مؤلفة هذا الكتاب هي الكاتبة المصرية د. ميرفت عبدالناصر التي تعمل أستاذة واستشارية في مجال الطب النفسي بجامعة (كنجز كوليج) بالعاصمة البريطانية لندن، وقد صدر لها في السنوات الأخيرة مؤلفات عدة باللغة الإنجليزية، حول «دور الثقافة في نشأة المرض والسلوكيات النفسية».
وفي تاريخ وفلسفة الطب وعلم المصريات، كما أصدر لها عن إحدى دور النشر العربية سلسلة مصورة، باللغة العربية، موجهة للأطفال، حول تاريخ مصر القديم، من أربعين جزءاً، إلى جانب العديد من مقالاتها المنشورة بأكثر من دورية ثقافية مصرية.
يعكس هذا الكتاب - الذي صدر بالقاهرة أخيراً تلك الهموم المعرفية والحياتية، التي أرقت كاتبته منذ وطأت قدماها الأراضي البريطانية، قبل 25 سنة، بخصوص الفجوة المعرفية التي تفصلها هي وأبناء وطنها عن الأوروبيين حول حقيقة التاريخ المصري القديم، والموسوم شيوعاً ب(الفرعوني).
وهي الفجوة التي عزت الكاتبة أسبابها إلى عوامل عدة، منها العقلية الدينية السائدة، والجهل والتكاسل القومي والذي أفضى - كما تقول في معرض استهلالها لبحثها - إلى استهلاك وتسليح هذا التاريخ الفريد لدواع سياحية وتجارية محضة.
ومن ثم إلى التخلي عن حقنا، فيما هو ملكنا وإرثنا، وترك أمره للأوروبيين ليفعلوا به ما يشاءون على حد ما تبدى فيما بات يعرف ب«علم المصريات» بينما لا يزال الإنسان المصري والعربي بطبيعة الحال يعاني من قصور المصادر التاريخية المتاحة له، على يد الخبراء المصريين والعرب، في هذا الصدد.
وها هنا يأتي اجتهاد الكاتبة، الذي أرادت - من خلاله كما تقول - طرح بعض الجوانب الفكرية، التي تعبر عن قراءاتها الخاصة لفلسفة التاريخ المصري القديم، استناداً إلى دراسة علمية مستفيضة تمتزج بحسها المصري الموفور.
وتجاربها الحياتية الخاصة، وذلك بغية «أنسنة» هذه المعرفة، والتي أعانها عليها تخصصها في مجال الطب النفسي وقراءاتها المتعددة في فروع الأدب والفكر باللغتين العربية والإنجليزية.
وينقسم الكتاب إلى تسعة مباحث، تدور في عمومها حول تجليات الفلسفة المصرية القديمة في أصول الانتماء إلى الأرض، وتمصير الوجود، ودلالات الغربة والاغتراب ومغزى العدالة والوجوه والعدم، وماهية العقل واللغة والزمن والفن، وحكمة التطبيب والضحك.
ففي مبحثها الأول - والذي يتناول فلسفة المكان - تتحدث الكاتبة عن شخصية (حورس) الأسطورية، كما تتجلى في الملحمة المصرية الشهيرة، حيث يأتي إلى الوجود يتيماً، بعد أن قُتل أبوه (أوزوريس) على يد عمه (ست) محاولا تفهم مدلولات المؤامرة التي تسببت في فقده لأبيه، والتي تكمن في أن الخير والشر وجهان لعملة واحدة، حيث تتجسد في الأخ وأخيه ازدواجية الطبيعة البشرية، وثنائية مشاعرها.
لذا، جاء «الشك» كما تقول الكاتبة ليلعب دوره - بشكل غير مباشر - في ضبط النفس، وتحجيم دوافع الانتقام، أو تسخيرها في صورة أخرى، وذلك عبر الاستنجاد بإله العلم والحكمة (تحوت) ليعيد إلى (حورس) عينه، وفي هذه الرمزية ترى الكاتبة أن «المنهج العلمي» - المتمثل في شخص (تحوت)، والقائم على الشك، وإثبات خطأ النفس قبل صوابها - هو الذي حسم الموقف، وذلك بغية الوعي بدلالات تجربة اقتفاء طريق العلم والحكمة.
وفي هذا ترى الكاتبة تشابهاً - أو بالأحرى استلهاماً - بين شخصية البطل المصري (حورس) وبين البطل الإنجليزي (هاملت) في مسرحية (شكسبير)، المعروفة بهذا الاسم.
وكذا البطل الأميركي في فيلم «الملك الأسد» الذي يرجع نجاحه الواسع - كما تقول الكاتبة - إلى اعتماده على الفكر الأسطوري، وتحديداً إلى الأسطورة المصرية المذكورة آنفاً، بوصفه الإطار الأفضل لتناول أدب الطفل، حيث تتحدد من خلال السرد الأسطوري حقيقة الولادة المبدعة لأطفالنا، وللأطفال الذين بداخلنا نحن الكبار كي نرى الحقائق بعيون متغيرة، تحتمل عدم الثبات، وكل ما هو قابل للشك.
إلا أنه يظل للأسطورة المصرية خصوصيتها حيث يفيض النيل من دموع (إيزيس) - وهي أم اليتيم وعقيلة القتيل - حزناً على جسد (أوزوريس)، الذي تحتضنه - في البداية - شجرة قبل أن يموت ميتته الثانية.
وتتبعثر أشلاؤه على تراب مصر، فتسارع (إيزيس) لتبني عندها «بيوت صلاة» لتحكي للوجود كيف ينبت الموت الحياة، وكيف تأخذ تلك الأرض خصوصيتها لتصير وطناً، وعندما ينتبه (حورس) لهذه الحقيقة يدرك عبء الإرث الوطني، ودور الابن الحتمي لاستعادة هذا الإرث.
