مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والمؤرخ البريطاني المعروف، بيري آندرسون، الذي يدرس أستاذاً في جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية والذي حرر كتباً متعددة اكتسب بعضها شهرة واسعة وبوجه خاص: الدولة الأخلاقية (1974)، حول غرافشي (1978)، أسطورة الطبيعة الإنسانية (1992)، أصول ما بعد الحداثة (1998)، الليبرالية الجديدة (2000).

تحتاج أية ثقافة كانت إلى مقاربتها بنظرة تاريخية نقدية من خارجها بما يمكن هذه الثقافة من أن ترى نفسها عبر مرآة أخرى تبين لها نقاط القوة والضعف فيها، ومسار النهوض أو التقهقر لديها. هذا ما يقوم به الكاتب الذي يتابع الثقافة الفرنسية منذ فترة بعيدة والتي يشكل كسوفها خسارة كبيرة يصعب تقدير أبعادها اليوم.

فما يلفت نظره هو أن هذه الثقافة تعيش منذ عدة عقود انغلاقاً على نفسها، وجهلها الواسع بتيارات التفكير الكبرى المعاصرة، هكذا وعلى عكس ما كانت عليه في الماضي بدأت بالتوقف عن أن تشع على العالم منذ أعوام السبعينات فاقدة بذلك حيويتها ومذاقها وأصالتها. هل هذا يعني نهايتها؟

كلا، ولكن هذا يعني، شأنها شأن ثقافات أخرى لعبت دوراً في حياة الشعوب والتراث العالمي، إنها تعيش مرحلة عسار كبير الأمر الذي يحلله الكاتب من جوانب متعددة ببصيرة المفكر والمؤرخ والناقد. يقيم الكاتب منذ البداية مقارنة بين بريطانيا وفرنسا ليقول أن أفول الأولى قد بدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فالانتصار الذي حققته بريطانيا في هذه الحرب ترابط مع تبعية مالية لأميركا خارجياً، ومع سياسة تقشفية داخلية، ومع نهاية بسط نفوذها على مستعمراتها القديمة.

فتقليدياً احتل الأدب قمة الثقافة الفرنسية وفي حالته تأتي الفلسفة منذ فولتير كاتب الرسائل الفلسفية وروسو مؤلف العقد الاجتماعي وصولاً بذلك إلى «بروست» الروائي الشهير وإلى «بغينون» الفيلسوف الكبير، وتأتي بعد ذلك العلوم الإنسانية وعلى رأسها التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم الأقوام وأخيراً الاقتصاد.

بيد أن هذه التراتيبية ستتغير في ظل الجمهورية الخامسة الديغولية لأن الآداب بمعناها الكلاسيكي فقدت تفوقها مع بروز أدب جديد يشكل جمعاً بين التفكير الاجتماعي والفلسفي. في هذه المرحلة أصبح «كلود ليفي ستروس» أكبر باحث في العالم لعادات وثقافة الشعوب التقليدية، وتم تكريس «فرناند بردويل» مؤرخاً أكثر نفاذاً، وسطع «ريمون بارت» كناقد أدبي أكثر أصالة، وفرض «لاكان» نفسه محللاً نفسياً متميزاً، ولمع «فوكو» في علم «حفريات المعرفة»، وأصبح «دريدا» الفيلسوف المفارق لعصره، وشاد «بورديو» مدرسة جديدة في العلم الاجتماعي، وكان لهؤلاء جميعاً شهرة عالية.

وفي عملية الرصد التي يقوم بها الكاتب ويقدمها للقارئ يشير أيضاً إلى بروز أصالة الثقافة الفرنسية في مجالات الإعلام. لقد شكلت صحيفة «اللوموند» حدثاً كبيراً بتغطيتها للأخبار الدولية وبطرازها الفكري الجديد وباستقلاليتها السياسية بحيث أصبحت نموذجاً للاقتداء به بالنسبة للصحافة الدورية الغربية وبحيث أن صحيفة «نيويورك تايمز» كانت ضحلة ازاءها.

وطوال الستينات تنوعت المجلات الفكرية لتصبح نوعاً من مجال عمومي لتبادل الرأي للأفكار والنقاشات مثل «الأزمنة الحديثة» و«الفكر» و«النقد» و«دفاتر السينما» بوجه خاص وبما لا تصل إلى مستواها مختلف المجلات الغربية الأخرى.

لقد أصبحت السينما الفن الذي حل محل الرواية الكلاسيكية واكتسبت انتشاراً دولياً خاصة مع السينمائي «جان لوك غودار»، المعادل المعاصر لأكبر الكتاب الروائيين الفرنسيين في الماضي، وبما يجعل السينما الفرنسية على قمة الفن السابع بما في ذلك السينما الإيطالية.

