وصفت الكاتبة الروائية البريطانية جورج إيليوت واسمها الحقيقي ماري آن إيفانز من قبل الأديب الشهير هنري جيمس الذي درس أعمالها بدقة، «ما هو استثنائي ومميز ـ في أسلوبها الغامض ـ أن هذه الإنسانة الهادئة، القلقة، الساكنة، الجادة، السيدة البريطانية المرفوضة من مجتمعها، التي تخلو روحها من الغريزة الحيوانية وحياتها من المغامرة والأشياء غير العادية والبطولة،

جعلتنا نعتقد بأنه لا شيء في هذا العالم غير مألوف بالنسبة لها، وقدمت صوراً عميقة غنية لحياة الإنسان المعقدة». ولدت ماري آن في 22 نوفمبر عام 1819 في مزرعة الجنوب في أربوري. وفي عام 1824 أرسلت أسوة بإخوتها الأربع إلى مدرسة داخلية. وفي مرحلة الثانوية تميزت بمهارتها في الكتابة وحبها للمطالعة. وحينما توفيت والدتها في فبراير عام 1839، عادت إلى منزل العائلة لتستلم إدارته وكانت قد بلغت التاسعة عشرة من عمرها. وعلى الرغم من كونها أصغر إخوتها إلا أنها كانت الصديقة المقربة لوالدها، الذي كان يفخر بها، وساعدها على متابعة تعليمها في البيت حيث اتفق مع عدد من المدرسين المختصين باللغة الإيطالية والألمانية.

وعندما انتقلت مع والدها للاستقرار في مدينة فولشيل، تعرفت على مجموعة جديدة من الأصدقاء من ذوي التفكير الحر. وفي عام 1844 بدأت بترجمة كتاب «في نقد حياة المسيح» للمؤلف الألماني دافيد فريديريك ستراوس، الذي انتهت منه بعد مضي عامين.

وعلى الرغم من إغفال اسمها عند نشر الكتاب، إلا أنها اكتسبت شهرة متواضعة في محيط لندن. وبعد وفاة والدها عام 1849، ذهبت في جولة سياحية لتستعيد عافيتها وبقيت وحدها في جنيف حتى نهاية العام، وحينما عادت قررت الاستقرار في لندن. وهناك التقت بالناشر جون شابمان الذي طلب منها كتابة مقال لمجلة ويستمينيستر لعروض الكتب. وعلى أثر إعجابه بمقالها انتقلت للعيش في بيت عائلته.

وفي عام 1851 التقت بجورج هنري لويس، الذي تميز بشخصية مرحة ومنفتحة. وسرعان ما تطورت الصداقة فيما بينهما إلى علاقة حب وثيقة، دفعتها إلى الانتقال للعيش معه من دون عقد زواج وذلك بسبب عدم تمكنه من الحصول على الطلاق من زوجته التي انفصل عنها قبل ثماني سنوات، ونشرت خلال تلك الفترة ترجمتها لكتاب ثان في ذات الموضوع للكاتب فيورباخ.

وعلى الرغم من نبذها من قبل المجتمع إلا أن ماري آن كانت سعيدة في حياتها، وبدأت خلال تلك الفترة بكتابة القصص الخيالية التي ما إن أدرك لويس من خلالها موهبتها حتى شجعها على كتابة الروايات. كانت تنشر قصصها باسم جورج إليوت وعندما صدرت روايتها «آدم بيدي» وحازت على نجاح كبير، ادعى عدد كبير من الأدباء تأليفها، مما دفع ماري آن إلى الإعلان عن هويتها على الرغم من تخوفها من تدني مبيعاتها بسبب علاقتها غير الشرعية مع جورج لويس.

وبعد نجاح روايتها التالية «سيلاس مارنر» التي حققت نجاحاً واسعاً لدى نشرها في عام 1861، توجهت إلى روما للإعداد لروايتها التاريخية «رامولا» والتي تدور أحداثها في فلورنسا في القرن الخامس عشر. وفي عام 1869 بدأت بكتابة عملها الروائي الذي يعد من الأعمال الكلاسيكية «ميدلمارش»، وتوج عملها هذا بنجاح آخر لدى نشر آخر رواية لها «دانيل ديروندا» في عام 1874.

بعد وفاة جورج لويس في عام 1879 كرست نفسها لاكمال كتابه «مشاكل الحياة والعقل» وتأسيس منحة للطلاب باسمه، وبعد مضي عام تزوجت من مدير البنك الذي كان يشرف على أمورهما المالية وهو جون كروس وكان يصغرها بعشرين عاماً وذلك بعد إلحاح طويل من قبله. وبعد مضي عام على زواجهما توفيت ماري آن في نهاية عام 1880. وتتناول روايتها «ميدلمارش» التي نشرت في البداية على حلقات من عام 1871 إلى 1872 في ثمانية أجزاء وبفارق شهرين بين كل جزء وآخر.

