سمير فريد ناقد سينمائي عرفته السينما المصرية قبل أكثر من أربعين عاماً، إذ تتحيز كتاباته إلى الصورة النظيفة المصنوعة من الأفكار والمشاعر. صدر له العديد من الكتب التي تقرأ في السينما العربية والعالمية منها:

«اتجاهات ومخرجون في السينما الأميركية» و «السينما اليابانية». في كتابه «الموجة الجديدة في السينما المصرية» يدرس في بنية أربعة وثلاثين «34» فيلماً أنتجتها السينما المصرية منذ بداية التسعينات من القرن الماضي وحتى 2003، فيعرفنا فيها على عدد من المخرجين من جيل الواقعية الجديدة، والموجة الجديدة، وعلى أصحاب التجارب والعلامات.

وعلى «الأستاذ» يوسف شاهين. ويرى أن هناك عدداً من الأفلام المهمة التي صنعها مخرجو الموجة الجديدة في السينما المصرية لم تقدر حق قدرها لأسباب أو أخرى، مثل «إعدام قاضي» إخراج أشرف فهمي، و «كابوريا» إخراج خيري بشارة عام 1990، «سمع هس» و «يا مهلبية يا» إخراج شريف عرفة.

و «البحث عن سيد مرزوق» إخراج داوود عبد السيد، و«المواطن مصري» إخراج صلاح أبو سيف 1999، و «أي أي» إخراج سعيد مرزوق، «آيس كريم في جليم» إخراج خيري بشارة 1992، و «مرسيدس« إخراج يسري نصر الله 1993، و «زيارة السيد الرئيس» إخراج منير راضي عام 1994.

و «لحم رخيص» إخراج إيناس الدغيدي 1995، و «ليلة ساخنة» إخراج عاطف الطيب، و «نزوة» إخراج علي بدر خان 1996، و «مبروك يا بلبل» إخراج ساندرا نشأت 1998، وقد فازت بعض هذه الأفلام بجوائز جمعية النقاد وجمعية الفيلم، ولكنها رغم ذلك لم تقدر بما هي جديرة به.

هذه الأفلام إلى جانب غيرها، يتناولها سمير فريد بالدرس والتحليل، لكنه يعتبر أن هذه الأفلام التي هي من أفلام الموجة الجديدة، لها بذور واقعية في العمق البعيد للسينما المصري، كان قد وضعها ـ وضع بذورها ـ كمال سليم .

وكامل التلمساني في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات، وحينها كانت تمرداً على سينما التليفونات البيضاء لمحمد كريم وبدر خان ونيازي مصطفى. وهي الواقعية التي وصلت إلى ذروة نضجها في أفلام صلاح أبو سيف وتوفيق صالح ويوسف شاهين في نهاية الخمسينات وبداية الستينات.

وكانت تعبيراً عن جيل ثورة يوليو. ثم جاءت الواقعية الجديدة التي صنعها جيل الستينات، ووصلت إلى ذروة النضج في الثمانينات، تعبيراً عن جيل النكسة الذي ر فض النكسة، ورفض في الوقت نفسه واقعية أبو سيف وصالح وشاهين، وصنع «واقعية بلا ضفاف» على حد تعبير روجيه غارودي.

ورفض الجديد للقديم في الفن ـ لا يعني أن الجديد قد انقطع عن القديم، ربما الجديد يحاول ان يقطع. ينقطع. لكنه في النهاية يختلف من دون أن ينقطع. ففي أفلام كمال سليم أصداء من أفلام نيازي مصطفى الأولى، وفي أفلام عاطف الطيب أصداء من أفلام صلاح أبو سيف الكبرى في نهاية الخمسينات، ولو لم يفتح يوسف شاهين أبواب التمرد على الواقعية من «باب الحديد» إلى «الاختيار».

لما كان «أوفوكاتو» رأفت الميهي وثلاثيته من النساء والرجال، و «سيد مرزوق» داوود عبدالسلام، و «كابوريا» خيري بشارة، ومن رحم الواقعية الجديدة جاء «برنس» فاضل صالح، ثم ثلاثية شريف عرفة وماهر عواد، ومن رحم هؤلاء جاء سعيد حامد وأسامة فوزي، وساندرا نشأت وأحمد عاطف وغيرهم من مخرجي جيل التسعينات.

لقد كان جيل الواقعية هو جيل الثورة، وكان جيل الواقعية الجديدة هو جيل النكسة، أما جيل التسعينات أو جيل الواقعية السحرية فهو جيل العالم الجديد الذي يولد على أنقاض العالم القديم الذي تهاوى مع سقوط الحلم الاشتراكي عام 1989، وسقوط الحلم العربي عام 1990.

وصعود الفاشية من جديد بأشكال جديدة في كل مكان في العالم من كاليفورنيا إلى البوسنة، ومن إيران إلى ملوي، ومن تل أبيب إلى الخرطوم، ورغم أن «مرسيدس» يسري نصر الله مثل «مومياء» شادي عبدالسلام.

ومثل أفلام قليلة أخرى تبدو خارج هذا التاريخ الذي للسينما المصرية، إلا أن لها تأثيرها الكبير على هذا التاريخ، ولم لم يكن «مرسيدس» الذي وصل إلى نهايات الطرق التي فتحها يوسف شاهين فكرياً وفنياً لما كان من الممكن أن يأتي «عفاريت الاسفلت» أول أفلام أسامة فوزي، الذي كتبه مصطفى ذكري، والذي يعتبر الإعلان الحقيقي لميلاد جيل التسعينات في السينما المصرية.

