مكسيم رودنسون «الرجل الهامشي» كما يحب أن يقدم نفسه دائماً، إنما هو أحد أهم المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين. وبالتأكيد أحد أهم، إن لم يكن الأهم، المستشرقين الغربيين الذين جعلوا من الشرق الأوسط ومن التاريخ الإسلامي مركز اهتمامهم الرئيسي. من أهم كتبه «الإسلام والرأسمالية» و«سحر الإسلام» و«بين الإسلام والغرب» و«الماركسية والعالم الإسلامي» و«من فيثاغورث إلى لينين».. الخ.
«ذكريات رجل هامشي» هو كتاب يصدر بعد وفاة صاحبه يوم 26 مايو 2004 في مدينة مرسيليا المتوسطية، وحيث كان عمره 89 عاماً وقد وصفه الكاتب والمفكر «بيير فيدال ناكيه» الذي قدّم لهذا العمل بأنه رجل ينتمي إلى زمن آخر، بل وانه «أكبر مفكر قابله طيلة حياته»، لاسيما من حيث معرفته «الموسوعية» التي تشمل العلوم والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والفكرين الإسلامي واليهودي، هذا فضلاً عن فهمه العميق للماركسية حيث كان عضواً طيلة سنوات عديدة في الحزب الشيوعي الفرنسي قبل أن يقرر تركه بسبب النزعة الستالينية التي «أدرك» أنها سائدة فيه.
تجدر الإشارة أيضاً إلى أن مكسيم رودنسون كان يتحدث لغات شرقية عدة من بينها العربية والتركية والعبرية والأثيوبية القديمة. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن رودنسون كان قد اتخذ مواقف عدة، وهو سليل أسرة روسية بولندية يهودية طالب فيها بحق الفلسطينيين بأن تكون لهم دولتهم المستقلة إلى جانب الدولة العبرية، وقد جرّت عليه مواقفه عداء اليهود المتطرفين، لكنه ظل متمسكاً بمواقفه «الملتزمة».
مكسيم رودنسون من مواليد عام 1915 في باريس التي كانت أسرته اليهودية قد هاجرت إليها، وأعطاه والده اسم «مكسيم» تيمناً بالكاتب الروسي الكبير «مكسيم غوركي». إن «الرجل الهامشي» يعود في ذكرياته إلى والده الذي كان يملك ورشة صغيرة لصناعة الثياب، لكنه كان قريباً جداً في الوقت نفسه من أوساط الفوضويين اليساريين على خلفية قناعته بأن الشعوب إذا ثارت فإنه يمكنها أن تغير العالم كي يصبح أفضل. وهكذا كان «موشي رودنسون» يقوم بتوزيع مطبوعة «حديث العمال» التي كان الفوضويون يصدرونها، كما كان في نفس النهج والتوجه يسعى إلى إنشاء «مكتبة شعبية».
وفي إطار هذه الأسرة تربّى مكسيم رودونسون، كما يشير، تربية ذات توجه علماني صريح وبعيد كل البعد عن الأجواء الدينية اليهودية المتزمتة التي كانت أسر يهودية عديدة تحرص على تنشئة أبنائها على أساسها، بل ذهب مكسيم رودنسون في موقفه من التزمت الديني «اليهودي» إلى حد التأكيد على خطورة «الطاعون الطائفي» بسبب ما يؤدي إليه من انغلاق في الفكر وفي العلاقة مع الآخر.
وعمم مقولة خطر «الانغلاق» كي تشمل الميدان السياسي ذاته إذ إنه يعلن عن أسفه الشديد لكون أنه بقي لمدة عشرين عاماً عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي، أي انه أمضى تلك السنوات كلها أسيراً لذلك الإطار الحزبي «المنغلق» والمرادف إلى هذه الدرجة أو تلك لفقدان الحس العقلاني النقدي.
يقول مكسيم رودنسون في «ذكريات رجل هامشي» حول الأجواء اليهودية التي أحاطت به في فرنسا أثناء سنوات طفولته وشبابه: «كان هناك عشرات الآلاف من اليهود الفرنسيين الذين لم يكونوا ينتمون لليهودية إلا بالولادة والنسب. انهم لم يكونوا ينتمون إلى طائفة دينية يهودية (...).
ولم يكن فيهم أي أثر لثقافة يهودية أو ربما أنهم كانوا يهتمون بها إلى حد ما كان يهتم آخرون (أو يهتمون هم أنفسهم) بالثقافة الصينية بهذا المعنى يعتبر مكسيم رودنسون الطائفية من بين «الأمراض القاتلة». ويعود في هذا الصدد إلى كتاباته عن الحرب الأهلية اللبنانية، حيث يعتبر في مقال تعود كتابته إلى عام 1989 بأن جورج مارشيه الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي آنذاك «ربما كان سيتم تصنيفه هناك بأنه كاثوليكي».
