مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور وفيق رؤوف، أكاديمي وباحث في قضايا الفكر القومي العربي المعاصر، والمقيم في باريس. له عدد من الدراسات والأبحاث باللغة الفرنسية، منها: «نظرة جديدة حول القومية» و «أوروبا في منظور الإسلام: تصور متضارب».

ويتقاطع انشغال وفيق رؤوف في هذا الكتاب مع انشغالات بعض الكتاب والمفكرين العرب، في أيامنا هذه، التي تصب في سياق البحث عن كيفية استعادة الفكر القومي العربي لعافية الصدقية التي تصدعت تحت وطأة الضربات العنيفة التي تلقاها منذ نشأته إلى يومنا هذا، ونقله من واقع التردي إلى مستقبل التحدي.

ويتطلب هذا الأمر القيام بمراجعة نقدية جريئة لأسس وأطروحات الفكر القومي، تبيّن النواقص والعيوب التي رافقت نشأته وتكوينه، ثم تبلوره وتعثره، وتحاول اختراق المآزق التي حلّت بأطروحات العروبة وأفكار ومشاريع الوحدة العربية والقومية العربية، ثم تحديد الآفاق الممكنة لهذا الفكر تحت ضغوط متغيرات الأمر الواقع ومستجداته.

وفي هذا الكتاب يعلن وفيق رؤوف عن تصديه لهذه المهمة، والذهاب بها بعيداً من خلال الرد على التلكؤ القومي، وتوسيع أحجام هذه الآفاق، مفضلاً الانحياز إلى الاقتدار على الكل - الإجمالي لمعضلة الفكر القومي على حساب الاقتصار على الجزء الإشكالي منها.

لكن توسيع الآفاق يقوده إلى البحث في معضلة الفكر القومي العربي من خلال الإحاطة بجذور الإشكالية البعيدة جداً، بدءاً من فضاء الأدب العربي، والشعر الجاهلي كنقطة انطلاق، تسليماً منه بأن لا ثقافة من دون بنى أدبية، وأن مسار تبلور النص تمّ وفق خط تراتبي مستقيم: الشعر ـ النثر ـ الفكر.

حيث نشأت التجاذبات من الانعطافة الفكرية نحو المنبع بترابط العقلانية بالعقل، ونشأت مفارقات التحول التي عرفها المجتمع العربي، «من الجاهلي المتسيب إلى الإسلامي المنضبط إلى الإسلامي المنسرح». غير أن إشكاليات النهوض العربي وفق منطلقات الفكر القومي تستحيل إلى البحث في إشكاليات العقل العربي وإدراكاته المختلفة،

بدءاً بإشكالية الذاكرة، وإشكالية التفاعل وإشكالية التحول وإشكالية المحظور وإشكالية الاستدراك، فيما تتصل الإدراكات بمراجعة الانقطاع ومراجعة الإفاقة ومراجعة العلمنة مراجعة الاستقلال ومراجعة الاضطراب. وكأن العقل العربي مكوّن يمكن أن نلقي عليه ما طاب لنا من الإسقاطات والمشكلات والثوابت.

هكذا فإن العقل العربي هو الهدف السهل لمعظم الدراسات المنحازة إلى الاستغراق في التأمل النظري، والتي تبتعد عن تلمّس الواقع العربي المنهار، وعن تسمية المسميات باسمها كما هي، لذلك تحضر الإشكاليات في إطارها الميتافيزيقي الذي يضع دوماً الآخر في تقابل أبدي مع الأنا في استعادة تكرارية لمعضلات العقل والفكر.

ولاشك في أن استعادة كهذه لن توفر أي مخرج من أزمات ومآزق الاختبارات المحنوية المكرورة التي تضع الأمة بصخرة الطاحون الدائرية التي لا تمل من الدورن حول نفسها.

وفي سياق مناقشته لإشكاليات النهوض العربي تبرز لدى المؤلف فكرة أن هموم ومعاناة الشعوب مع رعاتها لم تبدأ كي تعرف نهايتها طوال ما يزيد على قرن من الدهر. فالنخبتان اللتان التقتا «السياسية» و«الثقافية» في تواطؤ علني أو ضمني، مثلما افترقتا في اختلاف شكلي أو فعلي، عجزتا عن توفير الإجابات المناسبة عن أسئلة الواقع المطروح.

