مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي الأصل برينو تيرتري. وهو عضو في معهد البحوث الاستراتيجية في باريس، وكان حتى عام 2001 مديراً للشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية، كما أنه أستاذ زائر في أحد مراكز البحوث الأميركية في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا والمدير السابق للجنة الشؤون المدنية في حلف الأطلسي.
وكان قد نشر سابقاً مقالات عديدة بالإنجليزية والفرنسية. ومن كتبه السابقة نذكر: «السياسات الذرية في أوروبا» (بالإنجليزية، مطبوعات جامعة أكسفورد 1999).
وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف صورة عامة عن سياسة بوش بعد ضربة 11 سبتمبر، ويرى الباحث أن السياسة الخارجية الأميركية شهدت ثورة أو قطيعة كاملة مع الماضي في عهد بوش الابن ولكي يوضح ذلك فإنه يعود قليلاً إلى الوراء لكي يشرح لنا كيف كانت السياسة الخارجية لبوش الأب وبيل كلينتون، وكيف أصبحت في عهد بوش الابن.
فهناك فرق كبير جداً بين السياستين. الأولى كانت سياسة واقعية تقوم على الدبلوماسية وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. كما وكانت تتسم بالحذر والحيطة والهدوء.
وأما الثانية فقد أصبحت سياسة مغامرة تقوم على القوة العسكرية الضاربة وحق أميركا في التدخل في شؤون الدول الأخرى كما تشاء وتشتهي. كما أنها تقوم على الضربات الاستباقية للدول أو القوى التي تعتبر أنها تشكل خطراً على أمن الولايات المتحدة.
ثم يقول المؤلف إن العالم كله أصبح مسرحاً للعمليات العسكرية الأميركية في عهد بوش الابن وسبب ذلك يعود إلى أن الأمم المتحدة بدت عاجزة عن حل الأزمات بالطرق السلمية فهي غير قادرة مثلاً على مواجهة الدول المارقة أو الحركات الإرهابية التي لا تفهم إلا لغة القوة. وقد فهمت إدارة بوش ذلك بعد 11 سبتمبر، ولذلك تجاوزت الأمم المتحدة وقررت أن تتصرف بمفردها.
ويرى المؤلف أن ضربة 11 سبتمبر الغادرة والمؤلمة أدت إلى توحيد الشعب الأميركي حول قيادته السياسية وحتى الخلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين تبخرت أو ضعفت كثيراً من أجل مواجهة العدو الخارجي الذي استطاع أن يهدد أمن الولايات المتحدة في عقر دارها.
وهذا رد فعل كلاسيكي لجميع الشعوب عندما تشعر بأنها مهددة من الخارج. ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه: لقد أسست الولايات المتحدة الأميركية استراتيجيتها الجديدة على الأطروحة المركزية التالية: وهي أن المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة عاجزة عن مواجهة الأشكال الجديدة للحرب الإرهابية وكذلك فهي عاجزة عن مواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل من كيميائية، وبكتيريولوجية، وذرية.
ولذلك منعت أميركا الأصوليين من الوصول إلى سدّة الحكم في باكستان لأنهم لو وصلوا لأصبحوا يتحكمون بالقنبلة الذرية! وهذا الشيء يشكل خطراً على العالم كله وليس فقط على الهند أو الولايات المتحدة، فالأصوليون المتطرفون أشخاص لا مسؤولون ويمكن أن ينخرطوا في مغامرات لا تُحمد عقباها ولذلك ينبغي منعهم من الوصول إلى هذه الأسلحة الخطيرة.
كما أسست الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة على الاقتناع الأساسي التالي: وهو أن أي تفاوض مع القوى الإرهابية أو الأنظمة المارقة كنظام صدام مثلاً، شيء عبثي ولا معنى له لأنه لن يؤدي إلى أي نتيجة، ووحده استخدام القوة المسلحة يمكن أن يقضي على هذه القوى والأنظمة الإرهابية.
