تمثل «أفعال إيمانية»، الرواية الجديدة التي تزعزع الوجدان للكاتب فيليب كابوتو، لحقبة الحرب الأميركية على العراق، ما مثلته رواية «الأميركي الصامت» لغراهام غرين لحقبة الحرب الأميركية في فيتنام: قصة رمزية عن المغامرات الأميركية في الخارج ومخاطر التعصب التبشيري، حكاية كونرادية عن تخبط المثالية، الجشع الرأسمالي الذي يقدم بثوب الخيرية الأبوية، الجهل المتخفي في رداء التعاطف. أحداث الرواية تدور في معظمها في العقد الأخير من القرن العشرين في ذروة الحرب الأهلية السودانية.
«أفعال إيمانية» تستفيد من تجارب كابوتو الشخصية المباشرة، خلال الحرب، وتقاريره الميدانية لسرد قصة عن أميركيين اثنين يذهبان إلى السودان لبدء حياة جديدة هناك. هدفهما المعلن هو نقل المساعدات إلى المتمردين الجائعين «الذين يحاربون حكومة إسلامية في الخرطوم»، غير أن هدفهما الحقيقي شخصي وأناني.
دوغلاس بريثوايت، طيار أميركي جذاب الشخصية يزعم أنه كان طياراً في القوات الجوية الأميركية وشارك في حرب الخليج الأولى، يحاول التغلب على مشكلاته النفسية والعائلية، ببدئه عملاً مربحاً، حيث يعمل طياراً مع مؤسسات الإغاثة الدولية، ويقود طائرات المعونات إلى المناطق الخطرة التي لا يذهب إليها أي إنسان. وهو عمل على ما يعتقد سيكون مفيداً لطموحاته التجارية ونوازعه الخيرية.
أما كوينيت هاردين، فهي مسيحية إيفانجيلية تعمل لصالح مجموعة حقوق إنسان، تنظر إلى نفسها على أنها تنفذ مشيئة الرب، وترى عملها بأنه تمييز لدورها كبطلة عن باقي الناس الذين نشأت معهم في أيوا. إنها طريقة تمكنها من أن تصبح بطلة في دراما مغامرات من صنعها هي.
الشخصيتان متدينتان ولديهما إيمان مطلق بصحة دوافعهما. وكما يقول الكاتب لسان فيتزهوغ، أحد شركاء دوغلاس، فإن كوينيت ودوغلاس يتشابهان في أوجه كثيرة: «أميركيان حتى العظم في نرجسيتهما، وفي قناعتهما المطلقة بصحة رأيهما، وفي عماهما عن طبيعتهما الحقيقية، وفي دوافعهما لتشكيل العالم وأنفسهما على هواهما ومن دون أن يدركا أن العالم يرغب في أن يبقى كما هو، وأن الإنسان ليس مرناً بالقدر الذي يشتهيه أو يظنه.
الأميركيان يفضلان التعامي عن أخطائهما السابقة من أجل التركيز على المستقبل المشرق، كما انهما يبرران أية وسيلة مشبوهة يستخدمانها من أجل أهدافهما، يقول دوغلاس: «إننا نفعل ما يجب علينا أن نفعله من أجل أن نتمكن من مواصلة فعل ما جئنا لفعله».
هناك مجموعة من الأجانب الآخرين في السودان ستتغير حياتهم بلا رجعة أيضاً بسبب أفعال دوغلاس وكوينيت: مجموعة من الأجانب الذين أتوا للعمل أو بالصدفة أو ساقتهم الأقدار إلى مجاهل أفريقيا. هناك ويزلي داير الطيار الأميركي الذي يصبح شريكاً لدوغلاس والذي يغرم بامرأة أخرى هي ماري انغليش. وهناك أيضاً ديانا بريغ وهي أنغلوكينية تقوم بأعمال خيرية وتقيم علاقة عاطفية مع فيتزهوغ مارتين الذي يصغرها كثيراً في السن. أيضاً نذكر كارا ويتشكومب صديقة ديانا والتي تقود طائرة وتدير الشركة المنافسة لشركة دوغلاس.
