برونو تيرتريه، مؤلف هذا الكتاب، هو أخصائي بالمسائل المتعلقة بانتشار الأسلحة النووية في العالم.. ويعمل في إطار «مؤسسة الابحاث الاستراتيجية» بباريس. سبق له وقدم عدة دراسات في ميدان الاستراتيجيات، والعلاقات الدولية، من كتبه «الحرب بلا نهاية: أميركا في الورطة» و«السلاح النووي بعد الحرب الباردة».

«أربع سنوات من أجل تغيير العالم». هي بالتحديد السنوات الأربع للفترة الرئاسية الثانية لإدارة جورج دبليو بوش، أي سنوات 2005 ـ 2008. ويتألف الكتاب من خمسة فصول يناقش المؤلف في كل منها آليات عمل الإدارة الأميركية الحالية في الموضوع الذي يتم التعرض له..

هذه الفصول تحمل العناوين التالية: «معنى الانتصار» و«تجديد اليمين الأميركي» و«واشنطن جورج دبليو بوش» و«ورشات الفترة الرئاسية الثانية» و«أوروبا في مواجهة التحدي الأميركي». الفكرة الأساسية التي تتردد في تحليلات هذا الكتاب تتمثل في القول بأن «الثورة المحافظة سوف تندرج من الآن فصاعداً في اطار التأكيد على الاستمرارية، أي بمعنى انه لا ينبغي انتظار منعطف استراتيجي كبير في التوجه الأميركي العام»..

وكذلك عدم انتظار التخلي عن أي هدف استراتيجي من تلك التي حددها المحافظون الجدد لانفسهم قبل انتخاب جورج دبليو بوش للمرّة الأولى عام 2000 وحيث كان مرشحهم بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.بالمقابل يتمتع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في ولايته الثانية بموقع اقوى من الفترة الأولى، فضلاً عن أنه لم يعد محكوماً بمفهوم الاستحقاق الانتخابي الرئاسي المقبل .

حيث ان دستور الولايات المتحدة الأميركية لا يسمح له بأن يكون رئيساً للبلاد إلا لفترة ادارتين متتاليتين، فإنه قد فاز في المرّة الثانية بفارق واضح بالقياس إلى منافسه الديمقراطي جون كيري، كما أن الجمهوريين يسيطرون على الأغلبية في مجلس الكونغرس الأميركي.. وفي المحصلة يمتلك الرئيس الأميركي اليوم كل الادوات «من أجل أن يترك بصماته بصورة عميقة على دخول الولايات المتحدة الأميركية في القرن الحادي والعشرين وفي أن يتابع مسيرته في تنفيذ خططه في ميدان السياسة الخارجية».

وفي معرض تحليل المؤلف لنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة يؤكد المؤلف على وجود شرخ حقيقي داخل المجتمع الأميركي بين مفهومين ورؤيتين.. بل يصل به الحد إلى القول بين «أمتين» .. الأولى تتشكل من أميركا الأرياف والمدن الصغيرة وضواحي المدن الكبرى خاصة في الجنوب..

وأميركا هذه تبدي موالاتها الواضحة والقوية للجمهوريين، وهي التي دعمت انتخابات جورج دبليو بوش عام 2000 وعام 2004 والثانية التي تتواجد مكوناتها في المدن الكبرى، وفي مقدمتها مدينة نيويورك، وأميركا هذه هي ذات توجه ديمقراطي وحيث أظهرت نتائج الاستفتاءين الرئاسيين الأخيرين تقدم المرشحين الديمقراطيين فيها.

من الملفت للانتباه أن مؤلف هذا الكتاب يستخدم للتعبير عن التعارض بين هاتين «الأمتين» الأميركيتين، وذلك المفهوم الذي استخدمه المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون وتعبيره المعروف عن «تصادم الحضارات»..أما هذا التصادم فقد ظهر بوضوح حسب رأيه أثناء الحملة الرئاسية الأخيرة، حيث تصرف أنصار المعسكرين الجمهوري والديمقراطي وكأن «المعركة الانتخابية هي بين «عدوين» وليس «خصمين».

وإذا كان الكثيرون قد تحدثوا، ورددت الصحافة بكل أنواعها المكتوبة والمسموعة والمرئية تحليلاتهم، بأن الولايات المتحدة في ظل جورج دبليو بوش تخضع لهيمنة المحافظين الجدد على جميع مفاتيح القرار فيها، وبأن الرئيس نفسه ليس مجرد «أسير» بيدهم وأنه لا يفعل سوى تنفيذ مخططاتهم، فإن مؤلف هذا الكتاب لا ينفي الدور القوي والمركزي الذي يلعبه هؤلاء في آليات السلطة الأميركية الحالية، إلا أنه يؤكد بأنهم ليسوا وحدهم الذين يتفردون بالسلطة،

وإنما هناك توليفة مثلثة الأطراف تتألف من المحافظين الجدد بالطبع، ولكن أيضاً من الإنجيليين، أي أنصار النزعة الدينية المحافظة الذين يريدون إعادة الثقافة وأشكال السلوك الأميركية وإلى صفائها» الأصلي وينشرون قيمهم، ليس في أميركا وحدها، وإنما على صعيد العالم إذا أمكن ذلك..

