أشرف على تأليف هذا الكتاب الجماعي البروفيسور توماس كوشمان أستاذ علم الاجتماع في جامعة ويلسلي ورئيس تحرير مجلة حقوق الإنسان. وكان قد نشر كتاباً بعنوان: «جورج أورويل في القرن العشرين» (2004)، ثم نشر قبله كتاباً آخر بعنوان: «الزمن الذي عرفناه: الأجوبة الغربية على مجزرة البوسنة» (1996).
وفي هذا الكتاب الجديد نجد مقالات عديدة لمفكرين من مختلف أنحاء العالم. وهم يتناولون فيها مسألة حرب العراق من وجهة نظر نقدية وإنسانية في آن معاً. إنهم يبررونها لأسباب تخص حقوق الإنسان كما يقولون. ويتألف الكتاب من مقدمة وستة فصول وخاتمة. تتخذ المقدمة العنوان التالي: الحجة المقنعة الليبرالية والإنسانية من أجل حرب العراق.
وقد كتبها المشرف العام على الكتاب: توماس كوشمان. أما الجزء الأول من الكتاب فيعالج المسألة التالية: هل يحق تغيير الأنظمة الاستبدادية بالقوة؟ وهنا نجد عدة مداخلات، أولها مداخلة بعنوان: الحجة المقنعة لتغيير الأنظمة المارقة بالقوة.
وقد كتبها الباحث كريستوفر هيتشنز الذي ألّف حتى الآن أكثر من عشرة كتب نذكر من بينها: الحرب القصيرة الطويلة: التحرير المتأخر للعراق (2003)، لماذا يهمنا جورج أورويل؟ (2002)، محاكمة هنري كيسنغر (2001) ... الخ.
ويرى هذا الباحث ان تغيير النظام العراقي كان شرعياً للأسباب التالية: أولاً: لأن صدام حسين صفق لتدمير البرجين التوأمين في نيويورك وقتل ثلاثة آلاف شخص دفعة واحدة. وكان النظام الوحيد في العالم الذي يفعل ذلك فحتى نظام الطالبان لم يتجرأ على التأييد العلني للضربة.
ثانياً: لأن نظام صدام حسين كان من بين الأنظمة التي تحاول الحصول على أسلحة محظورة عن طريق السرقة. ومن بين هذه الأنظمة نذكر: ليبيا، إيران، كوريا الشمالية. وكان هو أخطرها.
ثالثاً: لأن صدام حسين قدم ضيافته لزعيم إرهابي شهير هو: أبو مصعب الزرقاوي، وقد جاء لاجئاً من أفغانستان وهو أخطر على الغرب من بن لادن. فجرائمه معروفة للقاصي والداني.
أما المداخلة الثانية للجزء الأول فقد كتبها البروفيسور جيريمي هيرف أستاذ التاريخ الأوروبي في جامعة ماريلاند. ومنذ البداية يقول ما معناه: من سخرية الأقدار أن معظم الليبراليين واليساريين في أوروبا وأميركا كانوا ضد قلب نظام حكم توتاليتاري كلياً كنظام صدام حسين!
ولم يكن هناك استثناء على هذه القاعدة إلا توني بلير وجناحه في حزب العمال ومحررو الواشنطن بوست وبعض الآخرين، أما البروفيسور جان فارفيسون فقد كتب مداخلة بعنوان: تغيير الأنظمة: حالة العراق. والباحث المذكور هو أستاذ الفلسفة في جامعة واترلو في كندا.
وهو يعتقد أن تغيير أي نظام بالقوة لا يمكن تبريره إلا إذا تحققت الشروط التالية: أولاً أن يكون النظام الذي سيحل محله أفضل منه بالنسبة للشعب. وثانياً: أن تكون تكلفة هذا التغيير مقبولة بالنسبة للشعب، أي ألا تكون باهظة جداً وبالتالي فغير قادر على تحملها، وثالثاً: أن تكون هذه التكاليف مقبولة بالنسبة لشعب الدولة الغازية أيضاً، ورابعاً أن يساهم الغزو في تحسين شروط المنطقة ككل، وخامساً :أن تكون حظوظ النظام الجديد في النجاح كبيرة.
