مؤلف هذا الكتاب هو الباحث ستيفان مولير ـ دوهم أحد المختصين بفكر أدورنو ومدرسة فرانكفورت بشكل عام. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف قصة حياة أحد مؤسسي هذه المدرسة الفكرية الشهيرة: تيودور أدورنو.
ومعلوم أن المؤسس الآخر هو ماكس يوركهايمر كما يقدم لنا تحليلاً تفصيلياً عن أعماله الفلسفية. ومنذ البداية يقول إن أدورنو ولد عام 1903 في مدينة فرانكفورت داخل عائلة بورجوازية غنية.
فأبوه أوسكار كان يهودياً ألمانياً متاجراً بالخمور. وأمه ماريا كانت مسيحية كاثوليكية مغرمة بالموسيقى وتحمل الجنسية الفرنسية. وقد وجد أدورنو منذ نعومة أظفاره أن الحياة ابتسمت له وأن كل شيء متوافر في بيته: الفلوس، والثقافة، والغناء، والموسيقى، والنفوذ الاجتماعي البورجوازي.
وقد أثبت أدورنو منذ البداية أنه يمتلك مواهب ضخمة وبخاصة في مجال الموسيقى والفلسفة. وقد ناقش أطروحته عن كيركيفارد أبي الوجودية المسيحية في وقت مبكر. ثم انضم إلى معهد البحوث الاجتماعية في مدينة فرانكفورت. وهو المعهد الذي سيصبح فيما بعد: مدرسة فرانكفورت.
وكان قد أسسه فيلسوف أكبر منه سناً هو: ماكس يوركهايمر. وقد أصبح صديقه فيما بعد. وكان السؤال الأساسي الذي طرحته مدرسة فرانكفورت هو التالي: كيف يمكن أن نفهم سبب قدرة المجتمع الرأسمالي على تحييد قوى المعارضة والاحتجاج وتحويلها إلى قوى استهلاكية ودمجها في المجتمع؟
والواقع أنه لولا ذلك لاستطاعت البروليتاريا أنه تقلب النظام الرأسمالي وتحوله إلى نظام اشتراكي. ومقدرة الرأسمالية على التأقلم مع الظروف المستجدة هي التي جعلتها تنجو من نبوءة ماركس الذي كان يتوقع انهيارها وزوالها بعد أن تصل تناقضاتها إلى ذروتها القصوى.
ثم يردف المؤلف قائلاً: إن مسيرة حياة أدورنو تشبه مسيرة حياة بعض المثقفين البرجوازيين الكبار الذين سحروا بالماركسية وانقلبوا على طبقتهم الاجتماعية. فهذا الشاب الناجح كان يمتلك كل شيء، وما كان بحاجة للانضمام إلى حركات اجتماعية ضد النظام القائم. ولكنه خان طبقته الاجتماعية كبعض كبار المثقفين البورجوازيين الآخرين من أمثال سارتر وسواه.
ثم حصلت ظاهرة جديدة في الثلاثينات من القرن العشرين: ألا وهي صعود النازية ووصول هتلر إلى السلطة بشكل ديمقراطي عام 1933. وفي البداية لم يعر أدورنو اهتماماً كبيراً للنازية واعتبرها ظاهرة عابرة سرعان ما ستزول بعد أن يكتشف الناس مدى سخافة قادتها.
وطيلة عام ونصف كان أدورنو يعتقد أنه يستطيع البقاء في ألمانيا على الرغم من وجود النازية، وأنه يستطيع أن يواصل بحوثه الفلسفية والموسيقية. ولكنه بدءاً من منتصف عام 1934 أدرك أنه مخطئ واكتشف مدى الطابع المظلم والمرعب للايديولوجيا الهتلرية.وعندئذ ابتدأ يجهز حقائبه ويهيئ نفسه للهرب إلى لندن.
ثم دخل في مرحلة المنفى التي استمرت خمسة عشر عاماً (1934 ـ 1949). وقد أمضى السنوات الأولى في جامعة إكسفورد (1934 ـ 1938)، ثم هاجر بعدئذ إلى نيويورك حيث بقي فيها من عام 1938 إلى عام 1941.