تربط الكاتبة بين المفهوم الاجتماعي - الوجودي وبين المفهوم النفسي - الوجودي للمصري القديم والذي يقوم على إستراتيجية فريدة للتعامل مع حتمية الإحساس بالعدم والفناء، وذلك بتجاوز هذا الشعور من خلال اختراع فكرة «الدولة» كنظام يقف على رأسه حاكم مسؤول عن الحفاظ على سلامة هذا «الوطن» الذي ليس إلا «المصري» ذاته، وبهذا التماهي يصطنع المصري خلوده الذي هو خلود الوطن في ذات الآن.
وقد دفعت تلك الرؤية الكاتبة لتؤكد على امتناع المصريين عن منح حكامهم أي نوع من الامتيازات أو الألقاب عالية السمو، دون أن توضح طبيعة العوامل والشروط التي حالت دون ذلك، والى أي مدى؟
وهل كان هذا الامتناع نابعاً من قيم ذلك النظام الفكري الراسخ، بعاداته وتقاليده في نفوس العامة والنخبة معاً، أم من خلال حراسة هذا النظام، على يد فئة الكهنة/العلماء، ذات النفوذ الواسع في الدولة المصرية القديمة؟ أم كان الأمر مزيجاً بين هذا وذاك؟
وبينما بدت صورة «الحاكم» المصري القديم أقرب إلى «الأداة» أو «حلقة الوصل» بين «الأنا الفردية» وبين «الأنا الجمعية» - استناداً إلى رؤية الكاتبة لنظرة المصري القديم إلى مفهوم «الوطن» - فقد عادت لاعتبار هذا «الملك» تمثيلاً أو تجسيدا رمزياً لـ «شخص الوطن»، ينبغي إجلاله، عبر أداء الطقوس والمراسم التي تليق به.
وذلك باعتباره محكوماً بقواعد ذلك النظام الفكري، التي تجعل منه خادماً لهدف أكبر وأسمى من شخصه، وكل الأشخاص جمعاء. وهو ما يخالف الاعتقاد الشائع بأن النظام الحاكم في مصر القديمة أتاح سلطات مطلقة للملك الحاكم، على حساب حريات أبناء هذا البلد.
وعلى الرغم من وجاهة الرؤية التي ذهبت اليها الكاتبة في هذا الصدد، إلا أن إعلاءها من شأن النظرة السيكولوجية في تفسيرها لفكرة «الدولة» و«الوطن» قد يسم هذا الرؤية بذلك الطابع اللاهوتي الذي لايزال راسخا في الأذهان، على يد اتجاهات مهمة فيما يسمى ب«علم المصريات» وهو الطابع الذي عبرت الكاتبة ذاتها عن استنكارها الصارخ له في صفحات كتابها.
وفي مبحث آخر تتناول الكاتبة إشكالية الوجود والعدم عند المصري القديم، وتصالحه معها، عبر ذلك الميلاد المتكرر للنهار الذي يسمح بإعادة خلق الذات، دوما، تأكيدا لكينونته، والتي رمز لها بأنثى (الجعران)، التي تعكس ولادتها صورة الحياة التي تخرج من التراب الميت.
ثم تعرج الكاتبة إلى علاقة هذا المصري باللغة، من حيث دورها الحيوي في صناعة النفس واعادة صياغة الوجود، وابتكار فكرة «الاسمين»، واحد ظاهر أو معروف للجميع، وآخر مختبئ داخل النفس لا يعرفه إلا الشخص نفسه، كما تقول، مشيرة إلى أحدى البرديات القديمة، والمعروفة باسم (تورينو) التي تقول على لسان أحد الأشخاص: «أنا صاحب الاسمين.. لي اسم منذ أن رأت عيني النور لا يعرفه أحد.. إن هذا الاسم يسكنني.. أملكه ويمتلكني.. هو أنا».
وهو ما يعكس انقسام الوجود - في نظر المصري القديم كما توضح الكاتبة - إلى وجود «معلن» ووجود «دفين» عام وخاص، وجود محقق وآخر قابل للتحقق، اتساقا مع مفهومي «الكا» و«البا» أي طاقة البدن وروحها كمدى وجودي.
وفي مبحث أخير تتناول الكاتبة مفهوم الزمن عند المصريين القدماء، فتشير إلى انحصاره بين الأمس والغد، بوصف أن حياة الفرد مجرد لحظة تعايش بينهما، خارج نطاق الزمن الحقيقي، لينتفي من قاموسه لفظ اليوم، ذلك أن من يحكم الماضي هو من يحكم المستقبل، ومن يحكم الحاضر يحكم الماضي.
وفقا لهذه الرؤية، فإن المصري قد صاغ هذه الرؤية رمزيا في صورة أسدين متلامسين، ظهرا لظهر، وكل منهما ينظر في اتجاهه، واحد في اتجاه الغرب، أي الموت، والآخر في اتجاه الشرق، أي الحياة.
وبينهما اللحظة الآتية الساكنة في «قرص الشمس»، قرص ينير الغد بخبرة الأمس، كعلاقة ديناميكية، فيها الأمس زمن حي يتحرك بنا إلى اللحظة القادمة، إلى الغد، ليصير الزمن دائرة، حيث العمل من أجل المستقبل من خلال بصيرة الأمس يعني استعادة - وليس تكرارا - لهارمونية وتناغم واكتمال البداية.
الكتاب: الحالة السياسية والاجتماعية في مصر الفرعونية
الناشر: عين للدراسات والنشر
القاهرة 2005
الصفحات: 260 صفحة من القطع المتوسط