مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية مونيك كانتو ـ سبيربير، وهي فيلسوفة ومديرة بحوث في المركز القومي للبحوث الفرنسية. كما أنها عضوة في اللجنة القومية للأخلاق في فرنسا. وكانت قد نشرت كتباً عديدة مكرسة للفكر القديم أو للتأملات الأخلاقية والسياسية.
ومن أحدث كتبها نذكر: قاموس المبادئ والفلسفة الأخلاقية (2004)، ثم: الأخلاق الإغريقية (2002)، ثم: الهمّ الأخلاقي والحياة البشرية (2001)، ثم قواعد الحرية (2003). هذا بالإضافة إلى كتب أخرى ومقالات عديدة منشورة في مختلف المجلات الاختصاصية، وفي هذا الكتاب الجديد تتحدث المؤلفة عن موضوعات مهمة تشغل الناس جميعاً الآن، ونقصد بها مشكلة صراع الحضارات أم حوارها، ثم العلاقة بين الإسلام والعلمانية أو الإسلام والحضارة الحديثة، هذا ناهيك عن ضرورة تشكيل أخلاق دولية تنطبق على جميع البشر.
لإعطاء القارئ فكرة عن أهمية الموضوعات المطروحة وحجمها ينبغي أن نقدم الهيكلية العامة للكتاب. في الواقع أنه يتألف من ثلاثة أجزاء كبيرة مع مقدمة وخاتمة. وكل جزء ينقسم إلى عدة فصول. فالجزء الأول مثلاً يحمل العنوان التالي: الوضع الحالي للعالم. وتقول لنا المؤلفة بأنه وضع فوضوي في الوقت الراهن.
وسبب ذلك يعود إلى قوى الشر التي تكتسح العالم حالياً، وبخاصة القوى التي تلجأ إلى التفجيرات الإرهابية لزعزعة استقرار العالم. ولكنها تلقي بالمسؤولية أيضاً على القوى العظمى لأنها لا تحاول معالجة أسباب الإرهاب، وإنما تكتفي بمحاربته عسكرياً أو أمنياً وهذا غير كاف على الإطلاق.
فهناك أسباب اقتصادية وسياسية للإرهاب، وعلينا معالجتها إذا ما أردنا القضاء عليه. ثم تردف المؤلفة قائلة: لقد شهد عالمنا المعاصر تزايد التفجيرات الإرهابية. ففي عام 2003 مثلاً حصلت (208) عمليات، أما في عام 2002 فمكان عددها أقل من (199) عملية. وكانت عملية (11) سبتمبر أضخم هذه التفجيرات بالطبع.
ثم تتحدث المؤلفة بعدئذ عن نقاط الضعف التي تعاني منها المجتمعات الديمقراطية الحديثة والتي تستغلها الجماعات الإرهابية. فهناك حريات كثيرة في مجتمعات الغرب، وكثيراً ما يستخدمها الإرهابيون للقيام بأفعالهم القبيحة والمجرمة.
يضاف إلى ذلك أنها مجتمعات منفتحة لا منغلقة على عكس المجتمعات الاستبدادية التي تسيطر فيها الاستخبارات. وبالتالي، فالإرهابيون يستغلون هذه الثغرات الموجودة في المجتمعات الحرة.
ثم تتحدث المؤلفة بعدئذ عن انتشار أسلحة الدمار الشامل من كيميائية وبيولوجية وذرية. وتقول بأن الحركات الإرهابية المتطرفة تحاول الحصول عليها بأي شكل، وإذا ما استطاعت تحقيق ذلك فإنها ستقوم بعمليات إجرامية أضخم بكثير من (11) سبتمبر. عندئذ سننسى (11) سبتمبر ونترحَّم عليها!..
ثم تتحدث بعدئذ عن الهوّة السحيقة التي تفصل بين دول الشمال الغنية المتطورة ودول الجنوب الفقيرة والمتأخرة من حيث التنمية. وتقول إن أحد الأسباب الأساسية للإرهاب يكمن هنا.