وبعدئذ انتقل الى لوس انجلوس حيث درس في جامعتها بين عامي (1941 ـ 1949). ثم عاد بعدئذ إلى وطنه ألمانيا بعد سقوط النازية وعودة النظام الديمقراطي ولم يمت إلا بعد عشرين سنة من ذلك التاريخ (1969).
وقد أرسل إلى صديقه يوركهايمر رسالة من باريس يبلغه فيها بقدومه مع زوجته إلى أميركا. وفيها يقول ما معناه: الحالة في أوروبا ميؤوس منها تماماً. فهتلر يحقق النجاح تلو النجاح وسوف يسطو على النمسا حتماً. وأما اليهود الذين بقوا في ألمانيا فسوف تتم تصفيتهم عن بكرة أبيهم. لماذا؟ لأن النظام صادر كل أملاكهم وأصبحوا فقراء. ولا يوجد أي بلد في العالم يستقبل الفقير.. أما نحن فقد نجونا بجلودنا.
وفي نيويورك استقبله يوركهايمر وبعض المثقفين الآخرين. ومعلوم أن مدرسة فرانكفورت كانت قد انتقلت إلى هناك أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد شعر أدورنو بأنه ينتمي إلى فئة الناجين المحظوظين وقال هذه العبارة: نحن سعداء داخل التعاسة العامة والشاملة التي تحيط بنا.
ثم انتقلت مدرسة فرانكفورت مرة أخرى من نيويورك إلى لوس انجلوس حيث استقر زعيمها يوركهايمر. واضطر أدورنو إلى اللحاق بها هناك على الرغم من أنه كان قد تعود على نيويورك وأحبها. ولكنه لا يستطيع الانفصال عن صديقه الكبير لأنه كان يحضر معه كتاباً مهماً بعنوان: جدلية التنوير، أو جدلية العقل.
وقد صدر هذا الكتاب في هولندا عام 1947 واعتبره الكثيرون بمثابة احد أهم الكتب التي تصدر بعد الحرب العالمية الثانية.
وحتى هذه اللحظة فإن المفكرين يعتبرونه بالإضافة إلى كتاب أدورنو اللاحق (الديالكتيك السلبي) بمثابة أهم ما أنجزه هذا الفيلسوف طيلة حياته كلها. وفي الكتابين المذكورين يعلن ثورته العارمة على العقل الغربي الذي خان مبادئه التنويرية أو انحرف عنها وأنتج الفاشية والنازية.
وهكذا تخلى أدورنو عن الرؤية المتفائلة للتاريخ والتي كان يتبناها في البداية، لكي يعتنق رؤية متشائمة سوداء. وراح يصب جام غضبه على العقل الأدواتي النفعي للحضارة الغربية ويعتبره عقلا توتاليتارياً، واستئصالياً.
ولكن البعض يقولون إنه بالغ في هجومه على الحداثة وعقل التنوير تحت تأثير الضربات الموجعة للحرب العالمية الثانية. وبالتالي فقد سقط في فخ أعداء التنوير الفاشيين أنفسهم دون أن يدري. فلمصلحة من يهاجم التنوير والعقل والحداثة؟
وما هو البديل عن العقل؟ صحيح أن عقل التنوير ينسى طابعه الجدلي والديالكتيكي وتحول إلى عقل قمعي على يد الرأسمالية والحركات الفاشية، ولكن هذا لا ينبغي أن يقودنا إلى الهجوم على العقل ذاته أو إلى محاولة تحطيمه وتدميره كما فعل أدورنو ويوركهايمر تحت صدمة النازية والحرب العالمية الثانية.
فلا بديل عن العقل الا العقل كما يقول هابرماس تلميذ أدورنو وصديقه. ولهذا السبب فإن كل فكر هابرماس ما هو إلا محاولة لتجاوز المأزق الذي و صلت إليه مدرسة فرانكفورت على يد مؤسسيها. وهو مأزق ناتج عن فقدان الثقة بعقل التنوير الذي أنتج كل هذه الحضارة ثم دمرها من خلال حربين عالميتين.