وبهذا المعنى أشار جورج دبليو بوش مرات عدة إلى تمسكه القوي بالتعاليم الكنسية وبأنه يؤدي جميع الطقوس الدينية المفروضة، بل وإنه مكلّف بـ «مهمة» كرسته لها العناية الإلهية.. أما المكون الثالث في هذه التوليفة التي تحكم أميركا اليوم فإنه يتمثل في القوميين الأميركيين المتشددين، وهؤلاء يمتلكون بعض صفات المكونين الأخيرين ولكنهم يرددون مقولة ضرورة الحفاظ على أميركا بالصيغة التي أقامها عليها الآباء المؤسسون، ويرون بأنه لابد من الحد من الهجرة ووفود الغرباء الذين يهددون زهوية البلاد.

ويرى المؤلف بأن الرجال الذين يحيطون بالرئيس جورج دبليو بوش وشبكات النفوذ التي يعتمد عليها في مختلف القطاعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ومراكز الدعم التي يعتمد عليها، والتي يتواجد أهمها في القطاع البترولي الذي له باع طويل ورثه أباً عن جد، إنما هي أمور تترجم، ثلاثتها، التوازن القائم بين مكونات السلطة الثلاثة وتوجهاتها الفكرية والأيديولوجية.

ومن خلال محاولة فك رموز «ألعاب السلطة» داخل الإدارة الأميركية الحالية يقوم المؤلف بمحاولة استقراء ما ستكون عليه السنوات الأربع المقبلة في توجهات «البيت الأبيض» الأميركي، وبالاعتماد على توازنات السلطة داخل الإدارة الأميركية ومحاولة «قراءة» توجهاتها المستقبلية خلال السنوات الأربع المقبلة، وتحديداً حتى الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2008.

يرى المؤلف بأن هذه السنوات لن تعرف أي تطور راديكالي على صعيد الإصلاحات الداخلية في شتى الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية، هذا مع الاشارة إلى أن الملف الثقافي، وخاصة في بعده اللغوي، يأخذ أهمية متعاظمة في أميركا اليوم لا سيما فيما يتعلق بالتزايد الكبير في أعداد «الأميركيين» الذين يتحدثون اللغة الاسبانية والقادمين خاصة من المكسيك.

كذلك لن يكون هناك تطور راديكالي، حسب رأي المؤلف دائماً، فيما يتعلق بالعديد من ملفات السياسة الخارجية الأميركية، وفي مقدمتها الحرب ضد الإرهاب حيث جعلت منها الإدارة الحالية «شعارها» الذي ذهبت باسمه إلى حربها في أفغانستان ثم في العراق، وحيث إنها قد وصلت فيما يتعلق بهذا الأخير، أي العراق، إلى وضع لا تستطيع «التقدم» فيه ولكنها لا تستطيع «التراجع» أيضاً، وبنفس موقف الثبات والمراوحة في المكان يبدو أن الإدارة الحالية مرشحة للتأكيد على منهجها فيه، وذلك فيما يخص الموقف من المنافسين الاستراتيجيين، وبالتحديد الصين والهند وروسيا..

ولا شك بأن الصين هي التي «تركز» واشنطن نظرها عليها في أفق العقود المقبلة. الفصل الأخير من الكتاب يتعلق بأوروبا في مواجهة التحدي الأميركي. ويشير المؤلف إلى أن إعادة انتخاب الرئيس جورج دبليو بوش لفترة رئاسية ثانية قد بدت للكثير من الأوروبيين بمثابة «ضربة إضافية» للعلاقات الأميركية ـ الأوروبية والتي كانت قد شهدت توتراً كبيراً، خاصة بين فرنسا وألمانيا من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية، أثناء «المسألة العراقية».

ولقد تمحورت حول هذه المسألة «رؤيتان» للعالم، رؤية أوروبية (ألمانية ـ فرنسية) ذات وجه محافظ فيما يتعلق بالتطبيق الحاسم للقانون الدولي بما في ذلك الحفاظ على الأنظمة الاستبدادية اعتماداً على احترام حق سيادة الدول، ورؤية أميركية تؤكد على ضرورة نشر الديمقراطية في العالم، ولو بالقوة، والقيام بـ «حروب وقائية» ولو أدى ذلك إلى خلخلة التوازنات الإقليمية والدولية الهشة مع ما يترتب على هذا من نتائج غير محسوبة.

هذا يعني أن الخلافات عميقة بين الولايات المتحدة وأوروبا.. هذا ما يؤكده المؤلف، لكنه يؤكد أيضاً على «صلابة» التحالف عبر الأطلسي.. وسوف ينتصر «حسن الواقع» في العلاقة بينهما.. وذلك شريطة أن يعرف الحليفان كيف «يسكتان» أحياناً أيديولوجياتهما». وذلك على خلفية الحاجة المتبادلة. فالحليف الجيد لا يتمثل في فعل ما يريد وإنما يريد ما يتوجب فعله».

الكتاب: أربع سنوات من أجل تغيير العالم أميركا بوش 2005- 2008

الناشر: أوثرومون ـ باريس 2005

الصفحات: 104 صفحات من القطع المتوسط

Quatre ans pour changer le monde

L'Amerique de Bush2005-2008

Bruno Tertrais

Autrement - Paris 2005

P.104