خسر عالم الأدب بوفاة الروائي الفرنسي كلود سيمون يوم الأربعاء 6 يوليو 2005، مفكراً وأديباً استثنائياً يعد من أهم من أسسوا للرواية الحديثة في فرنسا، وممن تميزوا بأسلوبهم الفريد على الصعيد العالمي.
تعتبر أعمال هذا الروائي الذي ولد في مدغشقر عام 1913 وفاز بجائزة نوبل للأدب عام 1985 ودرس فن الرسم، ذات خصوصية وتميز، فلغته وأسلوبه وبنية أعماله عالم فريد بحد ذاته، ولا يمكن للقارئ الذي اعتاد على تلقي المعلومة من الكاتب ولوج عالمه، إذ يتعامل كلود سيمون مع القارئ تماماً كما يتعامل المؤلف مع نصه. أي على القارئ أن يأخذ دوره في النص ويبذل جهداً وتركيزاً استثنائياً لقراءته والعمل على تفكيك النص من خلال متابعة أفكار المؤلف غير المترابطة ليعيد أسوة بالمؤلف بنية العمل وجمع الأفكار للوصول إلى الرؤية الشمولية للعمل.
ويتضح ذلك من خلال رده على ما أخذه عليه بعض النقاد من أسلوبه المسترسل والمتداخل حيث يتواصل لديه السرد على مدى صفحات من دون وضعه لفواصل أو نقاط إلى جانب فتح الأقواس المتداخلة التي يغلقها بعد عدد من الصفحات مما يدفع القارئ إلى العودة إلى بداية الفكرة لمتابعة كل مسار متفرع منها، بقوله «إن قراءة كتاب مدام بوفاري لفلوبير التي تعتمد على مجرد فضول معرفة القارئ لما سيحدث للسيدة هي قراءة ميؤوس منها».
وجميع أعمال أو روايات هذا الكاتب المرتبطة بالفن التشكيلي من خلال الرسم بالكلمات ووصف الطبيعة بدقة متناهية، تتمحور حول سيرته الذاتية، ابتداء من وفاة والده في الحرب العالمية الأولى بعد عودة العائلة للعيش في بيربيغنان في فرنسا وانخراطه في الجيش، إلى وفاة والدته حينما بلغ الحادية عشرة من عمره، ومن ثم انتقاله إلى باريس للدراسة في كلية ستانسلاس ومن ثم في أوكسفورد وكامبردج، وانتهاء بمشاركته في الحرب الأهلية الاسبانية، ومن ثم انضمامه للجيش الفرنسي لدى بدء الحرب العالمية الثانية ووقوعه في الأسر لدى الألمان ومواجهته الموت تحت امرة قائد متهور، ثم هروبه من معسكر النازيين بعد مضي خمسة أشهر وانضمامه للمقاومة الفرنسية، وبعد انتهاء الحرب مرضه بالسل ولدى شفائه سفره إلى الاتحاد السوفييتي واليونان والهند وغيرها من البلدان.
وقد كتب روايته الأولى «الغشاش» خلال سنوات مشاركته في الحرب العالمية الثانية، ونشرها عام 1946 وعاش مرحلة السلام في جنوب فرنسا وأشرف على زراعة كروم أرضه في بلدته. وكتب بعد ذلك روايته «الحبل المشدود» وتدور حول الحرب الاسبانية الأهلية ونشرت عام 1947، وحينما نشرت روايته «الريح» عام 1957، حصد شهرة لا بأس بها، أما رواياته الأربع، «العشب» عام 1958 و«طريق الفلاندرا» عام 1960 و«القصر» عام 1962 وأخيرا «حكاية» عام 1967، فتتناول مجموعة من الأحداث والشخصيات التي تظهر في الأعمال الأربعة. ويجمع النقاد بأنها أهم أعماله. أما أعماله اللاحقة فتضم «معركة فارسالوس» و«تريبتيك».
ومن أشهر رواياته أيضا «الدعوة»، التي يتحدث فيها الراوي المدعو بالإضافة إلى أربعة عشر ضيفا من العالم لمشاهدة الاتحاد السوفييتي الجديد عن انطباعاته. وينتقل الراوي بين أحداث ومواقف مختلفة سواء في جغرافية الموقع بين موسكو ومركز آسيا، أو التاريخ بين الحاضر والماضي. ويتجلى هدف الكاتب من خلال تأكيده أن نهاية الحرب الباردة لا تعني أن الماضي يجب أن ينسى بل لا بد أن يبقى حيا في الذاكرة.
ويعتبر كلود سيمون من الرواد المؤسسين للرواية الفرنسية الحديثة، وقد صرح لأحد الصحافيين بأن الكتاب الفرنسيين لم يستطيعوا تحقيق إنجاز متميز على صعيد الرواية، في حين تميزوا في أدب السيرة الذاتية، وذلك باستثناء بروست».
