استهلت لوثيا إتشباريا عملها الأدبي مقدمة شهادة مباشرة وناقدة لإشكالية راهنة تطوق ميدان عدم الرضا لدى الناس الشباب وخصوصاً النساء منهم، في بداياتها.
تصدت الكاتبة لهذه المسائل بشغل كبير وبرؤية جيدة لاختيار مواد معبرة من بين المواد الكثيرة التي يقدمها الواقع وبحاسة سمع جيدة لنقل تلك المواد عبر نثر مباشر وفعال رغم ارتكابها بعض الهفوات خصال الكاتبة المبتدئة هذه راحت تتلاشى في زمن قصير، في الوقت ذاته الذي راح فيه بيان سيرتها يراكم جوائز كثيرة بصورة تثير الفضول.
الطريف في ميوعة الشباب تلك المثيرة للاهتمام تحول، مع وصول رواية «معجزة متزنة»، إلى كتابة روتينية في قالب نفساني تقليدي ومن دون أي جدارة فيما يتعلق بالأسلوب.
هذه هي الخطوط العريضة المسيطرة لقصة مطولة مكونة من 400 صفحة تروي فيها فتاة تدعى إيفا لابنتها المولودة حديثاً تفاصيل حياتها وهي تفعل ذلك على صفحات يوميات تغطي كل تاريخها، منذ الطفولة حتى إنجابها لطفلتها.
وفي الواقع، فإن الأمر يتعلق باعتراف موجه بفكرة إرشادية تقوم على تقويم أخطاء الماضي من منظور نقطة توازن الحاضر مسار إيفا المبهم والمضطرب يتعارض مع الاستقرار الحالي الناجم عن التقاء عدد من التطورات على غرار حب الابنة والزوج المتودد ودخولها في إطار عائلي.
وهذه النهاية فيها الكثير من التقليدية المألوفة، ذلك أنها تقبل تلك التأثيرات الإشكالية التي تقاطعت مع حياتها كما هي وتستبدل، كرمز أعلى، عاطفتها إزاء عشاقها السابقين بالمعاملة الهادئة والتافهة تقريباً لوالد ابنتها. ناهيك عن أن ذلك المسار الإجمالي يُفهم كرؤية دورية للوجود.
وعلى هذا النحو، فإن الرواية تنطلق من أنموذج ثابت وتنحرف باتجاه آخر مضروب أيضاً. تبدأ بطرح التمرد ضد عالم «فرخ بط بشع» (إيفا الطفلة المكتنزة والقصيرة وذات الصدر الكبير) وتنتهي كحكاية تعليمية وناضجة تقود إلى تقدير الواقع المشترك دون حماس. كما تكتب إيفا اعترافها بقصد تعليمي، إذ أنها تكرسه لتثقيف ابنتها.
اليوميات تربط تجربتين أساسيتين، الأمومة وموت الوالدة. وفي الشأنين ترصد المؤلفة أساساً متيناً لموضوعها، لكنها لا تستفيد منهما إلا قليلاً، مقدمة تساهلات مستمرة وثابتة. وبدل أن تلاحظهما بدقة فكر وأن تغوص في هذين الدافعين، فإنها تبتذلهما بصورة سوقية.
والشيء نفسه تفعله مع بقية الموضوعات، حيث تتقدم المعطيات في نوع من التقليدي المسطح، المليء بالأفكار المبتذلة والتعليقات الاصطلاحية. أمام الأوضاع الجائرة والصدمات النفسية التي تتناولها، فإنها تُقدم بقصدية إسقاطية نمطية تنتمي لما يسمى بالأدب العاطفي.
وفي الوقت نفسه، فإن هذه القصة تمتلئ من حين إلى آخر بتعليقات مزهوة أو بمظهر فلسفي أو ذهني أو بأسرار الذات ورغم وجود شخصيات تتمتع بوزن كبير مثل الأم أو الزوج، إلا أنها تبدو قابعة في هيئة غير كافية وتزخر بالمزيد من تبسيطات البلاط المانوي التي تقنع بالتمييز بين الخير والشر.هذا الوهن في القصة وفي الشخصيات يسير جنباً إلى جنب مع أسلوب إما فقير وإما أخرق.
فهناك أخطاء وقلة أدب (أكثر من مرة تخطى المعنى الدقيق للمفهوم) وهناك تقصيرات كذلك (سجع يمكن اجتنابه بسهولة) وقبل هذا وذاك يبدو ملفتاً للانتباه أن تعبر إيفا، وهي كاتبة، عن نفسها بنثر وظيفي بهذا القدر الكبير من دون أي بريق تعبيري ذي مغزى وأن تتقدم وكأنها تستخدم مشّاية طفل (تحتاج حتى إلى إساءة استعمال تصريف فعل).