وبالتالي فللقضاء عليه أو تجفيف ينابيعه ينبغي أولاً أن نجفف ينابيع الفقر والجوع في العالم الإسلامي والعربي بشكل خاص. فالحريات المتطرفة تظهر هناك بشكل خاص وليس في أي فكان آخر في العالم.
ولكن هذا لا يعني عدم الاهتمام بأفريقيا السوداء أو دول آسيا الفقيرة أو دول أميركا اللاتينية، فمحاربة الفقر ينبغي أن تكون عالية وتشمل جميع المناطق دون استثناء.
ثم تناقش المؤلفة أطروحة صموئيل هنتنغتون عن «صدام الحضارات»، وتقول إن لها وجهاً من الصحة ووجهاً من الخطأ. أما وجه صحتها فهي أنه يوجد خلاف بالفعل بين الفهم الغربي للدين والفهم الأصولي المتشدد. وبالتالي فالصدام كان متوقعاً حتى قبل حصول الضربة.
ولكن الفكر الأميركي أخطأ عندما اعتقد بأن جميع المسلمين متطرفون أو متشددون ويشكلون كتلة واحدة. فالواقع أن المسلمين ينتمون إلى تيارات شتّى مثلهم في ذلك مثل بقية البشر.
ففيهم المتشدد وفيهم المعتدل. والمعتدلون العقلانيون أكثر عدداً بكثير من المتطرفين. والشيء نفسه يمكن أن نقوله عن الرأي العام الغربي. فهناك تيار متشدد هو تيار اليمين المتطرف سواء أكان دينياً أم قومياً. وهناك التيار المعتدل والإنساني وهو الأكبر عدداً بكثير..
وفي الجزء الثاني من الكتاب تتحدث المؤلفة عن أنواع النظم الأخلاقية التي تتحكم بعالم اليوم. وتقول أن هناك أخلاقاً واقعية، ودبلوماسية تنظم العلاقات بين الدول على طريقة كيسنغر. وهي أبعد ما تكون عن الأخلاق بالمعنى الحقيقي للكلمة.
وهناك أخلاق كونية وكوسموبوليتية، وهي تدعو إلى عدم مراعاة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان داخل أراضيها عن طريق قمع شعوبها أو بعض فئاتها لأسباب عرقية أو طائفية، وهي الأخلاق التي يحاول المجتمع الدولي أن يفرضها الآن عن طريق بلورة حق التدخل الإنساني في شؤون الدول الأخرى من أجل إنقاذ شعوبها من تعسف الحكام واستبدادية الطغاة.
ثم تتحدث المؤلفة في الجزء الثالث من الكتاب عن فكرة الحرب العادلة وتقول إنها لا تزال واردة. فالحرب مشروعة ضد الأنظمة الاستبدادية التي تقدم الملاذ والملجأ للحركات الإرهابية كنظام الطالبان في أفغانستان مثلاً. فهذه أنظمة متزمتة ومتطرفة وغير مسؤولة. وبالتالي فهي تشكل خطراً على جيرانها، وعلى المجتمع الدولي ككل، لأنها تخرج على كل النواميس والمعايير والقوانين المشتركة.
ثم تخلص المؤلفة إلى نتيجة متفائلة بمستقبل العالم على الرغم من كل شيء وتقول بما معناه: على الرغم من كل المظاهر الخادعة، فإن عالم اليوم أصبح أكثر أخلاقية من عالم الأمس. على الرغم من كل الفوضى الحاصلة في العراق وإفريقيا السوداء وأفغانستان، فإننا نسير على درب التقدم وتشكيل أخلاق عالمية تتحكم بمصير العالم.
ففي السابق كانت موازين القوى هي التي تحكم العلاقات الدولية، بمعنى أن القوي كان يفرض إرادته على الضعيف. وأما الآن فقد أخذ يتشكل رأي عام دولي، وكذلك قانون دولي يحمي الفقراء أو الضعفاء والمضطهدين لسبب أو لآخر.