الشخصيات كلها يرسمها الكاتب ببراعة كبيرة ويظهرها مليئة بالتناقضات والدوافع الخفية مثلما نعرف الناس في الحياة الواقعية. الاستثناء الوحيد هو دوغلاس الذي يبقى رمزاً أكثر منه رجلاً؛ رمزاً للتفكير السطحي لدى الأميركي وتخاريفه وعالمه المصطنع الذي يبدو غالباً وكأنه مصنوع من فرق صغيرة من أناس خرافيين وحقيقيين.
ورغم أن القارئ يحس أن كابوتو يحاول في الأجزاء الأولى من روايته أن يرتب رقعة الشطرنج التي ستدور عليها أحداث اللعبة، فسيجد أن هذه الصفحات تضج حيوية بوصفه التفصيلي للأماكن السودانية وذكرياته عن تلك الأمكنة التي كان فيها أي هدف، كما يقول، سواء كان القضاء على المجاعة أو إحلال السلام أو علاج المرضى «أبعد منالاً مما يبدو عليه للوهلة الأولى».
ومع التقدم في الرواية، تتقدم الأحداث بصورة متقنة لتعطي القارئ صورة لا تقل تشويقاً عن أي فيلم هوليوودي وجدية عن أية رواية من القرن التاسع عشر. وبينما يتنقل للأمام والوراء في الزمن بين خطين للأحداث أحدهما عن دوغلاس والآخر عن كوينيت، يرسي كابوتو جواً للتصادم الحتمي يفضي إلى نهاية عنيفة حتمية.
كابوتو يكتب بقوة ظاهرة تجعله يستثمر أحداثاً تبدو غير ذات شأن لغيره من الروائيين ويقدم وجهات نظر، لا للمراقب الغربي فحسب، بل ومواقف المتمردين ومنافسيهم الإسلاميين ضمن دراما محايدة ومحكمة الصنع.
وفيما تتزوج كوينيت أحد قادة جيش تحرير شعب جنوب السودان وتصبح مناصرة متزمتة لثورته ضد الحكومة السودانية في الخرطوم، فإن دوغلاس يوسع نشاطاته من نقل الطعام أو الإمدادات الطبية إلى تهريب السلاح إلى المتمردين الجنوبيين من أوغندا. فهو يستنتج من تلقاء نفسه أن «المساعدات الإنسانية لم تعد الحل للمشكلات الإنسانية. المدافع والصواريخ المضادة للطائرات ستحول الجنوبيين من ضحايا إلى شعب يسيطر بالكامل على مصيره ومستقبله».
ويضرب دوغلاس تحالفاً مع ثري كيني مشبوه ويطلب من فيتزهوغ أن يقوم بمجموعة من الصفقات المشبوهة لتعزيز أعمالهما التجارية. وأفعاله هذه، إلى جانب أفعال كوينيت، ستورط الكثير من أصدقائهما في مشكلات قلما يخرجون منها من دون خسائر، كما سيتسببان بعواقب وخيمة للسودانيين الذين يقولان إنهما يساندانهما.
الخلاصة التي يصل إليها الكاتب في روايته لا تقتصر فحسب على اكتشافه بأن «السودان كان أرض الأوهام» بل واكتشافه إلى أي قدر تتغلغل هذه الأوهام في القناعات السياسية والأخلاقية المطلقة للإنسان.
* أفريقيا الأبدية
تلك كانت القصة التي رواها، ولكنها لم تكن صحيحة كلياً: إصابة خطيرة بالركبة استدعت إجراء عمليتين جراحيتين كانت مسؤولة عن اعتزاله الرياضة. جلس على مقعد بركبته الملفوفة بشريط لاصق، وكان يعرف في تلك اللحظة أن مسيرته كلاعب قد انتهت وأخذ يتساءل ماذا عساه أن يفعل بما تبقى له من حياة. بالطبع، لو لم يكن لديه ضمير اجتماعي يبدأ به، لما اختار على نحو ما فعل، وذلك الضمير تشكل بفعل أسلافه.
لقد قدم إلى كينيا من جزر سيشيل عندما كان في الثامنة من عمره، وكان الابن الأكبر بين ثلاثة أبناء لأب فرنسي ـ إيرلندي، هندي الأصل وأم سوداء ـ عربية وصينية الأصل. والهجرة أخذت «فيتزهيو» من مكان لا يعرف القبلية ولا يعتد كثيراً بالعرق إلى بلاد يحسب فيها للقبيلة والعرق كل حساب.