لقد أصر مكسيم رودنسون على اطلاق صفة «الهامشية» عليه في تحديده لدوره.. هذا على الرغم من أن أحد أساتذته كان قد قال عنه ذات يوم: «لو كانت توجد لغة سامية على القمر فلا شك بأنه سوف يشق الطريق الضروري من أجل تعلمها، إن «هامشية» رودنسون «المختارة» انما تعني له قبل أي شيء الابتعاد عن الاهتمامات «الصغيرة» وحسابات الربح والخسارة. وهذا ما عبر عنه في السطور الأولى من كتابه عندما نقل عن الشاعر الألماني الكبير «راينر ماريا ريكله» قوله: «احب حياتي في دوائر متحدة المركز تتسع أكثر فأكثر فوق الأشياء».
وفي الواقع أن هذا الكتاب هو بمثابة العودة الى الحديث عن هذه «الدوائر» لكنه حديث لم يكتمل إذ أن الموت لم يسمح لصاحبها بأن، يكمله اذ أدركه قبل ذلك، هكذا يعدد للحديث عن كتبه السابقة وعن العديد من الأحداث التي شهدتها مسيرة حياته.
وفيما يتعلق بهذه المسيرة يحكي كيف انه اضطر إلى أن ينقطع عن المدرسة وهو في سن الرابعة عشرة بعد أن حصل على شهادة الدراسة الابتدائية، التي كانت آنذاك مع ذلك ذات قيمة علمية.. لقد انقطع عن المدرسة لكنه لم ينقطع عن الدراسة التي أكملها وحده لينال شهادة الدراسة الثانوية وهو في سن الثامنة عشرة، كانت متعته الكبيرة هي في القراءة لكل ما يقع تحت يديه..
والتحق بالدروس المسائية كـ «مستمع حر» في مدرسة اللغات الشرقية لينكب أولاً على دراسة اللغتين العربية والتركية.. وبالتوازي مع هذا كان يتابع أيضاً دروساً في المدرسة التابعة لمتحف اللوفر حول الآثار الشرقية الإسلامية لينال شهادة «الليسانس» من هذه المدرسة.
الملاحظ هو ان مكسيم رودنسون لا يتبع في «ذكريات رجل هامشي» التسلسل التاريخي لمحطات حياته ابتداء من الطفولة إلى المراهقة فالشباب فالسن البالغ.. وانما نقرأ في الكلمات الأولى التي يخطها ما يلي: «بتاريخ 2 فبراير 1954 استقليت الطائرة إلى القاهرة «وبعد أن يشير إلى أن كل راكب من رفاق رحلته كان له هدف محدد يقول: «أما أنا فلم يكن لي هدف وحيد».
لقد كانت له أهداف عديدة متشعبة كان كل منها مركزياً بالنسبة له بينما اختار هو ان يبقى «هامشياً» وبعيداً عن أي «اختصاصي» كما فعل الناس الذين يبحثون عن منصب وجاه. كان يؤمن مع ذلك بأهمية الاختصاص، لكن طبيعته كانت تمنعه من «الانغلاق» داخل مشرب واحد.. يقول: «لقد اتجهت الى مصر من اجل دراسة انثروبولوجية ولشراء كتب ولإجراء تحقيق حول الشيوعيين المصريين ولاتقان اللغة العربية ـ واللهجة المصرية.. ومن اجل... من اجل؟ ألم يكن ذلك كثيراً بالنسبة لإقامة مدتها شهرين فقط؟».
كان عمر مكسيم رودنسون آنذاك تسعة وثلاثين عاماً.. ولا يتردد في الاعتراف بأنه كان مسكوناً بالتساؤلات.. ولم يكن يرى أية إمكانية تلوح في الأفق للخروج منها. يقول بصدد سفره إلى القاهرة مبعوثاً من المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي لمدة شهرين: «كنت ذاهباً للقيام ببحث انثروبولوجي، فهل كنت انثروبولوجياً؟
وكنت اقصد أيضاً إتقان العربية التي كنت قد بدأت بتعلمها قبل 25 سنة فهل كنت معرباً.. لقد كنت طيلة حياتي كلها ملاحقاً بمثل هذه التساؤلات»، هكذا لم يكن ينظر إلى حياته بأنها «حياة» عادية.. ولا يتردد أن يعيد مثل هذا «القلق الوجودي» إلى سن الطفولة حيث يكرس فصلاً كاملاً لطفولته في باريس تحت عنوان «عودة إلى الأصول، عالم الطفولة وتمجيد باريس».