وعالم الأفكار لم يخرج هو بدوره من هذه المحنة بعد أن حصد الموت كبار المفكرين الذين أشرنا إليهم ولم يتبق منهم إلا العدد القليل جداً، ولم يصل أي مثقف بعدهم على الشهرة العالمية التي تمتعوا بها. فالفلاسفة الجدد (وعلى رأسهم برنارد هنري ليفي) يشكلون فولكلوراً بالقياس لمن سبقهم، والروائيون (وفي مقدمتهم ميشيل هولبيك) يعتمدون لانتشار بضاعتهم العنف والفضيحة وبأسلوب نثري مبتذل.

وفي هذا السياق تخلت الصحافة والتلفزة عن دورها لتصبح مترابطة مع رجال السلطة ومع السوق ومع رجال الأعمال. تكفي الإشارة إلى الانحدار الذي وصلت إليه صحيفة «اللوموند» التي كشف عن «وجهها المتخفي» الصحافيان «بيير بيان» و«فيليب كوهن»، وإلى آليات العنف الرمزي والاشتغالية التجارية للتلفزة التي وضحها العالم الاجتماعي «بيير بورديو».

ولئن كانت السينما الفرنسية لم تسقط إلى هذا القعر فبفضل أولئك الذين كانوا وراء ثورتها الحديثة والذين مازالوا أحياء مثل «جان لوك غودار» و«اريك رومر» و«كلود شابرول» بينما لا تجسد سينما هوليوود بقية أوسع المخرجين السينمائيين.

هكذا فإن العُسار الثقافي الفرنسي ليس وهماً وهو يستدعي تفسيراً له. فما الذي يخفيه هذا التقهقر للمؤسسات والأفكار والتعابير والمعايير؟ إن هذا التفسير يعني أن ما كان يشكل «استثناء فرنسياً»، أي جميع الأشكال مما هو غث وعادي إن لم نقل مبتذلاً في الجزء الآخر الأطلسي للمعمورة،

قد تم تقلصه وتآكله بسبب قوتين قاهرتين، نقصد انتشار الليبرالية الجديدة في العالم وتعميم اللغة الانجليزية كلفة اتصال عالمية. لقد زعزع هذا أسس الثقافة الفرنسية تاريخياً لم يثق اليسار واليمين الفرنسي بالسوق وذلك كمبدأ ناظم للحياة الاجتماعية، والسياسة التي اتبعها البريطانيون والأميركيون شكلت اختراقاً ليبرالياً للنموذج القومي الفرنسي الذي يقوم على تدخل الدولة الاقتصادي وعلى الحماية الاجتماعية.

واللغة الانجليزية التي توافق انتشارها مع الهجمة الاقتصادية الجديدة فرضت انتصارها الكلي الأمر الذي شكل صدمة للفرنسيين بالقياس مع غيرهم من الشعوب الأوروبية لماذا؟ لأن اللغة الفرنسية كانت لغة أوروبا التنويرية وظلت اللغة الدبلوماسية السائدة طوال القرن التاسع عشر، وبقيت لغة الاتصال للبيروقراطية الأوروبية حتى أعوام التسعينات.

وباعتبارها كانت ملتحمة كلياً بالحضارة الفرنسية، أي أنها كانت لغة حضارة بما هو أوسع من أن تكون لغة ثقافة (على شاكلة اللغة العربية في ذروة العصر الثقافي الذهبي للعرب)، فإن انحسارها لمصالح اللغة الانجليزية وانتشار هذه الأخيرة في عالم الأعمال والترفيه والصحافة أضعف من كونية الثقافة الفرنسية وولد انخفاض الإنتاج الثقافي الفرنسي نفسه.

لكن هذا التفسير غير كاف لوحده، لأن التغيرات التي جرت في المجتمع الفرنسي نفسه شكلت عاملاً حاسماً باتجاه التقهقر.

فثورة الـ 68 وإن كانت قد فشلت في فرنسا، إلا أن نتائجها كانت واسعة وبما أعاد تركيب اللوحة السياسية حيث استطاع الشيوعيون والاشتراكيون التوقيع عام 1972 على برنامج مشترك شبه ثوري يقوم على رفض الرأسمالية وتأميم واسع للبنوك والصناعات. هذا ما أقضّ مضجع اليمين الليبرالي الذي أصبح مذعوراً وبدأت تحركاته عبر كافة الجبهات.

لقد شكلت جبهة ثقافية بقيادة المفكر المعروف «ريمون ابرون» ضد قيام نظام اشتراكي ـ شيوعي، في حين أن «الفلاسفة الجدد» الذين أشرنا إليهم رفعوا لواء التنديد بالستالينية السوفييتية، وأصبح الحل حسب مثقفين آخرين انتقلوا من اليسار إلى الليبرالية هو «الديمقراطية الكاملة» التي توجد في أميركا وليس في فرنسا وترجموها بشعار: الإعلام، التعددية، الانفتاح، الحقيقة. هذا ما يبق أهمية المعركة الفكرية ـ الثقافية في الصراعات التي يشكل رهانها نمط الاختيارات التي يواجهها مجتمع ما سواء في علاقته مع نفسه أو مع العالم الخارجي.