وترفض الولايات المتحدة منظور الأمم المتحدة الذي يقول إن كل دول العالم متساوية أمام المؤسسة الدولية ففي رأيها أن هناك دولاً غير مسؤولة ولا يمكن أن نضعها على قدم المساواة مع الدول العقلانية المسؤولة وبالتالي فإن السياسة الواقعية على طريقة كسينغر لم تعد واردة مع هذه الدول، ولا كذلك السياسة الانعزالية لبعض الإدارات الأميركية.
فهم يقولون بما معناه: إذا ما انعزلنا عن العالم وكففنا عن التدخل في شؤونه فإنه سيكف عن التدخل في شؤوننا، وهذا غير صحيح، وأكبر دليل على ذلك ضربة 11 سبتمبر، وبالتالي ينبغي أن نتدخل في شؤون العالم لكي نضرب قوى التطرف والشر حيثما كانت قبل أن تضربنا.
ثم يقول المؤلف أيضاً: ينبغي أن نضيف إلى كل ذلك الدور الذي تلعبه بعض القوى الداخلية التي تصاعدت أهميتها في الولايات المتحدة مؤخراً، ونذكر من بينها ثلاثة تيارات كبرى: كالتيار القومي اليميني داخل الحزب الجمهوري على طريقة رامسفيلد وديك تشيني، والتيار الخاص بالمحافظين الجدد.
وتيار الأصولية البروتستانتية المتمركز بشكل أساسي في الولايات الجنوبية لأميركا والأصوليون المسيحيون يشكلون نوعاً من رد الفعل على فلسفة الأنوار التي سيطرت على أوروبا وأميركا من القرن الثامن عشر والتي أدت في نهاية المطاف إلى تشكيل حضارة مغرقة في الماديات واللذات والشهوات وبعيدة كل البعد عن الروحانيات.
كما أنها تنتهك الأخلاق التقليدية الحميدة وبخاصة فيما يتعلق بمشكلة الجنس والحياة الجنسية، فلم يعد هناك من رادع ولا وازع وانتشر الشذوذ الجنسي وعمَّت الإباحية.
وكل ذلك أدى إلى حصول رد فعل في الأوساط المحافظة الأميركية وساهم في تقوية الأصولية المسيحية وبالأخص الإنجيلية أو البروتستانتية، ثم يردف المؤلف قائلاً: «وبالتالي فضمن هذا السياق العام راحت الولايات المتحدة تعتمد على قواها الذاتية فقط، لكي تحارب القوى المارقة أينما كانت.
ولم تعد تؤمن إلا بالقوة العسكرية، كما أنها لا تولي أية أهمية لأوروبا لأنها ليست موحدة عسكرياً وسياسياً كما هي موحدة اقتصادياً، وبالتالي فهي لا تشكل قوة يمكن الاعتماد عليها.
أما أعداؤها فيعرفون أنهم لن يستطيعوا مواجهتها، أو إلحاق الأذى بها إذا لم يمتلكوا أسلحة الدمار الشامل، وبخاصة السلاح الذري ولذلك يحاولون بأي شكل الحصول عليه، وتحاول هي بأي شكل منعهم من تحقيق ذلك، ولهذا السبب فهي تحاول منع إيران من صنع القنبلة الذرية بأي شكل.
والواقع أن المؤلف الذي هو اختصاصي كبير في العلاقات الدولية يقدم لنا هنا صورة عامة عن خفايا السياسية الخارجية الأميركية، انه يتحدث بالتفصيل عمن يبلورون هذه السياسة يوماً بعد يوم، كما يتحدث عن أهدافها الحقيقية.
