مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الإنجليزي ميكائيل موريارتي المختص بتاريخ الفلسفة الفرنسية. وهو هنا يقدم لنا لمحة تاريخية معمقة ومطولة عن بدايات الفلسفة الحديثة في فرنسا، ومعلوم أن ديكارت يشكل نقطة البداية ليس بالنسبة لفرنسا فقط، وإنما أيضاً بالنسبة للعالم كله. فهو الذي قام بأكبر انقلاب فلسفي على أرسطو وأزاحه عن عرشه الذي تربع عليه مدة ألفي سنة.
وهو الذي أسس الفلسفة الحديثة القائمة على المنطق الرياضي والعلم الفيزيائي ونظرية كوبرنيكوس وغاليليو للكون. وهي نظرية مخالفة لنظرية بطليموس وأرسطو القائلة بمركزية الأرض ودوران الشمس حولها. ولكن كوبرنيكوس ومن بعده غاليليو أثبتا العكس تماماً. فالأرض ليست ثابتة وإنما متحركة وهي التي تدور حول الشمس كما هو مثبت حالياً.
يقول المؤلف منذ البداية ما معناه: عندما ظهر ديكارت في القرن السابع عشر كان الناس في حالة بحث عن مرشد روحي يدلهم على الطريق. وعندما أصدر كتاب مقال في المنهج عام 1637 كان ذلك يعني أن هذا الطريق أصبح مفتوحاً وسالكاً.
وإن الشخص الذي عثر عليه هو: رينيه ديكارت. ولهذا السبب فإن بعضهم قالوا بأن الفلسفة الديكارتية شغلت القرن السابع عشر كله وأضاءت لأوروبا، وليس فقط لفرنسا طريقها، وعلى هذا النحو حلت الفلسفة الديكارتية محل الفلسفة الارسطوطاليسية. فالناس ما عادوا بحاجة إلى أرسطو بعد أن ظهر هذا الفيلسوف العبقري: رينيه ديكارت.
لقد قدم ديكارت للبشرية الأوروبية المعادلة الفلسفية أو التركيبة التوفيقية التي كانت تنتظرها منذ زمن طويل. من هنا أهميته في تاريخ الفكر. فمن هو ديكارت يا ترى؟
لقد ولد في عام 1596 في جنوب غرب فرنسا. وفي عام 1604 دخل إلى مدرسة اليسوعيين، أي الإخوان المسيحيين، الذين لقنوه مبادئ العلم والدين. وفي ذلك الوقت كانت المدارس كلها دينية. وكانت ملحقة بالأديرة.
ولكن إذا كان معجباً بأساتذته بشكل عام فإنه انتقد البرامج الدراسية التي اعتبرها تكرارية عقيمة. وحدها الرياضيات كانت تعجبه، ولذلك تعلق بها وأتقنها. وسوف تلعب دوراً كبيراً في فلسفته لاحقاً. فهي التي علمته كيفية بلورة المنهجية الواضحة في الفكر. وذلك لأن الرياضيات علم عقلاني، منطقي، يؤدي إلى اليقين.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن ديكارت لم يتوصل إلى منهجيته العقلانية في التفكير من خلال الرياضيات والمنطق فقط، وإنما من خلال التجارب العملية، والحياتية. فلم يكن شخصاً معتكفاً أو منعزلاً في برجه العاجي. وإنما كان منخرطاً في معمعة الحياة. وقد ذاق كل معاناتها وأهوالها قبل أن يكتب حرفاً واحداً. فقد انخرط في جيش الأمير موريس دونالسو في هولندا، وعرف معنى الحرب والضرب والعلاقات البشرية وأهوال الحياة.
ثم جاءه الإلهام في ليلة (10) نوفمبر من عام 1619 حيث انكشف له حقيقته ومهمته في الحياة. وعرف عندئذ أنه مدعو لتحقيق أمر عظيم ألا وهو: اكتشاف المنهج الذي إذا ما اتبعه الغرب استطاع أن يصبح سيداً للطبيعة ومسيطراً عليها عن طريق العلم والتكنولوجيا.