إنه لمن المؤسف حقاً أن تأتي لوثيا إتشباريا، إما بسبب العجلة أو بسبب الرغبة في البيع أو لأي سبب كان، لتقدم حكاية مملة وبالية بهذا القدر وتستسلم لهذا الأدب عديم الجاذبية، الذي يخفض المتطلبات الفنية إلى مستويات وضيعة.
لكن مقارنة مع روايتها السابقة «عن كل ما هو مرئي وغير مرئي»، الحاصلة على جائزة «بريما فيرا» عام 2001، فإن لوثيا إتشباريا تحق مع «معجزة متزنة» بعض الإنجازات.
حيث تواصل مؤلفة «بياتريث والأجساد السماوية» الحاصلة على جائزة «نادال» عام 1998، تأكيد التزامها بسرد الحاضر بحذافيره، بحيث يتملك المرء انطباع بأن ذلك الزخم كبير جداً إلى درجة يصبح من الصعب معها إيجاد شكل روائي يقدم بصورة مفهومة تلك الكتلة المعلوماتية المنصهرة، حيث من غير المؤكد أنه يمكن الحديث عن أفكار أو عن رغبات لا يمكن التغلب عليها في كتابة التاريخ الإخباري لأسبانيا المعاصرة.
هذه الإشكالية ليست جديدة في أي أدب في العالم، حتى أنه ثمة شك بأن تكون إشكالية إن تمت السيطرة عليها وحُولّت مقابل جرعات لا بأس بها من الأسلوب الروائي. الأسلوب على وجه التحديد أو بالأحرى نقضه هو الأمر الذي يمكن الحديث عنه عند التعليق على رواية «معجزة متزنة».
يبدو أن الرواية هي رسالة تكتبها إيفا اغويو، وهي صحافية مشهورة جداً كونها ألّفت كتاباً كلفت به وحقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً، وهذه الرسالة موجهة إلى ابنتها التي لم يتجاوز عمرها بضعة أيام. كما أن تلك الرسالة (أو الرواية التي نقرأها) تسير جنباً إلى جنب مع يوميات تدلنا على المدة الحقيقية للحكاية وهي لا تتجاوز بضعة أشهر.
وجهة النظر هي إنجاز أيضاً بالنسبة إلى الرواية السابقة للكاتبة، فهناك شخص متكلم يطلق العنان لنفسه لكنه لا يقع في الفوضى التي يقع فيها في «عن كل شيء مرئي وغير مرئي».
وهنا بوسعنا الحديث عن غياب الأسلوب ونحن نعلم أن هذا لا يبدو مقلقاً كثيراً بالنسبة لإتشباريا، لأن ما يهمها في المقام الأول هو السرد وإظهار اختلافها مع العالم.
لكن بوسع القارئ أن يتساءل: ما الذي وقفنا عليه في النهاية؟ وهل ما نحن بصدده له مظهر الرواية أم اليوميات أم الرسالة؟ وإذا كان كل ذلك معاً، فبأي اتجاه يخدم وما علاقة كل هذا بالموضوع الإنساني الذي تعرض له؟
الرواية لا تعطي أي إجابة، لكنها تقدم مواد على علاقة بالنشاط الإنساني على غرار وصف كتاب كونراد لوريثا وإحصائيات حول الرضاعة والجرائم البيئية وحول النظام الصحي الأسباني وتأويلات مقزمة حول فرويد والإدمان على الكحول .
.. لكن هذا التكديس للمواد لا يخدم، لسوء الحظ، أبداً من أجل إبراز أهمية أحد محاور الرواية والمتمثل بذلك النبض للحياة والموت (الذي كانت قد عملت عليه في «حب وفضول وشك») والذي يرسم وصف موت والدة الروائية واليقظة المستجدة في حياة المرسلة إليها الرسالة.
أما الثلث الأخير من الرواية عندما تكون والدة الراوية قد ماتت، فإنه يقدم للقارئ كل عدم كفاءة لوثيا إتشباريا في تحريك المشاعر الحقيقية، مما لا يدع مجالاً للشك بأن هذه سخرية حقيقية آخذين بعين الاعتبار الجهد الذي تبذله المؤلفة في سبيل سرد قصص المحبين والكارهين.
ففي هذا الجزء الأخير من الرواية، ينتظر المرء الجملة أو الفقرة الإعجازية (ذلك أنه كثيراً ما يتم الحديث عن معجزات) التي تعطي الرواية مضموناً أصيلاً. لكن هذه الرواية لا تحلق أبداً ولا تتخطى مستوى المماحكات العاطفية.
* محاكمة لاحقة
الكتاب: معجزة متزنة
تأليف: لوثيا إتشباريا
الناشر: بلانيتا ـ مدريد 2004
الصفحات: 432 صفحة من القطع المتوسط
UN MILAGRO EN EQUITIBRIO
LUCIA ETXEBARRIA
PLANET - MADRID 2004