يتفاءل النقاد في الغرب بظهور مجموعة من الكتاب الجدد، الذين يعززون صوت الأصالة في أدب السريالية أو أدب التحول إن صح التعبير، ومن هذه الأصوات الكاتب الياباني هاروكي موراكامي الذي اشتهر بروايتيه «نهاية قصة طائر» و«البئر» وروايته الجديدة «كافكا على الشاطئ»، وجودي بودنيتز بمجموعتها القصصية «طفل أميركي كبير ولطيف».
وقد أثارا اهتماماً كبيراً بأعمالهما المتميزة، الساخرة والسريالية المرتبطة بالواقعية، ويتمثل ذلك فيما تذكره الناقدة غريس بيلي بقولها، «هناك مجموعة من الأدباء يكتبون عن الذي لا يعرفونه في إطار ما يعرفونه: أجنة تمشي وتتحدث من داخل رحم أمها، وياباني يستطيع التحدث مع القطط المنزلية». ويمكن للقارئ والكاتب معرفة بعض مفردات ومحاور هذا العالم المتحول السريالي، من خلال الحوار الذي أجراه أحد المسؤولين من الموقع الالكتروني ذا بورز دي ريدر المختص في الأدب مع الكاتبة جودي بودنيتز.
ـ ما الذي يعنيه العنوان «طفل أميركي كبير ولطيف»، ولماذا اخترته عنوانا لمجموعتك؟
ـ أخذت العنوان من القصة الأولى في الكتاب، وهي قصة امرأة حامل تصمم على التسلل عبر الحدود وولادة طفلها على أرض أميركية. تكرر محاولاتها المرة تلو الأخرى، وهي تردد لنفسها بأنها تريد أن تحظى بطفل أميركي كبير ولطيف.
ويصبح هذا الأمر هاجسها. وتذهب في مسعاها إلى الحد الأقصى من التطرف لتحقيق هدفها. كما يضم الكتاب قصصا أخرى حول الطفل، سواء في حالة الرغبة في الإنجاب، أو في حالة الفقدان حيث يهيمن هذا الأمر كشبح خلال مراحل تتالي الأحداث.
أعتقد بأن هذا العنوان ينسحب في معناه على بعض القصص في مفهوم التحول، في إطار شخصيات لطيفة تتعامل بحسن نية، لكنها عنيدة وجاهلة في ذات الوقت. تلك الشخصيات تمثل أطفالا كبارا إن جاز التعبير. والعديد من القصص تتحدث عن أناس يرغبون في مساعدة الآخرين، ولكن بأسلوبهم وشروطهم، وفي النهاية يتسببون بالمزيد من الضرر بدل الإفادة.
وكلمة «أميركي» كلمة محملة بالمعاني، ومتحولة باستمرار، وبات تحولها مؤخرا سريعا جدا وأكثر من أي وقت مضى. هذه الكلمة اليوم أكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل سنوات.
ربما كان من المحتمل فيما مضى أن تجمع كلمة أميركي ولطيف في جملة واحدة تحمل الصدق، لكنه من المستحيل فعل ذلك الآن من دون الشعور بالتشاؤم. وكلمة «كبير» أيضاً ، بدأ مفهوم معناها بالتغير جذريا لدى إضافتها لكلمة أميركي: باتت الكلمات الحيادية أو الإيجابية تأخذ بصورة مفاجئة معاني قاتمة ثقيلة.
ـ على الرغم من أن عنوان الكتاب يشير إلى أميركا، وقصصه تحمل مجموعة متنوعة ومختلفة من المواقع الجغرافية والبيئة الثقافية، كأنها تمثل بلدانا مختلفة، إلا أنك لا تحددين هوية أي منها بالاسم. لم اخترت هذا التغييب؟
ـ شعرت في بعض الحالات بأن تسمية بعض البلدان بالتحديد سيحد من بعد القصص. ففي القصة الأولى شعرت بأن قولي بأن الأم الحامل من المكسيك يمكن أن يحد من مدى القصة وبطلتها، ويساهم في تأطير مغزاها، أردت أن تمثل هذه المرأة أية امرأة من أي بلد كان، تلك التي تذهب إلى أقصى مدى لدخول الولايات المتحدة وتحقيق فكرتها عن الحلم الأميركي.
كما أردت أن أكون أمينة على الأفكار، من دون الحاجة إلى منح القارئ الفرصة لإسقاط تصوراته أو عكس انطباعاته الخاصة عن شعوب بعض البلدان على القصة، مما يغيب جزءاً من معناها.