أما الجزء الثاني من الكتاب فمكرس للمحاجات الفلسفية التي تبرر سقوط نظام صدام حسين، وهنا نجد ثلاث مداخلات أولها للباحث روجر سكروتون تحت عنوان: المصلحة القومية والقانون الدولي، بمعنى: هل تتعارض المصلحة القومية للولايات المتحدة مع القانون الدولي؟
أما المداخلة الثانية فتتخذ العنوان التالي: حرب عادلة ضد منطقة خارجة على القانون، وقد كتبها البروفيسور مهدي مظفري أستاذ العلوم السياسية في جامعة أرهوس بالدانمارك. وهو العربي الوحيد الذي ساهم في تأليف الكتاب.
والباحث المذكور خريج جامعة السوربون. وكان قد نشر كتاباً بعنوان: العولمة والحضارات (2002). وبحوثه الأخيرة تتركز على الموضوع التالي: كيف نحارب الإرهاب الإسلامي دون أن نحارب الإسلام كدين، فالإسلام بريء من هذه الأعمال الشنيعة التي تنسب إليه.
ويرى هذا الباحث أن منطقة الشرق الأوسط خارجة على القانون بالفعل لأن الأنظمة التي تحكمها لا تحكم باسم القانون. وهي المنطقة الوحيدة في العالم التي لم تسر حتى الآن في الاتجاه الديمقراطي كما حصل لدول أوروبا الوسطى والشرقية بعد سقوط الشيوعية، و كما حصل لدول أميركا اللاتينية أو الدول الآسيوية ... الخ.
باختصار فإن معظم دول العالم تسير في اتجاه الديمقراطية والانتخابات الحرة والتعددية السياسية (التناوب على الحكم بين السلطة والمعارضة وإقامة دولة القانون والمؤسسات ما عدا دول الشرق الأوسط. وبالتالي فهي منطقة راكدة وجامدة من الناحية السياسية ولا يمكن للأمور أن تستمر على هذا النحو إلى أبد الآبدين.
وبالتالي فيمكن فهم التدخل الأميركي العالمي في العراق وتبريره إذا ما أدى إلى دمقرطة المنطقة أو حلحلة أمورها على الأقل. فتغيير الأنظمة الاستبدادية الدموية وتخليص شعوبها منها أمر مشروع أخلاقياً ويمكن تبريره لأسباب إنسانية.
أما الجزء الثالث من الكتاب فمكرس لدراسة الانتقادات التي وجهها اليسار الأميركي والعالمي لحرب العراق.
هذا في حين أن الجزء الرابع مكرس لدراسة الأبعاد الأوروبية لحرب العراق. وهنا نجد عدة مداخلات من نوع: اليسار الأوروبي وغزو العراق. موقف ألمانيا من حرب العراق الذي تم تحديده على ضوء ماضيها. حرب العراق من منظور اليسار الفرنسي ... الخ.
أما الجزء الخامس من الكتاب فيحمل بكل بساطة العنوان التالي: التضامن. والمقصود بذلك تضامن الجماعة الدولية مع الشعوب التي تتعرض لاضطهاد، وحتى لمجازر من قبل أنظمتها الاستبدادية.
وهنا نجد مقابلة مطولة مع المفكر والمناضل البولوني آدم ميشنك الذي كان أحد قادة نقابة التضامن في بولونيا مع ليخ فاليسا، ومعلوم أن هذا النضال النقابي والسياسي أدى إلى قلب النظام الشيوعي التوتاليتاري الحاكم.
ويبرر آدم ميشنك حرب العراق من المنظور نفسه: أي ضرورة قلب الأنظمة التوتاليتارية التي تشكل خطراً على شعوبها وجيرانها والمنطقة ككل. وفي رأيه أن نظام صدام كان من هذا النوع دون أدنى شك. فهو ما انفك يشن الحروب تلو الحروب تارة على إيران، وتارة على الكويت، وتارة على الأكراد، وتارة على الشيعة ... الخ.