وتعتبر المؤلفة هذه الرواية التي تدور أحداثها في ضاحية شبه منعزلة تدعى ميدلمارش، بمثابة دراسة لحياة مقاطعة والصراع المدمر ليس بين الأفراد، بل بين الطريقة التي يرى الأفراد من خلالها العالم ( بما فيه من قيم حقيقية، وحقائق وعلاقات)، وواقع هذا العالم. ففشل الإنسان ليس بتغلب غريمه عليه، بل الإصرار على المتابعة بصورة مزيفة للذات ولكيفية التعامل مع العالم، سيما حينما تبين الأحداث، مخالفة الحقيقة للصورة المزيفة.

تتمحور أحداث الرواية في البداية حول الأختين الشابتين دوروثي وسيليا المتناقضتين في الشخصية والراغبتين في الزواج. وتختار دوروثي بطلة القصة الشاب الأكاديمي كاساوبون لإعجابها بعلمه ومعرفته ورغبتها في مشاركته في تلك المعرفة وتوسيع آفاق فكرها. وعلى الرغم من اعتراض الجميع على اختيارها للاختلاف الواضح بين الشخصيتين تصر على الزواج.

وخلال شهر العسل الذي أمضياه في روما تتضح الصورة لدوروثي، فزوجها كان يريدها أن تتفرغ للعناية به، ولم يكن يراها خارج هذا الإطار، مما زاد الهوة بينهما، وحينما تعرفت على قريبه ويل ليديسلو في روما، شعرت بالألفة والمرح للتقارب الشديد بينهما مما أثار حفيظة زوجها.

والشخصية الأخرى التي تظهر هي الشاب فريد فينسي المستهتر الذي كان يستغل الآخرين للحصول على المال والمقامرة به، وتقرضه عائلة غالب غارث ذات الدخل المحدود ما يحتاجه من مال، وحينما يبعث له عمه بالمبلغ المطلوب يبدده بدلاً من تسديد دينه لتلك العائلة، مما تسبب في فقدانه الأمل بالزواج من ابنة العائلة الكبرى ماري.كما تدخل الضاحية شخصية الطبيب الشاب الطموح ليدغيت، المتحمس لوسائل الطب الجديدة وفي ذات الوقت المحب لحياة الرفاهية والمال.

وبأسلوبه المتكبر يكتسب عداوة غالبية سكان المنطقة رغم مهارته كطبيب وقدرته على معالجة العديد من الحالات المستعصية.

وبدافع غروره يتزوج من روزاموند المتعالية التي تعشق حياة البذخ، ولا يدرك خيبته إلا حينما تتراكم عليه الديون، مما يدفعه إلى الاستدانة من بالسترود الذي يتمتع بثروة ونفوذ كبير على الصعيد السياسي وإن كان مكروه من الجميع.ويأتي ويل ليديسلو للإقامة في ميدلمارتش ويتعاون مع عم دوروثي في تحرير جريدة اشتراها العم. لكن المشروع يفشل ويتابع ويل طموحه في الجانب السياسي.

وفي هذه الأثناء تسوء حالة كاساوبون الصحية، وبعد وفاته تكتشف دوروثي أنه كتب في وصيته بأن زوجته ستخسر ما ورثته عنه إن فكرت في الزواج من قريبه ويل، مما يثير حنقها وغضبها.

ويقرر فريد أن يعمل مع والد ماري غارث، ويبدأ حياة مستقيمة بعودته إلى متابعة دراسته. وتساعد دوروثي عائلة غارث في إدارة الأملاك والعقارات مما يحقق لهم ثروة لا بأس بها. وحينما لا تجد روزاموند كفايتها من المال، تبدأ بعلاقة غرامية مع ويل مما يثير غضب دوروثي ويدفعها لصرف النظر عنه، سيما بعد أن أدرك ويل شرط قريبه في الوصية.

ولدى انكشاف سر بالسترود وماضيه المشبوه من خلال بوح السيد رافلز لعدد من سكان المنطقة بالسر الذي كان يخفيه، يشعر بالسترود بضرورة مغادرة المنطقة. وقد تسبب موت رافلز في بيت الأخير في إثارة الشبهات حول الطبيب ليدغيت الذي يتهم بالتواطؤ مع بالسترود بشأن وفاة رافلز.

هذا الشك يدفع بالطبيب إلى الاستسلام ولدى محاولة مغادرته الضاحية هو أيضاً، تقنعه دوروثي وآخرون بضرورة بقائه لكونهم يثقون بنزاهته، وبأن الزمن كفيل باستعادة ثقة الآخرين به على عكس بالسترود.

رشا المالح