فعلى سبيل المثال قصة الرجل الذي يطلب بالبريد الالكتروني عروسا له من المنطقة التي تتنازعها الحروب في دول شرق أوروبا حيث تشكو الشخصيات الأميركية في هذه القصة، من عدم تذكرها لاسم موطن العروس، كما أنه من الصعب تهجئته، وهم غير متأكدين من موقع بلدها، ولا يبدو هذا البلد في نظرهم واقعيا.
أعتقد بأن معظم الأميركيين يشعرون بذلك، فالعالم الخارجي يبدو لهم مجرد مجموعة من الصور الكئيبة التي تعرض خلال الأخبار في محطات التلفزيون. أردت أن أمنح القارئ الفرصة لملء تلك الفراغات بين ماضي تلك المرأة، وما يملكه القراء من تصورات خاصة بهذا الأمر مثل البوسنة وغيرها.
وقد عملت ذلك من خلال مراحل تاريخية وكذلك جغرافية. وتجري أحداث إحدى القصص خلال الحرب الأميركية الأهلية، وأخرى خلال مرحلة المستعمرات، حيث تدور أحداثها في جنوب شرق آسيا في نهاية القرن.
ـ ما الذي ألهمك لكتابة قصة «حماية الوجه» حيث تكتشف فيها امرأة عادية بأن ملامح وجهها مطابقة تماما لصورة رئيس وزراء البلد المنتشرة في كل مكان؟
ـ تدور أحداث هذه القصة في بلد حيث صورة وجه الحاكم حاضرة في كل مكان ومهيمنة على حياة الناس. صورته تظهر في كل شيء، ابتداء من اللوحات الإعلانية الضخمة وانتهاء بدفاتر تلوين الأطفال. ويبدو أن هذا الوجه يتخذ لنفسه حياة منفصلة.
والمدلول بالطبع يعود إلى الأخ الأكبر في عام 1984، أو ماو، أو ستالين والعديد من الأمثلة الأخرى. وفي الحقيقة، بدأت فكرة القصة تراودني مع بداية احتلال العراق. ففي كل مرة أفتح التلفاز لمتابعة الأخبار، أشاهد تماثيل تحطم، أو عراقيين يدوسون بأقدامهم على صور صدام حسين.
وهذا قادني إلى التفكير في القوة المستثمرة في الصور، وصمودها الطويل وفي ذات الوقت سرعة تهاوي تلك القوة. كنت أفكر في صور الإعلانات والشعارات والشخصيات الكرتونية التي تكتسب بصورة تراكمية نفوذا وقوة. أحب أن أرسم كما أكتب، وفكرة كتابة قصة تهيمن فيها صورة وجه واحد فقط كانت تثيرني.
وفي الوقت الذي كانت تماثيل صدام تحطم، بدأت المطاردة لصاحبها شخصيا، ودار كلام كثير حول شخصيات مطابقة له، والتساؤل إن كان يستطيع الجنود تمييزه عن بدائله. بدأت التفكير بالبدائل. كنت أتساءل: كيف سيكون شعور شخص يدرك بأنه نسخة مطابقة لشخص آخر؟ سيما إن كان يكره الآخر. هل ستكره نفسك حينما تنظر في المرآة؟
هل ستنفر منك العائلة والأصدقاء دون وعي منهم؟ وماذا سيحدث إن أجبرت على تقمص دوره، وفرض عليك قبول عقوباته ومواجهة نتائج أفعاله؟
الوجه ذو تأثير قوي بصورة تثير الدهشة. وقد تذكرت ذلك مرة أخرى خلال انتخابات أوكرانيا الأخيرة. فقد لعب وجه فيكتور يوشينكو دورا مهماً سواء في العوارض أو كرمز.
ـ في قصتك «المعجزة» زوجان من العرق الأبيض ينجبان طفلا حالك السواد «كسواد الفحم، الحبر الأسود» كما يقول والده. كيف راودتك تلك الفكرة الجريئة؟
ـ أحد الأسباب التي ألهمتني فكرة تلك القصة، هي حكايات الأطفال الخرافية حينما يستبدل الوحش أحد الأطفال بطفل آخر أو بقصص مثل البطة السوداء وغيرها. تلك الفكرة الغريبة جعلتني أفكر بحدث مشابه.
وعليه قررت تناول تلك الفكرة ولكن بصورة معاكسة. فبدلا من تغيير الطفل، تناولت تغير الوالدين. فكل منهما كان يرصد تغيرات الآخر، والجوانب الجديدة من شخصيتهما التي لم يكشف عنها من قبل، حيث يجبران من خلال الموقف الكشف عنها وإظهارها.
كما أردت أيضاً تناول قضية العنصرية. ليس فقط التمييز بين الأبيض والأسود، بل الخوف بصورة عامة والشك بمن يبدون مختلفين. أردت تصوير شخصيات تحمل وجهة نظر سياسية صحيحة من خلال منظورها الفكري، الذين يعتبرون أنفسهم غير عنصريين، إلا أنهم يشعرون بالحيرة والارتباك حينما يواجهون بواقع طفل لا يشبههم بشيء على الإطلاق.