ويرى هابرماس أن أدورنو أخطأ عندما انغلق على ذاته في رؤية متشائمة للتاريخ. وأخطأ أكثر عندما لم ير من الحضارة إلا وجهاً واحداً: هو إفرازاتها العنصرية والتوتاليتارية فالعقل الغربي له وجه آخر غير ذلك:
وهو وجه الاكتشاف العلمي والفلسفي والحضاري وبالتالي فلا ينبغي ان نضحي بفكرة التنوير والحضارة لمجرد أنها انحرفت عن مسارها الصحيح أيام الفاشية والنازية. فهذا الحدث المفجع ليس إلا فاصلاً قصيراً في المسيرة الطويلة والمليئة بالانجازات للحضارة الغربية.
ثم يردف هابر ماس قائلاً: وبالتالي فحذار من الهجوم على العقل أكثر مما يجب لأن ذلك ما يكون إلا لصالح القوى الظلامية والفاشية والأصولية. وهذا هو المطب الذي وقع فيه كل من أدورنو ويوركهايمر على الرغم من وجاهة الانتقادات التي وجهها إلى الحضارة الغربية.
ثم يركز مؤلف الكتاب اهتمامه على المرحلة الثالثة من حياة أدورنو: وهي المرحلة التي تلت عودته إلى ألمانيا على الرغم من أنه كان قد نال الجنسية الأميركية في المنفى ولم يستعد جنسيته الألمانية إلا في نهاية الخمسينات.
وكان يوركهايمر قد عاد قبله إلى البلاد بعام واحد: أي عام 1948. وعندئذ وجد أن ألمانيا انقسمت إلى قسمين: ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية. وأول شيء فعله يوركهايمر هو إقناع جامعة فرانكفورت بضم مركز بحوثه إليها.
وأما أدورنو فقد أمضى العشرين سنة الأخيرة من حياته في ألمانيا دون أن يبرحها إلا نادراً. وقد أصبح معلماً للشبيبة وذا صوت مسموع في كل أنحاء ألمانيا الغربية. وكان يحاول أن يقدم للجيل الجديد نصائحه لكيلا تقع ألمانيا مرة أخرى في براثن النازية أو الفاشية أو الايديولوجيا التوتاليتارية.
لقد أصبح أدورنو الضمير المفكر لألمانيا في الخمسينات والستينات بالإضافة إلى هيربرت ماركيوز، أو يورغن هابرماس، أو آخرين. وراحوا جميعهم يفككون ايديولوجيا الحداثة الرأسمالية التي أدت إلى كل هذا الخراب. وبدا أدورنو وكأنه يجسّد في شخصه المثقف الملتزم الانخرط في هدم عصره وقضاياه تماماً كجان بول سارتر في فرنسا.
وفي تلك الفترة حصلت الثورة الطلابية واليسارية التي اكتسحت كل المجتمعات الرأسمالية في فرنسا إلى ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأميركية. وراحت الشبيبة تطالب بالحريات السياسية والاجتماعية والجنسية وحتى الإباحية!
وعندئذ قدمت مدرسة فرانكفورت ذات التوجه الماركسي القاعدة الأيديولوجية للحركات الاحتجاجية من طلابية وعمالية ويسار متطرف، الخ. لقد قدمت لها المصطلحات والأفكار اللازمة لمحاربة الرأسمالية المتقدمة.
يضاف إلى ذلك ان الثورة الطلابية التي ابتدأت بعد عام 1965 في أوروبا كانت تطالب بإصلاح الجامعات ونظام التدريس الذي عفا عليه الزمن، كما كانت تطالب بإيقاف حرب فيتنام الوحشية بالإضافة إلى مطالبها بتدمير العلاقات القمعية داخل المجتمع نفسه. وهي العلاقات التي تربط الأب بالابن، والأستاذ بالطالب، أو رب العمل بالعامل، أو الرئيس بالمرؤوس بشكل عام.
ولكن أدورنو لم يكن مثقفاً مع الطابع الراديكالي للثورة الطلابية. وكان يحاول تهدئتهم فاتهموه بالتواطؤ مع البورجوازية والرأسمالية. وهكذا تحول من مفكر ثوري انقلابي إلى مفكر رجعي محافظ في نظرهم! ومات أدورنو يائساً حزبياً بالسكتة القلبية وهو في الخامسة والستين من عمره.
الكتاب: أدورنو
الناشر: بلاك ويل بوبلشنغ ـ لندن 2005
الصفحات: 712 صفحة من القطع المتوسط
ADORNO
STEFAN MULLER - DOHM
BLACK WELL BUBLISHING
LONDON 2005
P.712