وبالرغم من نجاح اليسار بقيادة فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية عام 1981، إلا أنه كان قد خسر معركة الأفكار لاسيما مع تضعضع ثلاثة أنماط من التيارات الفكرية التي سادت منذ القرن الثامن عشر ألا وهي أيديولوجية الانبعاث والتقدم والثورة. لقد تم انتصار الفكر الليبرالي إذن لاسيما وأن اليسار الاشتراكي قام وبمفارقة في تدعيم هذا الانتصار مع تراجعه عام 1983 عن التأميمات، ومع تبني اقتصاد السوق، ومع تنازله أمام المد الديني في مسألة المدارس الحرة، ومع إضعاف الفصائل الأخرى في الكتلة اليسارية.

هذا ما جعل المثقف المعروف «بييرنورا» يصفق لهذا الانتصار وللتخلص من التفكير «الديغولي» أو «الماركسي» أو «القومي» أو «الاجتماعي» وقاد «جان ـ ماري كولومباني» مدير جريدة اللوموند الى القول إن فرنسا لم تكن سعيدة كما هو الأمر اليوم وهي على أعتاب القرن الواحد والعشرين. فالأمة أصبحت تعرف بما يجب أن تنساه وأن تتشبث بما هي عليه اليوم. إنها فرنسا المتصالحة مع نفسها، اللامركزية والديمقراطية المتعددة الثقافات والمتصالحة مع أوروبا والمتأقلمة مع السوق الحرة والتي لا يشوبها الانقسام الاجتماعي.

إلا أن هذا النمط من الفكر والثقافة الذي راهن على النموذج الليبرالي سرعان ما تفككت كتلته بعد سقوط الشيوعية وبروز الرأسمالية كأفق وحيد للإنسانية، وتعاظم التفاوتات الاجتماعية وتكريس عالم الأغنياء والفقراء بحيث أن البحث عن عالم آخر ما وراء البورجوازية وما وراء الرأسمال، وفقر بلدان الجنوب أصبح يفرض نفسه.

ولأن أي مجتمع لا يسير دائماً في الاتجاه نفسه بكامله، ثقافة أم سياسة، فإن الكاتب يبين بروز تيارات أخرى ضد الفكر السائد الفاتر. فصحيفة «اللوموند ديبلوماتيك» تهاجم الليبرالية الجديدة والامبريالية الجديدة بحيث أصبحت مؤسسة إعلامية وفكرية دولية تنشر في عدة لغات أجنبية من بينها اللغة العربية، في الوقت الذي شاركت فيه بتأسيس حركة «العولمة الأخرى» وإقامة «الملتقى الاجتماعي الدولي» في «بورتو اليغري». لقد استعادت فرنسا إلى حد ما مكانتها في العالم بفضل هذه الصحيفة.

هذا ما نجده بوجه آخر مع التيار الذي نشطه «بيير بورديو» الذي دارت كتبه حول التفاوتات الاجتماعية والذي دافع عن الحركة المطالبية الاجتماعية وعن قضية المهاجرين الذين لا يحملون معهم بطاقات إقامة رسمية، والذي عمل على إقامة مجالس عامة للحركات الاجتماعية على مستوى أوروبا والذي بيد من أبرز المثقفين العالميين.

والمفارقة أنه في الوقت الذي انغلقت فيه الثقافة الفرنسية على نفسها في العلوم الاجتماعية والفكر السياسي والفلسفي بحيث لم تكتشف مختلف التيارات الفكرية في هذه الميادين إلا متأخراً، فإنها احتضنت الحركة الأدبية والسينمائية لبلدان أخرى بحيث أن عدداً من الأدباء مثل «نجيب محفوظ» ومن السينمائيين مثل «عباس كياروستمي» الإيراني قد أخذوا شهرتهم العالمية بواسطة فرنسا.

هذه المفارقات جميعها تبين أن المجتمع الفرنسي وإن عرف أفولاً ثقافياً وان استمرار ذلك يشكل فراغاً في المجال الثقافي الدولي، فلا يعني ذلك فقدان قدراته على النهوض الثقافي مجدداً، لماذا؟ لأن الدينامية والاندفاعات التي يعيشها الشعب الفرنسي تجعل المؤرخ يقول بتفاؤل مع غيره من المثقفين الفرنسيين: «هذا الشعب الذي يبدو مسكيناً ظاهرياً، مازال متحركاً ومحدداً باستمرار».

الكتاب: الفكر الفاتر

الناشر: سوي ـ باريس 2005

الصفحات: 137 صفحة من القطع المتوسط

LA PENSEE TIEDE

PERRY ANDERSON

EDITIONS DU SEUIL - PARIS 2005

P. 137