ويعتبر المؤلف أن التشكيك في مقومات المشروع النهضوي كعملية إحياء، كان دافعاً على دراسته لإشكاليات النهوض العربي وخاصة فيما يتعلق بجل نتائج حقبة تسعينيات القرن العشرين المنصرم. ويتهجم على تيار التحديث والتنوير بادعائه باستحالة إعادة المصداقية لهذا التيار،

وذلك نظراً لاستهلاك خطابات لصالح خطابات ضرورة تجاوز التقليد بالتجديد. وعليه يرى أن الأوان قد حان لأن تكون الكلمة لجرأة الوقوف المباشر أمام الأمة المبتلاة بطلائعها القيادية، ومصارحتها بأن أجوبة القرن العشرين (النخبوية) كانت إعادة صياغة لأسئلة القرن التاسع عشر (النهضوية). والدليل على عدم الخروج بعد من أجواء ذلك القرن يأتي محمولاً على أمرين، أولهما هو اجترار القرن اللاحق لمحاولات ومداولات القرن السابق،

رغم محاولات التميز بتلوينات نقدية، سطحية، وغير عميقة. وثانيهما يتجسد في القابلية الغريبة للتعلق بالفشل المستمر، وعدم القدرة على تخطيه نحو نجاح متواضع.

ويعلن المؤلف أن أحدث ما توصلت إليه الانتلجنسيا العربية قائم على التهافت الديمقراطي عبر منشور البيان التقريري والتبيين التنظيري، وكأن أقطار العرب لم تشهد ما يقارب هذه التجارب حتى أواخر أيام الخديوي في مصر والهاشمية في العراق والقوتلية في الشام، دون الكلام عن النموذج القائم في كنف العلوية السائدة بالمغرب الأقصى، والتي مازالت قائمة في المغرب الأقصى.

ووفق رؤية المؤلف فإن المنشور الديمقراطي لا تتجاوز حدوده التنفيس «الشفهي» عن الاحتقانات المتراكمة ورفع «نبرة» التحدي للتخفيف من حدة الاستبداد، تلويحاً بورقة الخيار المحال، واستدراجه إلى حلبة الابتزاز على أمل تقديم الحد الأدنى من التنازلات كالتخفيف من شدة القبضة الخانقة للأعناق.

وإلا فهل تكون الفئة المثقفة من السذاجة بحيث لا تدرك أن الليبرالية أو الديمقراطية عبارة عن ثقافة، لا بل منظومة ثقافية متكاملة ليس الوجه التشريعي لها سوى التتويج التعبيري الدال على آلية هذه المنظومة؟ ويتساءل المؤلف عن المعمار القانوني لدولة المؤسسات، القادر على الاضطلاع بمثل هذه المسؤولية الخطرة، في الوقت الذي لا تكف عن رجم ورشق السلطانيات المتسلطة لكل نعوت الفساد، من فساد التأسيس للتقسيم الاستعماري إلى فساد التسييس للتنويم الاستئثاري؟

إن من المؤسف أن ينصب جهد المؤلف في سياق الاعتراض على الديمقراطية في البلدان العربية في وقت تشكو فيه البلدان العربية، بشكل عام، من غياب الديمقراطية، رغم حاجتها الماسة إليها للخروج من حالات القمع والتسلط، وفي وقت تطالب غالبية الفئات والمجموعات الوطنية بالحل الديمقراطي الذي يضع البلاد على سكة الخلاص من حالات الانهيار والتردي.

وبالرغم من كل ذلك، فإن المؤلف يعتقد بأنه عندما لا يكون عند المثقف ما يقوله إبداعاً إحيائياً، بل يصر على التلويح بيده من النعش المتنقل لإثبات أنه لا يزال حياً، خشية أن يطوي النسيان والإهمال شهرته، الحقيقية أو المصطنعة، فإن الجمهور يصاب بالملل المميت من تكرار الاجترار لخطاب المسرح المنهار.