وهو ينقض الكثير من الأوهام الشائعة عن أميركا وقيادتها الحالية وسياستها، فهو مثلاً يقول لنا إن حرب العراق ليست من أجل البترول على عكس ما توهم معظم الناس، منذ البداية، لماذا يقول المؤلف ذلك بكل ثقة واطمئنان؟ لأنه يعرف أن الولايات المتحدة بلورت استراتيجية كاملة للتزود بالبترول من مختلف مناطق العالم وليس فقط من الشرق الأوسط فهي تعتمد على أفريقيا وآسيا الوسطى (بحر قزوين) ومناطق أخرى.
وبالتالي فإن هذه الاستراتيجية لم تكن بحاجة إلى تدخل عسكري ضخم في العراق، وحتى لو كانت أميركا بحاجة إلى بترول العراق فإنها تستطيع الحصول عليه بطريقة أخرى غير الحرب.
ثم يردف قائلاً: لا ينبغي أن نأخذ خطاب بوش عن محور الشر والدول المارقة على حرفيته، فالعراق وإيران وكوريا الشمالية ليست خطرة بنفس الدرجة بالنسبة له.
وحده عراق صدام حسين، كان يشكل هدفاً حقيقياً لأسباب شتى منها محاولة صدام اغتيال الرئيس بوش الأب أثناء زيارته للكويت بعد انتهاء رئاسته، ومنها أيضاً أن صدام هو الوحيد الذي تحدى القوة العظمى صراحة وعلى رؤوس الأشهاد بل وأعلن فرحته العارمة بضربة 11 سبتمبر.
وبالتالي فإزاحته أو قلب نظامه كله كان قد أصبح أمراً محتوماً منذ زمن طويل، وهذا يعني أن بوش لن يعامل الدول الأخرى التي تشكل محور الشر بنفس الطريقة، فهو لن يغزو ليبيا مثلاً لأنها غيرت سياستها في الوقت المناسب، وعرفت كيف تتعامل معه، وتأخذ موازين القوى الدولية بعين الاعتبار، ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن كوريا الشمالية، أو حتى إيران، وإن كانت هذه الأخيرة لا تزال تطرح مشكلة.
ولكنها أصبحت ضرورية بالنسبة لأميركا من أجل تحقيق الاستقرار في العراق ذي الأغلبية الشيعية وفي أفغانستان ذات الأقلية الشيعية الكبيرة. ولذلك فإن العلاقة بين أميركا وإيران لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وسوف تحصل تطورات عدة لاحقاً، إما سلباً أو إيجاباً أو الاثنين معاً.
ويرى المؤلف أن الولايات المتحدة قد تغريها الفكرة التالية: وهي إقامة تحالف مع إيران الشيعية لمواجهة باكستان والسعودية، حيث يسود المذهب السني وحيث يلقى خطاب ابن لادن والقاعدة آذاناً صاغية عدة ولكن انتخاب رئيس إيراني متشدّد مؤخراً لا يساعد على إقامة مثل هذا التحالف.
نقول ذلك على الرغم من أن هذا الرئيس لم يقل كلمته الأخيرة بعد. يُضاف إلى ذلك أنه ليس هو وحده الذي يحكم إيران، فهناك المرشد الروحي علي خامنئي الذي يعتبره الكثيرون بمثابة الحاكم الفعلي للبلاد.
ولكن الفلسفة التي تتحكم بالسياسة الخارجية الأميركية لا تزال هي الفلسفة البراغماتية أو الذرائعية العلمية وبالتالي فبوش قد يتخلى عن المحافظين الجدد الأصوليين إذا ما تبيّن له أن آراءهم خاطئة ولا تؤدي إلى نتيجة ملموسة. وقد يصبح واقعياً على طريقة كيسنغر، وإن كان ذلك مستبعداً في الوقت الحاضر.
الكتاب: حرب لا نهاية لها
تأليف: برينو تيرتري
الناشر: الصحافة الجديدة
نيويورك ـ لندن 2005
الصفحات: 148 صفحة من القطع الصغير
WAR WITHOUT END
BRUNO TERTRAIS
THE NEW PRESS - NEW YORK - LONDON 2005
P. 148