظ أن فوكوياما يستخدم الطريقة نفسها في التصعيد والاستفزاز، فبعد إعلانه عن نهاية التاريخ، نجده الآن يعلن عن نهاية الإنسان! وهو يدق ناقوس الخطر والفزع، ويقول بأن الطبيعة الإنسانية أصبحت مهددة. لقد أثبت فوكوياما في هذا الكتاب انه مطلع على النظريات العلمية بشكل دقيق ويعرف عما يتحدث، وبالتالي فهو يتنبأ بطريق المستقبل بناء على قراءاته الواسعة وملاحظاته المحسوسة.
ويرى فوكوياما ان الرهانات المترتبة على علم البيولوجيا وعلم الوراثة بشكل خاص ذات نتائج فلسفية ضخمة، فهي ستؤدي إلى تغيير طبيعة الإنسان كما نعرفها اليوم إذا ما استمرت الأمور على هذا النحو ولم يتدخل أحد لتغيير دفة العلم أو وجهته، فالعلم دون وازع أخلاقي أو ضمير وجداني قد يؤدي إلى الكارثة.
لكن ما الذي يتعهده فوكوياما بنهاية الإنسان؟ إنه يقول بما معناه: الإنسان كما نعرفه حالياً سوف يختفي من الوجود بعد عشرين أو ثلاثين سنة، إذا ما استمرت الأمور على حالها. فعلم الوراثة أصبح يتدخل في طبيعته أو تركيبته الداخلية. وبدلاً منه سوف يظهر إنسان جديد أكثر «سعادة» بفضل العقاقير الطبية التي يبتلعها يومياً والتي تزيد من ثقته بنفسه، أو من قدرته على التركيز، وسوف يكون أكثر ذكاءً وأقل مرضاً، وسوف يعيش عمراً أطول، ولكن المشكلة هي أنه سيكون إنساناً آخر سوف يكون اصطناعياً لا طبيعياً.
ينبغي العلم بأن معدل العمر في الولايات المتحدة انتقل من 48 سنة بالنسبة للرجال إلى 74 سنة بين عامي 1900- 2000. وانتقل من 46 سنة بالنسبة للنساء إلى 79 سنة في الفترة ذاتها. ويرى فوكوياما ان هذه المتغيرات التي حصلت بنقل تقدم العلم كانت ايجابية دون شك. ولكن الخطر يكمن في ان يتجاوز العلم مدده ويتدخل في التركيبة الوراثية للإنسان. وعندئذ سوف يؤدي إلى تغيير طبيعته.
ثم يردف فوكوياما قائلاً: لقد أصبحت الآن على عتبة مرحلة جديدة هي: مرحلة ما بعد الإنسان، او ما بعد إنسانية الإنسان. وربما توصلنا إلى مرحلة الإنسان الاصطناعي الذي تتحكم بالعقاقير الطبية أو التلاعبات الوراثية . ولكن كيف يمكن أن نتحاشى كل هذه المخاطر؟ عن طريق تنظيم الاستخدامات الشرعية أو غير الشرعية للعلم فمن الواضح ان هناك استخداماً شرعياً وايجابياً للعلم.
وهو الذي أدى إلى تشكيل الحضارة الحديثة بكل تسهيلاتها ومتعها وتخفيف العناء عن البشر. وهذا الاستخدام يؤدي إلى سعادة، الإنسان وخيره. ولكن هناك استخدام آخر للعلم استخدام خطر وغير مسؤول. وقد يؤدي إلى دمار الإنسان في نهاية المطاف.
ونلاحظ ان فوكوياما يتذبذب باستمرار بين قطب التشاؤم وقطب التفاؤل فيما يخص مستقبل الإنسان. فهو من جهة يقول بان البشرية قادرة على التحكم بعلم البيولوجيا العصبية، وهو من جهة أخرى يقول باستحالة هذا التحكم! فإذا استطعنا ان نتحكم بمسيرة العلم فإننا سنتحاشى بالطبع الكارثة المتوقعة وإذا لم نستطع فسوف نسير نحو مصير مجهول لا يعلم إلا الله شكله ونوعيته. والواقع ان نتائج علم البيولوجيا العصبية سوف تنعكس على النظام الاجتماعي والسياسي وليس فقط على طبيعة الإنسان وخلاياه ومورثاته الدماغية والعصبية فسوف تودي إلى عالم أقل مساواة وعدلاً.
ولهذا السبب فينبغي ان نفعل كل شيء من أجل التحكم بالعلم ومنعه من التدخل في أشياء مقدسة كالطبيعة البشرية والصبغيات الوراثية (أي الجينوم أو القانون الوراثي للإنسان) وبالتالي فحذار من المسّ بكرامة الإنسان. واذا لم نستطع ان نفعل ذلك فإن الحكمة الطبيعية للإنسان سوف تتدخل في آخر لحظة لحظة وتمنع الكارثة من الحصول.
وبالتالي فالكتاب ليس كله تشاؤماً. على العكس انه ينتهي بلهجة متفائلة على الرغم من كل شيء فهناك حكمة عملية لدى الإنسان. وهي تتحرك في آخر لكي تمنع وقوع الكارثة. وفي رأيه ان الجنس البشري سينتصر في نهاية المطاف لأنه كان دائماً ينتصر ويتجاوز الكوارث الطبيعية التي تعرض لها على مدار التاريخ. فالإنسان قادر على التأقلم وعلى تجاوز المحن والصعاب.
وهنا تبدو نزعة فوكوياما الهيغلية (نسبة إلى هيغل) أي التفاؤلية بمسار التاريخ ووجهته على الرغم من كل المحن والصعاب والأزمات، والواقع ان كتاب فوكوياما يطرح مشكلة الطبيعة والثقافة، أو الطبيعة البدائية والحضارة. فهل كل شيء يعتمد على الطبيعة يا ترى؟ أم ان الثقافة والحضارة تلعب دورها وينتج عن ذلك ان مصير الإنسان ليس مرتبطاً فقط بما سيطرأ على طبيعته البيولوجية، وإنما أيضاً بشكل خاص بما سيطرأ على تفكيره وثقافته من تطورات. وبالتالي فالثقافة تتحكم بالطبيعة مثلما ان الطبيعة تتحكم بالثقافة وبتركيبة الإنسان ككل.
الكتاب: مستقبلنا ما بعد البشري انعكاسات الثورة البيولوجية ـ التكنولوجية على الإنسان
الناشر: بروفايل ـ بوكس نيويورك 2004
الصفحات: 256 صفحة من القطع المتوسط
Our posthuman future
Cons equences of the
Biotechnolo Gy revolution
Francis fukuyama Profile Books New york2004
P.256
