ترحب الكاتبة الأميركية جودي بودنيتز من خلال كتابها «طفل أميركي كبير ولطيف» بالقراء من خلال دعوتها لهم بدخول عالمها الحافل بالغرابة والغموض والتشويق والمتمثل بمجموعة قصصها القصيرة التي يتضمنها هذا الكتاب.
حققت جودي من خلال مجموعتها القصصية تلك نجاحا واسعا فور نشرها، ولا أدل على ذلك من الوصف الذي ورد في مطبوعة نيوزيك عن الكاتبة، «لا نعرف من أي كوكب جاءت جودي بودنيتز ، إلا أننا سعيدون بحضورها. فكتابها حافل بالإثارة والتشويق.
والخيال الجامح الذي لا حدود له». فالقصص الإثنتا عشرة التي يضمها كتابها تحمل الدهشة والإعجاب، حيث تأخذنا إلى قلب أميركا وحول العالم. من مناطق نائية إلى بركة سباحة ثم إلى شوارع مهيأة للحرب وغيرها من المواضيع المختلفة والمشوقة التي من المستحيل نسيانها.
وعالم قصصها هذه الذي يجمع بين الغرابة والمألوف في آن واحد، يتمحور حول التساؤل «ما الذي يمكن أن يحدث إذا ....» فعلى سبيل المثال ما الذي يمكن أن يفعله الواحد منا سواء إن ولد غريبا، ويعيش على الكفاف في مدينة منعزلة على حدود بلدة تمثل حلم كل إنسان استنزفه الفقر وأحلامه الكبيرة؟
أو كان المولود الأخير من ثمانية أطفال، المتمثل في الابنة الوحيدة لعائلة تضم سبعة أشقاء، والأم لا تحبنا كوننا فتاة إلا أنها تقبل بنا بسبب موت أشقائنا في الحرب؟ وماذا نفعل إن كان هدفنا الوحيد في الحياة هو ولادة طفلنا في الأراضي الأميركية؟ تلك التساؤلات تساعدنا على ولوج عالم هذه الكاتبة حيث لا يمكننا أن نحدد موقعنا، فهل هذا الكتاب يمثل نقدا سياسيا؟ أم مجرد تهويم؟ أم السريالية؟
كل ما يمكن قوله ان هذا الكتاب يتناول العلاقة بين الوالدين والأبناء، وبالتحديد الأمهات وبناتهن حيث تتجلى تلك العلاقة الوطيدة، الخانقة في بعض الأحيان، والجافة في أحيان أخرى، وعلى الدوام ذلك الإحساس بالرابط العميق. وتتناول الكاتبة موضوع تلك الصلة بين الأمهات وأبنائهم بعمق وحكمة، وبأسلوب رشيق يرسب بقعة حزن في ذاكرتنا.
وهناك أيضا محاور أخرى عن السياسة وثقافة العنصرية، الفقر والديكتاتورية، مثل القصص: «ناديا» وهي عروس تطلب عن طريق الشبكة الالكترونية من أوروبا الشرقية، وبقدومها تستقطب نفور صديقات زوجها الأميركي العازبات، اللواتي يعتبرنها قد سلبتهن حقا من حقوقهن وبالتالي يتعاملن معها على أنها دخيلة. وبدلا من أن تجد ناديا الراحة والسعادة في أميركا كما كانت تحلم تجد نفسها مضطربة وخائفة من العداء الذي يحيط بها.
ويقوم بسرد القصة عدد من الصديقات الغاضبات اللاتي يسخرن منها ومن نحافتها. وحينما تكتشف إحداهن بأن ناديا قد أنجبت طفلا سابقا، لا تتوانى في تكريس تلك المعرفة لتحولها إلى سخرية لاذعة، إلا أن نهاية القصة تأتي بصورة مفاجئة وغير متوقعة. وفي قصة «الإعداد» نجد أنفسنا أمام رئيس مهووس ببناء واختبار سلسلة من الملاجئ الواقية من قذف القنابل. وعليه يأمر بشراء كميات من آلات الحفر التي تحول المواطنين إلى كائنات غريبة.
وفي قصتها «طفل أميركي كبير ولطيف»، يتجلى ما أوردناه سابقا عن السريالية والسياسة إضافة إلى التحول بمفهوم كافكا وأصالته، ومرورا بالفساد الاجتماعي، وذلك أسوة ببقية قصص هذا الكتاب.
فالمرأة الحامل التي تدعى بريشيوس (أي الثمينة أو القيمة) ويرد ذكرها في قصة أخرى، يسكنها هاجس أن تلد ابنها في أميركا، حيث ستتمكن من تجنيب ابنها العيش في تلك البلدة التي ولدت فيها على حدود بلد الحرية والحضارة، فهي لا تريد لابنها أن يجوع ويكبر بلا أحلام. وبذا تحاول التسلل إلى البلد الآخر، إلا أن كل محاولة تقوم بها تفشل.