لم تكن عائلته فقيرة، فقد كان والده يدير منتجعاً ساحلياً بالقرب من مومباسا ـ ولكنه أخذ يدافع عن قضايا الفقراء والمضطهدين والمهمشين، لأنه ترعرع على هامش المجتمع الكيني، صبي من غير ولاء قبلي أو انتماء لأي عرق معين، لأن جميع أعراق الأرض كانت مجتمعة فيه. لقد كان الغريب الأبدي الذي لم ينس أبداً بأنه شخص غريب حتى في أوج شهرته الرياضية. كانت بشرته حنطية، ومع ذلك فقد كان الكينيون البيض من أبناء وأحفاد المستعمرين مقبولين أكثر منه.
بعد أن عمل لمدة عام في الصومال، عملت الأمم المتحدة على ترقيته إلى منصب مراقب ميداني وكلفته بالاشراف على عملياتها في السودان. والآن بصفته عريفاً في جيش الاحسان الدولي، تجول في جنوب السودان لأسابيع في المرة الواحدة، مطارداً وحش المجاعة وواضعاً استراتيجيات لكبح جماح أرقام ضحاياه وابقائها عند الحد الأدنى. ولقد أسرت تلك المنطقة التعيسة الشاسعة جسمه وروحه.
وكان يعتزم فعل كل ما في وسعه لإنقاذ جنوب السودان من ويلات الحرب ومن ويلات أخرى مثل النزعة القبلية التي جعلت الجنوبيين يتسببون بالشقاء لأنفسهم. وهنا أصبح انتماؤه العالمي ميزة بالنسبة له، حيث كان ينتقل بسهولة في أوساط قبائل الدينكا والنوير والديدينكا والتوبوسا، فقد وثقت هذه القبائل بهذا الرجل المحايد من حيث الانتماء القبلي.
أحب البقاء في الأدغال وكره العودة إلى قاعدة الأمم المتحدة في لوكي. كانت القاعدة تشبه المنشأة العسكرية في شكلها، فقد كانت محاطة بالأسلاك الشائكة. وكان المديرون الميدانيون ومنسقو الرحلات الجوية وضباط التموين ـ الذين يعتبرون في نظره عصابة من البيروقراطيين الطموحين أو محبي المغامرات الذين يبحثون عن مغامرة تبعث على الاحترام ـ كانوا يقودون سياراتهم من نوع لاندروفر مثل الغزاة،
وكان يقيمون في منازل مطلية باللونين الأزرق والأبيض، ويحتسون المشروب في حانات تبدو مثل المنتجعات الشاطئية ويتناولون لحوماً مستوردة. وعندما تشتد الحرارة في لوكي وتثور العواصف الرملية وتصبح العزلة أمراً لا يطاق، فإنهم يذهبون إلى أوروبا أو إلى فيلات مستأجرة في ضواحي نيروبي الباردة في الجبال،
حيث يقوم على خدمتهم وحراستهم أشخاص كان أجدادهم على الأرجح قد خدموا وحرسوا المستعمرين البريطانيين في الأيام الخوالي. لقد كانوا المستعمرين الجدد، وترعرع فيتزهيو وهو يشعر بالاشمئزاز منهم تماماً مثلما كان يشعر بالاشمئزاز تجاه إمبرياليي الزمن القديم الذين نهبوا افريقيا باسم العبء الملقى على كاهل الرجل الأبيض في جلب الحضارة إلى هذه البلاد. وفي الأوقات التي لم يكن فيها في السودان، كان يقطن على أطراف المجمع في كوخ جدرانه من الطين وسقفه من أغصان الشجر وله نافذتان تفتقران للزجاج والستائر. وفي داخل المنزل، هنالك سرير قاس تعلوه شبكة للبعوض وكرسي ومكتب وجميعها من الخشب.
أما تنازل فيتزهيو الوحيد لوسائل الراحة العصرية فكان أمام الكهرباء التي كان يتم تزويدها من خلال مولد خاص. أما الديكور الداخلي لمنزله، فلم يكن سوى صور لأبطاله مثل بوب مارلي ومالكولم إكس ونيلسون مانديلا.
مقتطف من رواية «أفعال إيمانية»
الكتاب: أفعال إيمانية
الناشر: دار نوف ـ لندن 2005
الصفحات: 688 صفحة من القطع المتوسط
Acts of Faith
Phlilip Caputo
Knopf - London 2005
P. 688