فهم لا يعرفون كيف يتصرفون، أو ما ذا يفعلون، وكيف يتعاملون مع هذا الموقف، أو حتى كيف يتحدثون عنه. أردت اكتشاف الهوة الفاصلة بين الأفكار والواقع، بين النوايا الحسنة والسلوك اليومي. ورأيت في هذه الفكرة مساحة للسخرية: المواقف الغريبة، الأشياء العجيبة التي يتلفظ بها الناس في لحظات مفاجئة.
إلا أن القصة لا تنحصر في العنصرية فقط، ففيها الغرابة والغموض بشأن الولادة، وإنجاب طفل جديد إلى العالم وإلى بيتك. القصة تتحدث عن مخاوف كل امرأة حديثة العهد بالأمومة، الخوف من أن لا يكون حبها كافيا، أو صحيحا، الخوف من أن يكون شيئا خطيرا في طفلك ولا يدركه أحد، الخوف من تغير حياتك بصورة لم تكن تتخيلها.
ـ العديد من قصصك بنيت حول أحداث سريالية تغريبية. هل ترين نفسك من الكتاب المجربين؟
ـ أعتقد بصورة عامة أن كتابتي أكثر من تقليدية. أحاول أن أكتب الأشياء التي أحب أن أقرأها. وحينما أقرأ، أحب أن أستغرق تماما في القصة وأنسى نفسي، وأنسى أنني أقرأ كلمات في صفحة، وأن أعيش في حقيقة أحداث القصة.
ولفعل ذلك ككاتب، ولاستقطاب القارئ إلى عالم خيالي مثل هذا، فإنك تحتاج لكتابة حدث أو حياكة حبكة مشوقة، وخلق جو من التعاطف، وشخصيات مقنعة تتحدث وتتصرف كشخصيات من لحم ودم، كما تحتاج لخلق عالم مليء بالمشاهد الحيوية والتفاصيل، والغموض مع ربطه بالمشاعر.
جميع هذه الأدوات تعد من أسس الكتابة التقليدية لفن القص الخيالي. وأعتقد أن سبب وصف كتاباتي على أنها سريالية أو غريبة يعود لاختيار الموضوع. أحب أن أكتب عن الأشياء التي لن ولا يمكن أن تحدث في الحياة الواقعية.
أحب أن أضع شخصيات واقعية في ظروف غير واقعية، فالأشياء المستحيلة والسحرية والمريعة يمكن أن تحدث في قصصي، ولكن هذه الشخصيات تقاد دوما بذات المشاعر الإنسانية التي نشترك فيها جميعا.
ـ معظم قصصك تركز على العلاقة بين النساء - الأمهات وبناتهن والأخوات. ما كان هدفك من ذلك؟
ـ وجدت على مر الحياة، بأن العلاقات العائلية أمر محير بلا نهاية. فعلى سبيل المثال، هناك بعض الأشخاص الذين يرون بأن الأخوات أو الأمهات هن امتداد لهم أو لوجودهم، وعليه فإنهم يحبونهم بصورة مطلقة أو يكرهونهم بصورة متطرفة وأكثر مما يستحقن.
ففي قصة «صرف المياه»، تسعى الأم والابنتان بصورة قاسية لحماية بعضهن البعض من القلق مما يفقدهن حدود شخصية كل منهن، حتى أنهن يصلن إلى الحد الذي يجرين فيه الفحص الخاص بسرطان الثدي بدلا عن بعضهن البعض.
أما في قصة «أرض الأم»، فإن مجموعة من النساء الحوامل يسعين بسبب اغتصابهن من قبل الأعداء خلال الحرب، إلى حماية أطفالهن من نفس المصير الذي واجهنه، ولكن على الرغم من ذلك، أو بسبب جهودهن المبالغ بها، تواجه بناتهن ذات المصير مرة أخرى.
وهناك أيضاً التغير الذي يطرأ على العلاقات العائلية مع مرور الزمن. فكل من قصة «صرف المياه» و«الزوار» تركز على اللحظة التي يكبر فيها الأطفال، حيث ينتقل التوازن وتنقلب الأدوار، فحينما يتوقف الوالدان عن رعاية أطفالهما، تنعكس الآية ويبدأ الأطفال بالعناية بهما.
وجدير بالذكر أن جودي تكتب حاليا رواية، ولم تصرح عن فكرتها أو موضوعها، فهي تعمل على أشياء عديدة لم تتناولها سابقا. وهذا الأمر يشكل جانبا من الآثار والمتعة لها وربما للقارئ لاحقاً.
رشا المالح