باختصار فإنه شخص دموي وعصابي لا يستطيع أن يقعد هادئاً ولو للحظة. إنه يحب المغامرات، والمشاكل، والمشاغبات، والصراعات كمعظم الأنظمة المستبدة والديكتاتورية. وقد كان عالة على شعبه وعلى العالم كله.
ثم يردف المفكر البولوني قائلاً: أنا أنظر إلى حرب العراق أساساً من الزاوية التالية: نظام صدام حسين كان دموياً أكثر من اللزوم. وكان يفتك بشعبه على رؤوس الأشهاد دون أن يتدخل أحد لإنقاذ الناس من براثنه. فهل هذا يجوز؟ أليس حق التدخل النساني لإنقاذ شعب في حالة خطر واجب على الجماعة الدولية بأسرها؟
لهذا السبب أيد معظم المثقفين البولدنيين غزو العراق من قبل التحالف الدولي. فنحن عانينا أيضاً من الأنظمة التوتاليتارية كثيراً. ونعرف معنى كبت الحريات وخنق العقول والأرواح أكثر من غيرنا، وربما لهذا السبب فإن دول أوروبا الشرقية والوسطى هي التي أيدت أميركا في حربها الهادفة لإسقاط صدام حسين أكثر بكثير من دول أوروبا الغربية التي تتمتع بالحرية والرفاهية والديمقراطية منذ زمن طويل. وبالتالي فهي لا تعرف معنى القمع والمراقبة البوليسية كما نعرف ذلك نحن.
يضاف إلى ذلك أن نظام صدام حسين كان خارجاً على القانون كلياً. وكان يسجن الناس على الشبهات وبشكل تعسفي واعتباطي. وكان يمارس التعذيب الوحشي على المساجين. ويمكن القول بأن عدد ضحايا صدام في الداخل والخارج من إيرانيين وكويتيين وشيعة وأكراد يتجاوز الملايين على مدار السنوات التي قضاها في الحكم. وبالتالي فإن تخليص العالم من نظام كهذا لا يمكن أن يكون إلا أمراً جيداً ومفيداً للسلام المحلي والإقليمي والعالمي.
ثم يدافع المفكر البولوني عن سياسة جورج دبليو بوش ويقول: لولا حزم هذا الرجل لكان نظام طالبان جاثماً حتى الآن على قلب الشعب الأفغاني. وهو من أكثر الأنظمة تزمتاً وتخلفاً في التاريخ فهل أخطأ إذ خلص العالم والشعب الأفغاني من هذا النظام الذي لا يقل ظلامية وتعصباً عن أنظمة محاكم التفتيش في القرون الوسطى؟ وهل يمكن لليسار الأوروبي أو العالمي أن يحزن لإسقاط نظام كهذا؟ وما معنى اليسار إذن وما معنى الليبرالية؟
ثم إن استخدام بوش للتهديد ولغة القوة هو الذي أجبر القذافي على التراجع عن سياسته الرعناء السابقة وانتهاج سياسة معقولة ومؤدبة وعدم التفكير بامتلاك الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية أو حتى الذرية. وتهديدات بوش هي التي أجبرت سوريا أيضاً على تغيير سياستها. وقل الأمر ذاته على كوريا الشمالية. فلولا حزم الإدارة الأميركية لسببت الكثير من المشاكل للمنطقة وللعالم. وبالتالي فإن سياسة الحزم والقوة تؤدي إلى نتائج إيجابية لا تنكر.
ويختتم المناضل البولوني السابق كلامه قائلاً: هناك أشياء كثيرة يمكن أن ننتقدها في سياسة بوش كموقفه من العولمة الرأسمالية، ومعاهدة كيوتو الهادفة إلى الحفاظ على البيئة. ولكن ليس أبداً إسقاط نظام الطالبان وصدام.
الكتاب: مسألة مبدأ
محاجات إنسانية من أجل حرب العراق
إشراف: توماس كوشمان
الناشر: مطبوعات جامعة كاليفورنيا 2005
الصفحات: 372 صفحة من القطع الكبير
A MATTER OF PRINCIPLE
HUMANITARIAN ARGUMENTS
FOR WAR IN IRAQ
THOMAS CUSHMAN
UNIVERSITY OF CALIFORNIA PRESS 2005
P. 372