في هذا الكتاب يستعرض المفكر المصري الدكتور أنور عبد الملك اكتشاف مسألة الحضارات ودور العالم الثالث والشرق في صياغتها والجبهة الوطنية المتحدة بوصفها استراتيجية تاريخية للمساهمة في الحضارة ودور ذلك التوجه الحضاري في صياغة عالم جديد.
وللمفكر أنور عبد الملك الكثير من المؤلفات المهمة أبرزها دراسات في الثقافة الوطنية والجيش والحركة الوطنية والمجتمع المصري والجيش والفكر العربي في معركة النهضة ومدخل إلى الفلسفة ونهضة مصر وريح الشرق وتغيير العالم والقومية والاشتراكية.. إلخ.
ويشير المؤلف في مقدمة الكتاب إلى أن مرحلة تغيير العالم بدأت لأول مرة منذ قيام النظام العالمي حول مركز الغرب في القرن السادس عشر وتمثل التغيير في تحديد حيز الحضارة الشامخة بانتصار فيتنام وعبور مصر أكتوبر، كما أن رسالة صحوة شعوب الشرق المعلنة في مؤتمر باندونغ 1995 بدأت تقتحم طريقها إلى النور.
ثم جاء زلزال دائرة الغرب المركزية بتفكيك الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية الأوروبية وبالتالي نظام القطبية الثنائية الغربية منذ يالطا 1945 والكتلة الاشتراكية الأوروبية 1951 -1989، ثم العدوان ضد مدينتي نيويورك وواشنطن الأميركيتين 2001 بدأ الإعلان عن رؤى ومخططات.
مستقبلية التفت العالم إلى دعوة هنتجتون لـ «صدام الحضارات» ضد الصين والعالم الإسلامي عام 1993، عشرون عاما بعد عبور أكتوبر، تمهيدا لإعلان الحرب العالمية بدءا من العراق بعد أفغانستان لتثبيت هيمنة الغرب حول قطبه الأوحد مرحليا، وإجهاض مستقبل عالم جديد تتعايش فيه الأقطاب والمراكز والثقافات المتعددة في تعاون وسلام.
ويطرح المؤلف سؤالاً: كيف كان المدخل إلى مفهوم «الاستراتيجية الحضارية» هل يمكن اللحاق بمجموعة المراكز التي أفادت من ثمار نحو ستة قرون من فائض القيمة التاريخي ـ أم أن هناك بدائل، أي أنماط مختلفة من المستقبلات الممكنة تحقق جوهر خصوصات المراكز الأهم ويجيب:
تمثلت الخطوة الأولى في مفهوم «المشروع» أي السعي لإدراك العوامل الفاعلة التي تشكل مختلف الظواهر والمؤسسات المجتمعية والسياسية وقد اتخذت فكرة المشروع أشكالا ثلاثة على التوالي:
1ـ المشروع الاجتماعي الذي يعبر عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
2ـ الجبهة الوطنية التي تجمع جميع القوى الرافضة للاحتلال والهيمنة والتبعية
3ـ دائرة الشعوب والمجتمعات المستعمرة.
وفي فصل بعنوان «العرب والشرق مسألة المشروع الحضاري» يقول عبدالملك: التساؤل عن مستقبل العالم العربي سواء أكانت الإشارة إليه بمصطلحات «الأمة»، «الوطن» «القومية» أو بالمصطلح الأعم «العرب» مرهون بالإجابة على تساؤلين، وهي الإجابة التي تتحكم في كل تحرك فاعل في دائرتنا الحضارية:
1ـ مدى إدراك مختلف مكونات العالم العربي بأن عملية طرح فكرة صياغة المشروع العام ـ مرهونة بتجمع العناصر التكوينية الموضوعية الضرورية، حول مركز صياغة القرار المستقبلي السيادي، وتمكينه من معاني الفعالية اللازمة في مرحلة تصاعد التهديدات والصراعات الدولية والإقليمية وهو الإدراك الذي لابد أن يوجد عند مختلف العناصر الفاعلة : الدول والشعوب والحركات السياسية والمدارس الفكرية رجال الفكر ورجال السلاح، وفي الأعماق: روافد التراث الحي وقوى التطلع إلى الحداثة والمستقبل.
2ـ مدى إدراك مختلف الوحدات التكوينية للعالم العربي، وبخاصة النخب الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية بأن العالم يتكون من شيء مغاير تماما للصورة التقليدية التي أورثنا إياها عصر الاستعمار والامبريالية والهيمنة، أي صورة دائرة دول ومجتمعات الحضارة الغربية حول مركزها الأوروبي، ثم الأورو ـ أميركي حالياً، المتحكم والمسيطر والمستغل لدائرة من الدول المستعمرة التابعة والموالية من ناحية أخرى ـ ومنها العالم العربي، منذ القرن السادس عشر أو، في كلمة : إن مقتضى الأمر إنما هو في إدراك أن العالم في مطلع القرن الواحد والعشرين الميلادي.
إنه من الضروري، أن يدرك العالم العربي أن هناك دوائر مغايرة استطاعت أن تحتفظ بمعاني الاستمرارية وبالتالي الفعالية بشكل لما شهدته الدائرة المركزية لهيمنة الحضارة الغربية، وبخاصة بين القرن السادس عشر والقرن العشرين.
الكتاب: من اجل استراتيجية حضارية
الناشر: مكتبة الشروق الدولية القاهرة 2005
الصفحات: 282 صفحة من القطع الكبير