صحيح انه ليس كافياً حتى الآن. ولكن النظام الأخلاقي العالمي آخذ بالتشكل والتبلور من خلال الفوضى الحاصلة حالياً والحروب الأهلية والمجازر والتفجيرات الإرهابية، إلخ. وبالتالي فالبشرية تسير في الاتجاه الصحيح الذي كان الفيلسوف الألماني كانط قد تنبّأ به منذ القرن الثامن عشر عندما دعا إلى السلام الدائم بين الأمم وتحكيم القانون والأخلاق في العلاقات الدولية.
ثم تردف المؤلفة قائلة: في الواقع إن القيم الأخلاقية لم تكن في أي يوم من الأيام غائبة عن مسرح العالم. فاحترام المبادئ الإنسانية، والحرص على فعل الخير، والرغبة في تخفيف الآلام عن البشر المظلومين، كلها أشياء كانت موجودة دائماً وفي كل العصور.
وكثيراً ما وقعت قوى الخير والحق في صدامات مروعة مع قوى الشر والباطل. وكان المؤرخ اليوناني الشهير تيوسيدوس قد تحدث عن ذلك منذ القرن الخامس قبل الميلاد. وقال إن هناك أشياء لا ينبغي على الناس أن يرتكبوها في زمن الحرب، كقتل الأطفال، وبقر بطون النساء الحوامل، إلخ. ثم جاءت المسيحية بعد الحضارة اليونانية والرومانية القديمة لكي تؤكد على هذه القيم الأخلاقية وتعممها بشكل أوسع.
ثم جاءت العصور الحديثة وظهر المفكرون العلمانيون الكبار من أمثال غرويتوس في القرن السابع عشر أو روسو وكانط في القرن الثامن عشر. وقد تحدثوا جميعهم عن ضرورة بلورة القانون الدولي الذي يمنع التعسف والاعتباط في استخدام القوة. كما ويمنع الظالم من الإمعان في ظلمه وبطشه بالضعيف.
وراح كانط يدعو إلى بلورة مبادئ كونية لمنع اندلاع الحروب بين الدول الديمقراطية التي تحترم إنسانية الإنسان. وقال إن هذه المبادئ يمكن أن تؤدي إلى السلام الدائم بين الأمم، إذا ما تقيدت بها كل الدول. ولكنه حذَّر في الوقت ذاته من خطورة الأنظمة الاستبدادية على السلام العالمي.
وقال إن هذه الأنظمة عدوانية بطبيعتها على عكس الأنظمة الديمقراطية أو الليبرالية. وبالتالي برّر الحرب ضدها لأنها إذا ما انتصرت سادت البربرية والهمجية في العالم.
ثم تردف المؤلفة قائلة: إن العالم الذي نعيش فيه حالياً مليء بالمخاطر والتهديدات. لكن ما هو وضع العالم وما هي القوى المؤثرة فيه حالياً؟ يمكن القول إن القوة العظمى المهيمنة هي الولايات المتحدة الأميركية. وهيمنتها طاغية في كافة المجالات، من عسكرية، وسياسية،واقتصادية.
ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد قوى أخرى غيرها، فهناك أيضاً الاتحاد الأوروبي الذي هو في طريق التشكل على الرغم من كل العراقيل والصعاب. وهناك أيضاً قوى أخرى صاعدة أكثر فأكثر، كالصين والهند، والبرازيل، وسواها. ولكن هناك دولاً تغطس في البؤس والفقر أكثر فأكثر كمعظم دول إفريقيا السوداء، وكالعديد من الدول الإسلامية والعربية كبنغلاديش وسواها.
وبالتالي فنحن بحاجة إلى تنظيم هذا العالم بشكل أفضل. وهذا الشيء لا يمكن أن يتحقق من دون استئصال المجاعة والفقر المدقع في العالم. وبالتالي تقع على عاتق الدول الكبرى مسؤولية ثقيلة. فهي وحدها القادرة على تغيير مصير العالم نحو الأفضل أو نحو الأسوأ.
الكتاب: الخير، الحرب، الإرهاب
تأليف: مونيك كانتو ـ سبيربير
الناشر: بلون ـ باريس 2005
الصفحات: 359 صفحة من القطع الكبير
LE BIEN,LA GUERRE
& LA TERREUR
MONiQUE CANTO- SPERBER
PLON- PARIS 2005
P. 359