والذي يعتبره سمير فريد بأنه خرج من معطف خيري بشارة وداوود عبد السيد ورأفت الميهي وعاطف الطيب ومحمد خان.

ومن الأفلام التي يتحمس لها الناقد سمير فريد والتي صنعها جيل الواقعية الجديدة فيلم «أرض الخوف» المأخوذ عن رواية «أولاد حارتنا» التي نال عليها نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب.

وقام بإخراجه داوود عبد السيد الذي يعتبره سمير فريد بأنه من أكثر مخرجي مصر تأثراً بالسينما الأميركية الهوليودية، وهي أن يكون للفيلم أكثر من مستوى للتلقي، فمن الممكن إزاء «أرض الخوف» تلقي الفيلم باعتباره عن الصراع بين الشرطة وتجار المخدرات، ومن الممكن تلقيه باعتباره عن عذاب الإنسان بين الشك والإيمان.

وفي الحالتين يكون التلقي صحيحا لأنه من داخل الفيلم وليس من خارجه. وكذلك يتحمس لفيلم «ليه يا بنفسج» للراحل رضوان الكاشف لأنه فيلم يدعونا إلى تأمل الحياة، وإلى الإحساس بمعاناة الآخرين، وينتزع الأمل في المستقبل من خلال كشف قدرة الإنسان على أن يحيا رغم كل الظروف.

وفي لقطة واحدة تتجسد من الذاكرة تكثف كل هذه المعاني وهي لقطة عامل المجاري الذي يخرج من البالوعة عارياً تماماً ليلقي بنفسه في النيل ويستحم.

أما فيلم «ثلاثة على الطريق» وهم رجل وامرأة وصبي لمحمد كامل القليوبي، يعتبر أنشودة سينمائية في حب الوطن حتى يكون بالعلم والعمل محلاً للسعادة المشتركة كما قال رفاعة الطهطاوي ـ وهو أيضا نموذج للفيلم السياسي من حيث تعبيره عن القضايا السياسية المثارة من زمن إنتاجه، إذ يتصدى لخطر الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، والصراع بين اليمين واليسار، ذلك بعد سقوط العالم القديم الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية.

غير أن فيلماً آخر هو «فيلم هندي» لمنير راضي من إنتاج 2003، والذي يتقاطع مع «ثلاثة على الطريق» في الموضوع نفسه حول علاقة المسلمين بالمسحيين الأقباط في مصر، في زمن يرتفع فيه صوت التطرف الديني ليهدد الوحدة الوطنية ـ قد ظلم كثيراً.

وهو فيلم ظلمه عنوانه مثلما ظلمه «موضوعه» فقد اعتذر عن عدم الاشتراك في تمثيله العديد من الممثلين والممثلات من المسلمين والمسيحيين بسبب حساسية الموضوع. وتم حذف عدة مشاهد تعبر عن الاتجاهات المتطرفة عند الطرفين بواسطة مدير جهاز السينما، بل وفرض المدير ذاته تصوير مشهد جديد حذفه المخرج من النسخة النهائية.

كما غير اسم الشخصية المسيحية القبطية من صامويل إلى عاطف، وانتقلت الحساسية نفسها إلى الرقابة عند إجازة الفيلم للعرض في مصر، وأخيراً مني بفشل جماهيري كبير ربما أيضا بسبب هذه الحساسية المزعومة. لكن على كل ليس فشلاً لأفلام الموجة الجديدة،.

في السينما المصرية، فقد جمعت هذه الأفلام بين كل أنواع السينما بمفهوم نظرية الأنواع، من الموسيقى إلى الكوميدي، ومن التاريخي إلى الواقعي، كما تجمع أيضا المخرجين المؤلفين بمفهوم نظرية المؤلف، والذين يقودهم يوسف شاهين وأعلام جيل الثمانينات وجيل التسعينات.

وإذا كان جيل الثمانينات أو جيل الواقعية الجديد من المؤلفين قد وصل إلى ذروة النضج، وخاصة في أفلام عاطف الطيب وداوود عبد السيد وخيري بشارة ومحمد خان ورأفت الميهي، فإن أفلام جيل التسعينات أو جيل الواقعية السحرية أو الموجة الجديدة يحاول أن يفتح آفاقاً مختلفة.

وخاصة في أفلام محمد كامل القليوبي وأسامة فوزي ومجدي أحمد علي ورضوان الكاشف وسيد سعيد وساندرا نشأت وزكي فطين عبدالوهاب وكريم جمال الدين، ولعل الأفلام الثلاثة التي تلفت الانتباه عام 2000 «الأبواب المغلقة» و «المدينة» و «عمر 2000» تعكس بشائر سينما القرن الجديد في مصر والتي تتجاوز التصنيفات إلى إبداع «يجعل العمل الفني صعباً» في ذاته، وتلك هي ذروة الإبداع.

أنور محمد

الكتاب: الموجة الجديدة في السينما

المصرية ـ دراسة

الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2005

الصفحات: 240 صفحة من القطع الكبير