د. نذير العظمة كاتب وناقد وشاعر سوري من مواليد العام 1930، له عدد كبير من الكتب تتوزع بين الدواوين الشعرية والمسرحيات والروايات، أبرزها «الشيخ ومغارة الدم» و«أوراق عارف الدمشقي» وهو أستاذ جامعي، شارك في تأسيس مجلة شعر، يحمل شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة انديانا.

في كتابه «الماسة وإزميل الترجمة» يبدأ بتساؤلات عدة: هل الإبداع مشروع في الترجمة أم أن الأمانة هي المطلوبة، وهل الأمانة ممكنة في الترجمة.. وأين؟! ثم لماذا يترجم الشعراء غيرهم من الشعراء إلى لغاتهم؟! يقول د. العظمة إن أغلب المبدعين من الشعراء الذين ترجموا لغيرهم من الشعراء، لم يمارسوا فضيلة الأمانة، ولو مارسوها لما حققوا هذا التأثير من خلال إبداعاتهم في الترجمة. فإذا كانت الترجمة جسراً للتواصل بين الشعوب والثقافات، فإن الترجمة الأكثر إثارة للجدل هي: الترجمة الشعرية.

فترجمة «سيرهاملتون جب» لرحلة ابن بطوطة إلى الإنجليزية، أو ترجمة «الفرد غويوم» لكتاب السيرة لابن اسحق، أو ترجمة «ريتشارد بورتون» لألف ليلة وليلة، لم تُثر من الجدل ما أثارته ترجمات «فيتزجيرالد» لرباعيات الخيام، أو ترجمة «نيكلسون» للزوميات المعري، أو ترجمة «وليم بليك» لمعلقة لبيد، ومن قبله «وليم جونز وآربري» للمعلقات السبع. وعلى الطرف العربي، فإن ترجمة سليمان البستاني لإلياذة هوميروس قد نقلت المعاني الهوميرية للملحمة، لكنها لم تحقق إثارات النص الجمالية، ولهذا بقيت لها قيمتها التاريخية الريادية بأكثر من قيمتها الشعرية.

وكذا ترجمات مطران خليل مطران لمسرحيات شكسبير التي نقلها عن الفرنسية متأثراً بترجمة فيكتور هيغو لها من الإنجليزية إلى الفرنسية، وبالقصة الشعرية بديلاً عن المسرح، ولهذا تبدو ترجمات جبرا إبراهيم جبرا لشكسبير أكثر حداثة، وأكثر استساغة رغم نثريتها، إضافة إلى اعتمادها الأصل الإنجليزي.

الترجمة إذاً.. ليست فعلاً ثابتاً، كما يقول ت.س. إليوت، حيث لكل جيل أسلوبه في الترجمة وذائقته.

وللترجمة مستويات: ترجمة حرفية وترجمة تحويلية يعيش فيها المترجم معاناة الشاعر الأصلي ويسكبها بلغته، وثمّة ترجمة المحاكاة والارتجال التي هي محاكاة للأصل وارتجال لنص جديد كما فعل الشاعر الأميركي عزرا باوند مع الشعر الصيني، بينما كانت ترجمة فيتز جيرالد لرباعيات الخيام محاكاة للأصل.

كما تختلف الترجمة باختلاف العصور، فالترجمة في عصر المأمون هي غير الترجمة في عصر محمد علي: تقنية وممارسة وموضوعات. ثمة ترجمة ادبية قائمة على ذائقة فنية وجمالية عميقة وعلى تمكُّن من اللغتين.. المنقول منها والمنقول إليها.

يعرض د. نذير العظمة لأمثلة إشكالية في الترجمة من العربية إلى الإنجليزية منها على سبيل المثال، ترجمة الآية الكريمة «هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن» التي تحتاج إلى ترجمة أدبية، وليس إلى ترجمة حرفية كما فعل ج. رودويل: «THEY ARE YOUR GARMENT AND YOU ARE THEIR GARMENT ب. ثم كيف نترجم بيت امرئ القيس:

مكر، مفر، مقبل، مدبر معاً كجلمود صخر حطّه السيل من عل

إلى الإنجليزية مثلاً، من دون أن يخسر جمالياته ونبضه الإيقاعي؟

هل نقول مع الجاحظ: «الشعر لا يُستطاع أن يُترجم أو لا يجوز عليه النقل، ومتى حُوِّل تقطّع نظمه وبَطل وزنه وذهب حُسنه وسقط موضع التعجب، لا.. كالكلام المنثور».

يشير د. العظمة إلى أن روح النص تهاجر مع الترجمة إلى جسد لغوي وأسلوبي جديد، وفي الترجمة لاتراعى حرفية جملة بما يوازيها مع الأصل، إذ يمكن للعبارة العربية «يا فلذة كبدي» أن تتحوّل بالترجمة الحرفية إلى عبارة مقززة في الإنجليزية، ولذا يجب البحث عمّا يوازيها في اللغة الثانية، وأقربها جملة «يا تفاحة روحي» الأقرب إلى ذائقة اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

يفرد الشاعر د. نذير العظمة في كتابه لترجمات له من العربية إلى الإنجليزية لقصائد من كتاب الزهرة لأبي داوود الأصفهاني في موضوعه البين في الغزل، وعلى ثلاثة مستويات: تحويلية.. من نص شعري عربي إلى نص شعري إنجليزي، وترجمة نثرية لها، وترجمة تقوم على محاكاة النص الأصلي والارتجال فيه.

ونورد هنا مثالاً لترجمة بيتين من شعر أبي نواس:

رقَّ الزجاج وراقت الخمر فتشابها وتشاكل الأمر

فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر

إلى الإنجليزية نثراً: «The glass is so thin and the wine is so pure, They look alike the matter is obscure As if it were acup without wine or wine without acup. That forever shine ».

وبعد خمسة عشر نموذجاً مترجماً مثله، يفرد الشاعر د. نذير العظمة لترجمة نثرية كاملة لأغاني البراءة والتجربة للشاعر وليم بليك. ثم يختم بالقول:

«تتداخل الترجمة والإبداع تداخل الترجمة والنقد.. وتفترق الترجمة عن النقد في الهدف والغاية، فعلى حين يسعى النقد إلى صياغة موقف نقدي من خلال دراسة النص وتحليله، تهدف الترجمة إلى نقل هذا النص من لغة إلى لغة، وإعطاء روحه جسداً صوتياً آخر، في عملية تنطوي على فهم التقاليد البلاغية واللغوية والجمالية عينها في اللغة الأصل المترجم عنها، وقدرة المترجم على تحويلها من لغة وتقاليد معينة إلى لغة مغايرة وتقاليد أخرى».

وبهذا.. تكون الترجمة مرآة تعكس قدرات المترجم ومهاراته لا في التحويل فحسب، وإنما في استكناه النص المترجم والقبض على جوهره، فالترجمة خارج المهارات الحرفية هي تجسيد وبيان نقدي بصياغة مختلفة.

نجم الدين سمان

الكتاب: الماسة وإزميل الترجمة

الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2004

الصفحات: 192 صفحة من القطع الكبير