عبدالإله الرحيل قاص وروائي سوري يعمل في الصحافة منذ 1976، ويحمل إجازة في علم الاجتماع من جامعة دمشق، ترأس القسم الثقافي في جريدة «تشرين» ثم تولى الإشراف على تحرير ملحقها الفكري «مدارات» الذي لا يزال يصدر منذ عام 2000 وحتى الآن، كتب المقالة والقصة القصيرة والرواية.

و«ليس إلا» هو الكتاب السابع بعد: قرية بلا ظلال 1977، ومحاولة لاغتيال الحزن 1982، وطقس في الزمن الرمادي 1984، وإعادة رتيبة لسيرة معاصرة، ولن يغرق البحر 1993، والمنخورة 2002. «ليس إلا» مجموعة نصوص فكرية مليئة بالإشراقات الوطنية والإنسانية، يسعى عبدالإله الرحيل إلى كتابة شهادة عن عصره بصفته شاهداً، ولكن الشاهد الذي يقول الحقيقة وليس شاهد الزور.

لذلك فهو يعتبر أنه حاول وكصحافي أن يكتب بالحد الأقصى الذي احتال فيه على الرقيب الداخلي الذي يقبع في أدمغتنا، كي لا يستثار فيبدأ حملته المجنونة فيتلف الدماغ ويقطع اللسان. مثلما كتب بالحد المسموح به والذي حاول فيه أن يحتال على الرقيب الخارجي الذي يربض على الأكتاف وينظر إلى الأحلام بعدائية مسبقة، كأن عليه أن ينحرها لأن سيده يتأذى منها.

الرحيل في كتابه هذا ينزّل الكلمة من برجها، ويكسر ارستقراطية الثقافة التي كانت تقتصر على الترفيه والإمتاع ـ إمتاع سادة القوم، ويدفعها لتمشي في الشوارع، لتقيم علاقة عضوية مع البشر، فترد لهم بعض حقوقهم. إذ يرى أن الموقف الذي جرى بين «تيمور لنك» وبين شاعره «كرماني» ما هو إلا رد اعتبار لثقافة ـ لمثقف يحتضر، وذلك حين سأل الأول الثاني: لو أنني عُرضت للبيع في السوق.. فبكم تشتريني؟ فأجابه كرماني وقد ضاق منه: لو عرضوك في سوق البيع فإنني سأشتريك بعشرة دراهم.

فانتفض تيمور لنك وهو يمد يده إلى حزامه المرصّع بالذهب وقال له غاضباً: ويحك كرماني! إن حزامي أغلى من الثمن الذي دفعته بكثير. فيجيبه كرماني بهدوء وبكثير من التهكم: إنما أنا أشتري حزامك.

عبدالإله يريد للثقافة التي تنشرها الصحافة أن تمنح البشر حصة، زاداً يومياً من الحلم والتخيّل بصفتها قادرة على أن تحول نشاطاتهم إلى «دراما». دراما عنيفة في لحظة نتوه فيها ونحن مصابون بالزوغان: إلى أن من عسانا نحني رؤوسنا؟ لقيصر العربي، أم لقيصر الأوروبي، أم للقيصر الأميركي، أم لغزاة وقراصنة لم تعد أعيننا قادرة على تمييزهم وكأن العقل (عقلنا) صار يتساهل مع الحواس، فلم يعد يملك القدرة على التأمل العلمي والفلسفي ـ وكأننا أشباه بشر، بل حيوانات لا تدرك معنى ردود أفعالها.

لكن ماذا يفعل؟ يقول الرحيل: نزفنا دماً وصديداً لكي لا نحارب في «صاحبة الجلالة» طواحين الهواء بسيوف من خشب، فندفع ما أمكن الكوارث والأذى عن البشر،

لقد شهدنا حروباً ونكبات، ووهماً بانتصارات، وتذوقنا مرارة «علقم» الهزائم، وقرأنا وكتبنا وسنشهد ونشهد. وعلينا ألا نطعن في شهادة القارئ حتى لو كان القارئ ضد ما نكتب، وحتى لو اتهم «أدب» الصحافة بأنه أدب دوني وأدب سوقي.

فالصحافي يجب ألا يتخلى عن كونه «أب الديمقراطية» وهو من هو الذي لا يجيد إلا الكلام الذي يشفي حتى من الموت. لذا عليه أن يصمد ويصمد أمام هذا الهجوم النقد/ التآكل الذي قد يتعرض له، فلا يشعر أنه عالة على نفسه وعلى أمته، وإلا فكيف يعالج التجزئة والتخلف وهما خصمان لدودان له، وهو يعرف أن السلطات الحاكمة تباركهما وتتفقد صحتهما صباح مساء.

طبعاً هذا يجب أن يقوي إرادته ولو عرفه بأنه غير قادر على أن يكفل لقارئه بل لنفسه الحرية والعدالة الاجتماعية، فهو يعرف، وهو يرى كيف الأرض تغتصب، وكيف الفكر يتسمم ويتحلل وتطلع روائح عفنه، وكيف تنظر السلطات إلى التاريخ بصفته عامل فرقة لا عامل وحدة.

وكيف يقل المشتغلون في حقول الفلسفة والبحث العلمي، بينما يكثر المشتغلون بـ «النميمة» السياسية والأدبية والاجتماعية وتلك الأمنية. وكيف يصبح ويمسي هؤلاء النمّامون حراساً لثقافة متحجرة،

لثقافة تؤلّه السلطات في صحافتها، فتستهلك أوطانها في عملية القصد منها إنتاج وإعادة إنتاج نفسها، كي لا يَعْدَمَ الوطن «جيناتهم» التي يُخشى عليها من الانقراض.

أنور محمد

الكتاب: ليس إلا

الناشر: عبدالمنعم/ ناشرون ـ حلب 2005

الصفحات: 235 صفحة من القطع المتوسط