ويؤكد على ذلك من خلال قول أندريه جيد، «ان فرنسا بالتأكيد ليست موطن الرواية»، حيث أن المقارنة بين الكتاب الفرنسيين في القرن التاسع عشر أمثال سارتر وكامو ومورياك وأعمال ديستويفسكوي تبين الفرق الشاسع، إذ أن شخصيات الأديب الروسي تظهر كما هي في واقع الحياة غير محددة، متناقضة تجمع بين الخير والشر، فهي ظالمة ومظلومة في الوقت ذاته.
فروسو وغيره وضعوا تعاليم محددة ومباشرة للأخلاقيات في حين أن عملهم على أدب السيرة الذاتية جعلهم يتحدثون بصورة حيادية من خلال عرض الجوانب السلبية والإيجابية دون تحيز أو تجمل.
وعلى الرغم من تصنيف أعمال سيمون في إطار الحداثة، إلا أنه لا يتعامل مع الأدب من خلال هذا المنظور فهو يوضح بأن جميع الفنانين بعد الحرب العالمية الثانية اتخذوا منحى العبثية أو التجريد إلا أن الأدباء أو الفنانين الأصيلين كانوا بعيدين عن ذلك الاتجاه.
ويبين بأن الحداثة ذات الأصالة إن جاز التعبير، تعبر عن كل من أسلوب أعماله وأعمال غيره من الفنانين، وعن توليفة الجمع بين المضمون التاريخي والتجربة الذاتية بصورة غير مباشرة، وتجربة الرسام غاستون نوفيلي أوضح مثال على ذلك، فهذا الفنان عاش مرارة الحرب وتجربة الأسر في أحد المعسكرات، مما دفعه بعد انتهاء الحرب للمغادرة إلى جنوب أميركا بحثا عن الماس.
وبعد أن عاش في الأدغال وسرق من قبل مرشده، احتضنته إحدى القبائل التي عاش معها بضعة أشهر وفي هذا المنفى الاختياري برفقة أناس بدائيين إنما متحضرين إنسانيا، أدرك إفلاس الحضارة المدنية لعالمه. وحينما عاد رفض منهج التجريدية ووجد لنفسه لغة مختلفة ومعبرة، فلوحاته التي أنتجها كانت تحمل رموزا تجمع بين رسم أجزاء من الجسد وبعض الكلمات أو الحروف. وبالمجمل فإن الدافع دوما هو العودة إلى المصدر، البديهيات وهي في المحصلة أساس الفن والأدب.
ويبين كلود بأن هذا المثال إنما يصور أو يجسد عمله الروائي «حديقة النباتات»، إذ اعتمد على فن الكولاج سواء في أخذ مقتطفات من نصوص التاريخ وحوارات لشخصيات تاريخية مثل تشرشل وتروتسكي ورومل والفنانين بروسكي ونوفيلي وبيكاسو مع قراءات للوحاتهم. كما يتجلى أيضا تقدير وتأثر الكاتب بعمالقة الأدب فلوبير وبروست وجيمس جويس وعلى رأسهم ديستويفسكي الذين شكلوا جزءاً من العمل.
وهذه الرواية التي تجمع كل ما ذكرناه سابقاً، توحي للقارئ لأول وهلة بأن كاتبها الذي بلغ الرابعة والثمانين قد دخل في متاهة الذاكرة، إلا أنه بالعودة إلى أعماله السابقة التي تتكرر بصورة متجددة في هذا العمل تنفي هذا الانطباع. ففي عمله يتناول مجمل ما طرحه من أفكار وموضوعات من خلال رؤية متقدمة مختزلة، تتناول السياسة والموت والانتحار والمرض، كل ذلك من خلال محور روايته القصيرة «الدعوة».
وهذا العمل المستوحى أيضا من سيرته الذاتية، يتناوب السرد فيه بين الراوي والآخر غير المعروف، كما يجسد قضية العلاقة بين الحياة وفعل الكتابة. فتجارب الحياة هي قاعدة الأدب والفن، إلا أن استخدام التجربة هو العمل الخطر، والعلاقة بين الشخص الذي أنتج العمل المقدم والقارئ هو مكمن الصعوبة والتحدي. فالكاتب برأي كلود يخاطر من خلال عمله بمواجهة الاتهام أو المحاباة، وعلى القارئ مقاومة السماح لنفسه بالانجذاب إلى بحث عقيم عن نموذج حقيقي مثالي للإنسان في الحياة.
وفي المحصلة، فإن هذه الرواية عبارة عن رحلة تأمل وكشف وإعادة بناء للتاريخ والحياة والذات من خلال مقتطفات، وعبر الانتقال بين المضمون والأشياء المحيطة بالإنسان. ويختزل الكاتب تلك الرؤية بقوله أن الحقيقة دوما أغرب من الخيال فما الحاجة لاستبدالها، كما أن الزمن يؤكد بأنه لا يمكن رواية الحقيقة تماما كما هي، إذ أن الحاضر يتداخل مع الماضي، وبذا فلا يمكن أن تكون الذكريات في حالة سبات، تماماً مثل الساعة فعلى الرغم من التقنيات المتطورة فإنها لا يمكن أبدا أن تعود إلى الوراء.
رشا المالح