غير أن أية محاولة لتحديد إشكاليات النهوض العربي عليها تحليل ومساءلة أحوال البلدان العربية الحاضرة بروح نقدية، بعيداً عن التأثيرات الفكرية الإيديولوجية، قديمها وجديدها، وذلك كي تقدم فعالية نقدية يمكنها تحديد تلك الإشكاليات كما هي، وليس تقديم متصوراً عنها، كي لا تغيب رؤية الحاضر على حساب حضور رؤية الماضي، لأن الحاضر هو المنطلق والهدف.

منه نستمد المكان الذي يقف عنده التفكير العربي من إدراك البعد المناسب لمواجة «الأنا» والملتبس بتأنيب الذات، بعيداً عن نبرات الاتهامية والمكايدة، تلك التي طبعت الخطاب القومي العربي المرتفع النبرة منذ خمسينات القرن الماضي. ذلك الخطاب الباحث عن الأعذار في الإشكاليات النظرية، المجردة والقابلة للتعميم والتعمية، والمطمئن للنظام السياسي السائد. لهذا لم يبق غير الركود والفوات اللذين يتخللهما، حديث هنا أو هناك عن الماضي، وعن الموجعات والأمراض والخطايا والعورات والأمية والفقر.

وينشأ عن الخوض في البحث الدائري عن الإشكاليات استرجاع الاستعارات التي عادت بالوبال والإحباط على المحيط العربي، حيث يتم إرجاع فشلها إلى «اختلاف تربة المنشأ عن تربة الملجأ»، وإلى عدم إدراك أن «المستعار من أدوات الاستعارة»، فتغدو الإشكالية منحصرة في «التهافت على مفاهيم الثورة (الفتنة سابقاً)»،

وفي «اقتناع الظامئ برذاذ الثورة الفرنسية، في أرض الجفاف الإيديولوجي والتنويري، والتهافت على القومية (العصبية سابقاً) بارتضاء الحالم بتجربة الوحدة الألمانية، في بيئة التجزئات الجغرافية - الدويلاتية الشاسعة، والتهافت على العلمانية (الحرام الدنيوي سابقاً ولاحقاً)».

وتسم الماضوية منطلق هذا الخوض، حيث ترجع مفاهيم الثورة إلى الفتنة، والقومية إلى العصبية، والعلمانية إلى الحرام الدنيوي، والديمقراطية إلى الشورى، وكأن مثل هذه المفاهيم لم تنشأ في العصر الحديث، بل انتقلت من الماضي إلى الحاضر، عبر انتقال يكشف عن عقلية لا ترى في الحاضر سوى استمرار الماضي وحضوره، فكيف لعقلية كهذه أن تحدد معضلات الفكر القومي؟

عقلية ترى أن أحدث ما توصلت إليه الانتلجنسيا العربية قائم على «التهافت الديمقراطي»، وتعتبر أن المنشور الديمقراطي لا تتجاوز حدوده التنفيس الشفهي عن الاحتقانات المتراكمة، ولا ترى غير الوجه الآخر للإشكالية الذي طرحه «الجابري بنباهة متقنة بالكشف عن تداعيات التحالف - التواطؤ، منذ العصر الأموي، وما بعده، بين عرب المعارضة للحكم والموالي».

إنه الزمن العربي المخاتل، أو زمن اللا شيء، حيث يستمر الماضي في الحاضر وفي المستقبل، ولا يستقيم فيه الحاضر، كي ينتفي الخوف مما يخبئه المستقبل. ونحن نعيش في عالم يُعاش حولنا، ويدفعنا إلى التساؤل عن مصيرنا، ولا نجد سوى اللا شيء. ونتهرّب من تسمية الأسباب التي أدت إلى شيوع الاستبداد والفساد الداخلي،

وجعلت العقل يتراجع أمام سطوة الرغبة التي أخضعته لمختلف التأويلات الجامدة للنصوص، الأمر الذي نتج عنه جمود الفكر وتوقف التطور الحضاري، وغلبة الرؤية الماضوية للعالم، التي صارت تتحكم بأفق المستقبل العربي، وأرخت العنان لفكر التطرف والقتل، حتى صار الإرهاب عنواناً صريحاً لدعوات التغيير والمواجهة، داخلياً وخارجياً.

عمر كوش

الكتاب: إشكاليات النهوض العربي: من التردي إلى التحدي

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2005

الصفحات: 324 صفحة من القطع الكبير