وبالتالي فديكارت هو أستاذ الغرب من حيث المنهج. إنه الفيلسوف الذي دل الغرب على طريق الحقيقة في مجال العلم والفلسفة وجعله يتفوق على العالم كله. ولذلك وصفه هيغل بأنه بطل الفكر.
ولكي يتوصل ديكارت إلى بلورة المنهج الصحيح للبشرية فإنه راح يعتزل الناس ويعيش في هولندا لا في بلاده الأصلية فرنسا. فما هو السبب يا ترى؟
في الواقع إن الحرية كانت متوافرة في هولندا أكثر من فرنسا بكثير.. وديكارت كان بحاجة إلى العزلة والوحدة من أجل التفكير بهدوء وبلورة مشروعه الفلسفي دون إزعاج كبير.
وكان يعرف انه يهدم الفكر السابق لكي يبني الفكر اللاحق، وإن ذلك سوف يعرضه للتهم والشبهات وربما الملاحقات. فالواقع أن الكنيسة المسيحية لم تكن راضية عنه على الرغم من كل التصريحات المطمئنة التي يطلقها والتي يقول فيها بأنه مخلص لدين آبائه وأجداده. ولكن منهجيته القائمة على الشك قبل التوصل إلى اليقين كان يمكن أن تشكل خطراً على عقائد الكنيسة التي لا تحتمل الشك.
صحيح أن ديكارت لم يطبق منهجية الشك على العقائد الدينية لكي يتيقن من صحتها أو عدم صحتها، ولكن المفكرين الذين جاؤوا بعد، وبخاصة سبينوزا، طبقوها. وقد أثار ذلك عاصفة من الاحتجاجات الغاضبة في أوساط رجال الدين.
والواقع أن منهجية السكولائية، أي المدرسانية التقليدية الخاصة بالقرون الوسطى، كانت قائمة على الطاعة العمياء والتبعية لرجال الدين. فيكفي أن يقول أحدهم: قال القديس فلان، أو القديس فلان لكي يصدقه الناس حتى ولو كان مضمون كلامه خطأ ومجانباً للحقيقة والحس الصائب.
أما ديكارت فقال للناس: إياكم أن تصدقوا أي كلام إذا لم تتم البرهنة عليه بشكل منطقي أو عقلاني، فأنتم لكم عقول، ويكفي أن تشغّلوها لكي تفرزوا الصحيح عن الخاطئ ولكي تتوصلوا إلى الحقيقة. فشغّلوا عقولكم أيها الناس ولا تلغوها بحجة أن هذا الخوري أو ذاك يريدكم أن تطيعوه أو تصدقوه من دون مناقشة، فهو بشر مثلكم قد يصيب وقد يخطئ وليس معصوماً. أما الناس في العصور الوسطى، بل وحتى في عصر ديكارت، كانوا يعتقدون بأن رجل الدين معصوم لأنه يتكلم باسم الأنبياء والرسل والتوراة والإنجيل.
ثم يردف المؤلف قائلاً ما معناه: على هذا النحو انتقل ديكارت بالبشرية الأوروبية من منهجية العصور الوسطى إلى منهجية العصور الحديثة. وهذا الانتقال هو الذي أدى إلى سيطرة أوروبا على الطبيعة عن طريق اختراع الآلات التكنولوجية المعقدة والقادرة على صنع المعجزات.
والواقع أن الثورة الكبرى التي أحدثها ديكارت في مجال الفكر تكمن في ما يلي: إحلال العقل محل اللاهوت المسيحي التقليدي في فهم العالم وتفسيره. فأنوار العقل هي وحدها القادرة على فهم الأشياء فهماً صحيحاً، ثم تغييرها لاحقاً.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن هذا لا يعني بأن ديكارت كان ملحداً. بل على العكس، كان مؤمناً بالله، ولكن إيمان العقلانيين لا إيمان أهل التواكل والتسليم. وكان يقول بما معناه: إن أهم الأفكار وأعلاها شأناً هي تلك الفكرة التي تقول بوجود الله. وفكرة الله بحد ذاتها هي فكرة الكمال واللانهائيات. أما الإنسان فهو ناقص، محدود، منته.