وفصل آخر من الكتاب عن الفترة نفسها وإنما من زاوية رسم أجواء الأوساط اليهودية الروسية المهاجرة.. ويمثل هذا الفصل وثيقة حقيقية عن الشرائح العمالية من تلك الأوساط والتي كانت أسرته تنتمي إليها.. وكان والده ورفاق والده يعيشون باستمرار حلم الثورة إلى جانب كتلة الحنين التي كانت تشدهم إلى روسيا..
لقد كانوا بالأحرى من العلمانيين غير المتدينين. لكن هذا لم يمنع انتماءهم الثقافي وبصيغة ما إلى أصولهم.. وبهذا المعنى يقول مكسيم رودنسون: «لقد بقيت متأثراً بالأجواء التي تكونت فيها وحتى عندما عارضتها»، بل يشير إلى أنه كاد يعود إلى روسيا «العزيزة» مع أمه عندما بلغ السادسة من العمر.. لكن تم التخلي عن مثل هذه الفكرة والتحق الطفل مكسيم بالمدرسة الفرنسية مما شكّل منعطفاً «نهائياً» في حياته.
وكانت الأجواء التي عاشها هي بالتحديد وراء التحاقه في سن مبكرة بالحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان آنذاك روسي الهوى.. وينقل رودنسون بأنه عند وفاة لينين ترددت انشودة لدى الفرقة الشعبية للشيوعيين الفرنسيين تقول بعض كلماتها:
أيها الاخوة.. اخوة البؤس والألم
أينما كنتم في الأرض
أينما كنتم.. أينما كنتم
انشدوا للمجد.. انشدوا للمجد
انشدوا لمجد قائدنا المحرر
ابكوا يا يتامى الطبقة العاملة
فايليتش.. أبونا
قد تركنا..
قد تركنا إلى الأبد
مثل هذه الذهنية التي كانت تحتوي على قدر كبير من «الجهل البدائي» أخذت بالاندحار والتلاشي في عقل الشاب مكسيم بمقدار ما اتسعت آفاق معرفته من خلال قراءاته وحيث يكرس فصلين من الكتاب لما يسميه بـ «التعليم الذاتي الموازي» ثم «مكتبات الطفولة» وبمقدار ما كانت تزداد المعارف كانت تتعاظم الأسئلة أيضاً حول معنى الوجود الإنساني.
ولعل أجمل صفحات الكتاب هي تلك التي يتحدث فيها المؤلف عن قراءاته وكيف «تعلم» منها حيث يشير بأنه كان قد قرأ لفولتير وروسو ومفكري عصر التنوير وهو في سن الرابعة عشرة.. ومن خلال مجمل قراءاته أصبح مأخوذاً، كما يشير هو نفسه، بـ «طرق النقاش العقلاني وبالبحث عن مصادر الخطأ التي أنتجتها آلية عمل الذهن الإنساني عامة في كل الأزمنة والأمكنة». هكذا كان يعتبر نفسه «ضمنياً» «عقلانياً» و«تنويرياً» قبل أي شيء آخر.
«ذكريات رجل هامشي» هو في صميمه عن سنوات التكوين خلال فترة الشباب لمفكر أحب الشرق وثقافته كما يبدو من حديثه عن تلك الفترة التي أمضاها في مدينة صيدا بجنوب لبنان كأستاذ للغة الفرنسية.. كما كان قد عمل أثناء مطلع سنوات الأربعينات من القرن الماضي في بيروت بإطار دائرة الآثار التابعة لـ «فرنسا الحرة» والتي كان الجنرال ديغول قد أنشأها.. كذلك يحكي بكثير من الحماس المشوب بالحنين عن فترة خدمته العسكرية التي أمضاها في سوريا وتحديداً في مدينة حمص برتبة «جندي أول» مسؤول عن توزيع مادة السكر.
لقد كتب رودنسون هذه الصفحات في الفترة الأخيرة من حياته بعد أن كان قد أصبح أحد كبار مفكري عصره.. إنها صفحات لم تكتمل إذ توقف عن كتابتها يوم 10 مايو 2004، كما هو مذيل في نهايتها وتوفي يوم 24 مايو.
الكتاب: ذكريات رجل هامشي
الناشر: فايار ـ باريس 2005
الصفحات: 434 صفحة من القطع المتوسط
SOUVENIRS D'UN MARGINAL
MAXIME RODNSON
FAYARD - PARIS 2005 5
P. 434