حيث يعيدها حرس الحدود مجددا، وعلى الرغم من الآلام والعذابات التي تتكبدها لعبور الحدود والمال الذي تنفقه كرشاوى، تزداد إصرارا مع كل خيبة أمل، وبالتالي تصر على الاحتفاظ بابنها في رحمها حتى تنجح في تحقيق هدفها، ويمضي العام الأول والثاني والثالث والجنين في بطنها يكبر ويكبر ويحتل مع العام الرابع كافة جسدها وأطرافها.
وتكتشف أخيرا اللعبة الماكرة التي كانت ضحيتها لعدة سنوات والمتمثلة في أن الدليل الذي كان يخطط لهربها، إنما كان عميلا لحرس الحدود الأميركيين ويتقاضى عمولة عن كل وشاية يبلغهم إياها وبذا كان يتقاضى من الطرفين.
أما قصتها «صرف المياه» فهي عمل كوميدي درامي يتناول العلاقة الغامضة بين أم وابنتيها الراشدتين، ومن خلال حبكة ضرورة قيام الأم بفحص ثديها بالأجهزة الخاصة بالكشف عن سرطان الثدي، تبدأ الأحداث بالكشف عن جوانب كثيرة من حياة تلك الشخصيات التي تربطهن علاقة حب مدفوعة بحنان مفرط. كما تنتقد الكاتبة في هذه القضية آلية عمل الأطباء المجردين من إنسانيتهم. فالأم التي تحاول التهرب من هذا الفحص الروتيني، تختفي بصورة غامضة بعد دخولها الحمام في العيادة .
حيث تدعي بأنها رأت سمكة ضخمة تسبح في المرحاض، وعليه فإن هذه الخدعة تنطلي على ابنتيها، وعليه تقوم بالفحص المطلوب كل منهن بدل الأخرى. ومن خلال هذا الحدث يتجلى للقارئ ميكانيكية تعامل الأطباء، حيث يصبح الثدي مجرد شيء يرفع ويوضع تحت الأجهزة بلا أي تعامل إنساني.
وفي قصتها «الزوار» تتحدث عن رجل وامرأة ينتطران زيارة من والدي الزوجة، وخلال انتظارهما تتلقى الزوجة اتصالات هاتفية لا نهاية لها من أمها خلال توقفهما في الطرقات لمعرفة المسار، ومع كل اتصال تبتعد المسافة بينهما أكثر فأكثر، حتى تبدو الاتصالات في النهاية وكأنها آتية من عالم آخر. وهي بالتالي تتحدث عن الفجوة أو الهوة الكبيرة التي تفصل بن الوالدين والأبناء.
وفي كل من قصة «الباعة» و«المعجزة» يتجلى جموح خيال الكاتبة، حيث في قصة «الباعة» تحتجز عائلة الباعة المتجولين الذين يدورون على المنازل داخل قلم حبر كأنهم حيوانات مزرعة، وحينما تحاول إحدى النساء مساعدتهم وتحريرهم، تكتشف لدهشتها بأنهم يصرون على رفض مساعدتها، وذلك بتأكيد قناعتهم بأن العميل أو الزبون دائما على حق.
أما في قصة «المعجزة»، يفاجأ الوالدان الأميركيان وهما من أصول قوقازية بانجابهما لطفل أسود بلون النفط. ومع ولادة الطفل تتوتر العلاقة بين الزوجين، ففي حين تتقبل الأم الموقف وتتعلق بطفلها الهادئ الوديع، يرفض الأب أبوته ويشكك بزوجته وإخلاصه لها.
وبعض مضي بضعة أشهر يتحول لون الطفل بمعجزة إلى لون والديه، حينها يستعيد الوالد أبوته ويحتض زوجته بفرح لتلك المعجزة، التي تجعل الأم تتنكر لأمومتها ولهذا الطفل الغريب الذي لا يشبه طفلها السابق بشيء، سيما وأنه كثير البكاء والحركة.
وتصل أخيرا إلى حالة من اليقين بأن طفلها الحقيقي إنما كامن تحت جلد هذا الطفل الجديد. وفي النهاية تمسك بالسكين لتحاول تأكيد ذلك لنفسها من خلال قص جزء من الطبقة الخارجية للحمه كي تتأكد من وجود طفلها الحقيقي فيه.
من الجدير بالذكر أن معظم النقاد أشادوا بموهبة هذه الكاتبة وتفردها وذلك منذ صدور مجموعة قصصها الأولى في كتاب بعنوان «القفزة المفاجئة» الذي نشر في عام 1998 حينما كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، وروايتها «إذا قلت لك مرة» التي نشرت في عام 2000، حيث ساعدتها شجاعتها منذ البداية على تجاوز نفسها وحدود الفكر والخيال في اقتحام الأساطير إنما بصورة واقعية.