فكيف يمكن لي أنا الإنسان الناقص والمحدود أن أفهم فكرة الله والكمال واللانهائيات؟ هذه الفكرة لا يمكن أن تأتي مني وإنما من كائن أعلى أكبر مني. وهذا الكائن الأعلى هو الله عز وجل، فهو الذي زرع فيَّ حب الكمال والتمام واللانهائية، وبالتالي فالله موجود من دون أدنى شك.
ثم يردف ديكارت قائلاً: وبالتالي فإذا كان الله موجوداً فإنه لا يمكن أن يخدع الإنسان. على العكس انه هو الذي يهديه إلى طريق الرشاد، وبالتالي فالله الذي زوّدنا بالعقل هو الذي هدانا إلى اتباع الأفكار الصحيحة ذات البرهان.
أما فيما يخص مقولة ديكارت الشهيرة: أنا أفكر، فأنا موجود، فيقول المؤلف ما معناه: من أعماق الشك ينبثق اليقين، وبالتالي فالشك الديكارتي ليس عقيماً ولا عدمياً، وإنما هو يؤدي إلى نتيجة معينة. ولذلك فلا ينبغي أن نركز على الشك عند ديكارت وننسى اليقين الذي يؤدي إليه. فالرجل لم يكن شكاكاً حباً في الشك، وإنما حباً في الحقيقة والتوصل إلى اليقين.
وذلك لأنه إذا كنت أنا أشك فهذا يعني انني موجود وإلا لما شككت بأي شيء. وبالتالي فمقولة: أنا أفكر، فأنا موجود تعني في الواقع: أنا أشك، فأنا إذن موجود.
فالشك هو الذي يدفعنا إلى الغربلة والتمحيص من أجل التوصل إلى الحقيقة. أما أولئك الذين لا يشكون في أي شيء والذين يسلمون بكل شيء يقال لهم من قبل الكهنة ورجال الدين فلا يمكن أن يفكروا بأنفسهم، وبالتالي فلا يمكن أن يتوصلوا إلى الحقيقة بأنفسهم، إنهم من أهل التواكل والتبعية للآخرين لا من أهل التفكير والإبداع الذاتي.
ثم ينتقل المؤلف بعدئذ للتحدث عن فيلسوف آخر كبير مضاد لديكارت هو «باسكال»، وكان عبقرياً في مجال العلم الفيزيائي والرياضيات في شبابه الأول. ولكنه انتقل بعدئذ إلى مجال الدين وهجر العلم والعلماء، وبالتالي فلا يمكن تصنيفه في خانة الفلاسفة العقلانيين.
في الواقع انه كان فيلسوفاً وجودياً على الطريقة الدينية المسيحية. فباسكال كان رجلاً مفعماً بالقلق تجاه المصير البشري وتجاه التساؤل التالي: من نحن؟ من أي جئنا؟ وإلى أين المصير؟ وفي رأيه أن الدين هو وحده القادر على تقديم جواب عن هذه الأسئلة الثلاثة وليس العلم.
ولذلك تخلى باسكال عن البحث العلمي العقلاني وهاجم ديكارت ضعيف الإيمان في نظره والعقلاني بشكل محض. وكان باسكال يقول إن ديكارت شخص غير مفيد وغير موثوق! ثم يردف قائلاً: القلب هو وحده الذي يحس بوجود الله وليس العقل، وبالتالي فالإيمان مركزه القلب لا العقل، ومن لا قلب له لا إيمان له.
ينتج عن ذلك أن تصور الفلاسفة لله لا يشفي الغليل، وإنما تصور الدين. فالأول تجريدي ناشف لا قلب فيه ولا عاطفة ولا إحساس. أما الثاني فهو مليء بالثقة والمحبة والأمل والرجاء.
الكتاب: بدايات الفكر الفرنسي الحديث
الناشر: مطبوعات جامعة اكسفورد 2005
الصفحات: 286 صفحة من القطع المتوسط
Early Modern French Thought
Michael Moriaty
Oxford University Press2005
P. 268