وما يشهد على نجاحها، تقديم عروض لكتبها سيما الأخير منها في أكبر وأهم المطبوعات ومن قبل أشهر النقاد مثل جوليا كوسروف من تايم أوت نيويورك، وليديا ميليت من واشنطن بوستس بوك إلى جانب أهم المواقع الأدبية على الانترنت مثل كيركيس وذا بورز دي ريدر وغيرها. وفي المحصلة يجمع هؤلاء النقاد بأن الكاتبة الأميركية الشابة جودي بودنيتز تعد من الأصوات المتميزة الواعدة في عالم الأدب المعاصر.
مولودة جديدة
كانت الأم التي أنجبت سبعة أبناء والسعيدة بذلك، قد أنجبت ابنة بعد ذلك. أحبت أبناءها السبعة بشدة وإخلاص، لكنها لم تكن ترغب أبداً بابنة حتى قبل معرفتها بجنس الوليد. كانت تشعر بالجنين متوضعاً أسفل بطنها ولذا لم ترغب به. وفكرت بأن المولودة الجديدة ستكون عبئاً على كاهلها، فم جديد عليها إطعامه.
منذ مولدها كانت الطفلة ضعيفة ومريضة، فقد استقبلت العالم بعطسة. وحينما سمعت الأم عطستها شعرت بثقل يجثم على قلبها. واعتقدت بأنها على الرغم من إعطاء ابنتها أفضل الأدوية إلا أنها ستموت خلال شهر.
وبحد أقصى ثلاث سنوات. مجرد جهد ضائع. ربما من الأفضل أن تموت الابنة الآن والانتهاء من هذا الأمر. ولم لا؟ فهناك العديد من الوسائل لموت الطفل سيما وأن موت الأطفال أمر شائع في هذا الجزء من العالم، ولا يمكن لأحد أن يهتم بأسبابه.
لكنها حينما نظرت إلى وجه المولودة المجعد، أحست بالخجل من أفكارها. وآلت على نفسها أن تحب ابنتها كما أحبت أولادها.وقد أسمت الطفلة بريشيوس (أي الغالية) لتذكير نفسها بعهدها.
وعلى الرغم من ذلك فإن أولادها السبعة كانوا مهجة روحها، وهي وإن لم تحنث بوعدها إلا أنها تعاملت معه في الحدود الدنيا، مثل شجرة صغيرة في مواجهة العاصفة. وتعلمت بريشوس أن لا يكون لها متطلبات من والدتها. كانت تأكل ما تبقى من الطعام في قعر الإناء وحافظت على نظافة قدميها كي لا تترك أثرا لخطواتها خلفها.
عاشت المرأة سعيدة بأبنائها السبعة الذين كانوا يكبرون ويزدادون طولا. كان الناس يخبرونها كم هي محظوظة: ثمانية أطفال وجميعهم على قيد الحياة.لكنها تجيب، لدي سبعة أبناء. ثم تستدرك بقولها: آه نعم.
وفي إحدى السنوات، هطل المطر غزيرا، وتحولت الطرق إلى أنهار من الطين، وتعفنت الثمار على أغصانها. وفي العام التالي لم تمطر على الإطلاق. وقال الناس بالتأكيد سيكون العام الثالث عام خير. لكنهم أخطأوا.
لم يحدث أبدا أن انحبس المطر عنهم لمدة عامين متتاليين. وحتى الناس الذين يعتبرون أنفسهم حداثيين بدأوا يصلون ويعلقون التعاويذ على أبوابهم.
ومع القحط جف المجرى المائي السفلي الذي كان يغذي مضخة كهرباء القرية. وبدأ أولاد المرأة يذهبون بحثا عن المياه. كانوا طوالا ونحيلين، ويعرفون كيف يسافرون تحت وطأة حر النهار. كانوا يجرون ثم يستريحون. وفي كل استراحة لهم كان يعيدون تنظيم أنفسهم بخط تنازلي حيث يقف كل منهم بظل أخيه باستثناء الأكبر في المقدمة.أخذوا معهم جرادل وأباريق لحمل المياه لوالدتهم، وإلى بريشيوس. كانوا يتذكرون أختهم، ولكن دوما بعد حين.
وجدوا أنفسهم أمام سور من الأسلاك المعدنية، وعلى حافته العليا شريط لولبي شائك. وقد أدمى الأولاد أيديهم وهم يتسلقون السور. وفي البعيد رأوا شيئا قاتما ممتشقا نحو السماء، فجروا باتجاهه. كان أكبر بناء رأوه في حياتهم، ضخما ورماديا وبلا ملامح، مع ثلاث مداخن كالأصابع تشير نحو السماء. لم يروا سابقا أي شيء مثل هذا الدخان الأسود المتصاعد. كان يعلق في السماء دون أن يتلاشى، بدا كثيفا وثقيلا، مثل مزن توشك على الانفجار.
مقتطف من رواية «طفل أميركي كبير ولطيف»
الكتاب: طفل أميركي كبير ولطيف
الناشر: نوف ـ لندن 2005
الصفحات: 304 صفحات من القطع المتوسط
Nice Big American Baby
Judy Budnitz
Knof - London 2005
P. 304