مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور «مارك ـ فرانسوا بيرنييه» الذي امتهن الصحافة منذ عشرين عاماً، والذي يدرس الاتصال والصحافة في جامعة أوتاوا. لقد قام بيرنييه بجملة من المساهمات الفكرية وبنشر عدة كتب من بينها: أزمة المسلكية أو مسلكية الأزمة (1992)، المتخفون (1995)، أشباح البرلمان (2000)، العلاقات المحرمة (2003)، رؤية منهجية للحقيقة في الصحافة (2004).

تتوسع دائرة سلطة الصحافة مع توسع انتشار وسائل الإعلام وتأثيرها على الجمهور، هذا ما يضع على عاتق الصحافيين الاضطلاع بمسؤوليات أكثر فأكثر اتساعاً ويحدد شرعيتهم بممارسة حرية صحافة مسؤولة أمام القراء.

وإذا كانت المسلكية الأدبية للصحافة تفرض واجبات مهنية ضرورية تشكل رافعات العمل الصحافي كالحقيقة والنزاهة والإنصاف والصحة والموضوعية، فإن أخلاقية هذا العمل تتعلق بالضبط بكل صحافي في مواجهته للأوضاع والحالات الاستثنائية التي لا تستجيب لها تلك الرافعات العامة، وبالتالي فإنها ـ أي الأخلاقية تتطلب منه اجتهاداً شخصياً إن صح التعبير في معالجة تلك الأوضاع والحالات من خلال ما يمتلكه من تفكير نقدي وعبر قدرته على تسويغ عمله إزاء الجمهور ذلك أن القضية لا تتعلق بمصداقية الصحافيين وثقة الجمهور بهم وحسب وإنما أيضاً بالمؤسسات الصحافية التي يعملون فيها.

في بداية كتابه يتحدث المؤلف عن الشرعية الاجتماعية للصحافة. فهذه الشرعية تعني الاعتراف الاجتماعي بفائدة وضرورة الصحافة بالنسبة للمجتمع، هذا يعادل تقبل الجمهور كله لوظيفة الصحافيين ولمهمتهم في الحياة الاجتماعية بحيث أن الشرعية الصحافية هي نوع من عقد اجتماعي بينهم وبين المواطنين يوفر الاطلاع على ما يجري، الأمر الذي يمكّن كل مواطن من تحقيق الاختيارات المستنيرة له في الشؤون العامة.

ومن هنا لابد من التمييز بين الصحافي وبين غيره ممن يعملون في الحقل الاتصالي لماذا؟ لأن الصحافي مرتبط بجملة من القواعد المسلكية المتعارف عليها التي تنص عليها مختلف المواثيق الصحافية، والتي يشكل احترامها قاعدة العقد الاجتماعي الذي أشرنا إليه، نزاهة وموضوعية وإنصافاً وتجرداً.

هكذا فإن الصحافي يستمد شرعيته من المواطنين، من الجمهور الذي يتم إعلامه بأحداث الساعة، بل وبخوافيها وأبعادها، بحيث أن هذه الشرعية هي مصدر وشرط حرية كل صحافي. إنها «رأسماله الأساسي» في مهنته.

إلا أنه لا يوجد هناك من «حرية بلا مسؤولية» حسب الفيلسوف الفرنسي جان ـ ماري دوميناك لاسيما وأن الصحافيين يتمتعون بحريات وامتيازات لا يتمتع بها سواهم.. فهناك في عديد من البلدان لا يحتاج الصحافي إلى ترخيص له لكي يقوم بعمله في حين أنه يمارس حريته في معالجة أي موضوع كان ومن الزاوية التي يراها، ونشر أو عدم نشر ما يريده، أو إعطاء أو عدم إعطاء الأهمية لحدث فيما يتناوله.. إنه حر بمعنى أنه لا يوجد هناك من قانون يفرض عليه طريقة عمله الصحافية. وإلى جانب ذلك فإنه يتمتع بامتيازات حضور الاجتماعات البرلمانية، والمحاكم القضائية والوصول إلى الوثائق العامة، والتواجد في أماكن الأحداث الجارية.

إن حرية الصحافة في الغرب هي قيمة أساسية ومعيار جوهري للديمقراطية. ولكننا إذا أخذناها بشكل مطلق كونها تاريخياً امتداداً لحرية التعبير، فإن هذا من شأنه أن يجعلها جسراً لكافة التجاوزات على حقوق الأفراد وبحيث ينتظم العقد الاجتماعي بين الصحافيين والمواطنين. لهذا لابد من طرح الحرية المسؤولة للصحافة اليوم.

ويستعرض الكاتب مختلف التعريفات لحرية الصحافة لينتهي إلى القول أن الاستخدام النير لها إنما يمكن في النهاية بمراعاة أخلاقية ومسلكية أدبية في ممارستها. هذا ما يفترض بالضرورة أنه لا يمكن القيام بأي شيء باسم هذه الحرية وبما جعل «جون ميرييل» أكثر الباحثين اختصاصاً في الميدان الصحافي والذي كان يدافع عن الحرية المطلقة للصحافة لأن يشدد عام 1989 على استخدام مسؤول لها إزاء حريات وحقوق أفراد المجتمع.

ومن جانب آخر فإن هذا الاستخدام المسؤول تفرضه حقيقة ما طرحه عالم اللسانيات الأميركي الشهير «نعوم شومسكي» منذ عام 1988 في أن معظم وسائل الإعلام في أميركا ليست أكثر من «أدوات دعائية في خدمة مصالح الولايات المتحدة الأميركية» يسيرها في ذلك نظام أيديولوجي تم استبطانه من قبل معظم الصحافيين.

لقد سادت عبر ثلاثة قرون الاستعارة المجازية لـ «السوق الحرة للأفكار» في ميدان الصحافة والتي تشكل الوجه الآخر لـ «اليد الخفية» للسوق الاقتصادية الحرة، ومفادها أن الأفكار الصحيحة هي التي ستفرض نفسها في كل وسط يستطيع فيه الأفراد أن يحققوا اختياراتهم بحرية.

لكن أصحاب هذه الدعوة التي أصبحت عقيدة ثابتة (دوغما) لا يحددون ما الذي ستطرحه هذه السوق وماذا ستسفر عنه. فالأمر بالنسبة لهم لا يتعلق بصحافة مسؤولة أم لا، ولا بأخبار صحيحة أم باطلة، بقدر ما أن كل شيء يمكن طرحه ليختار المواطن «عقلانياً» ما يريد، وبالتالي فإن تقنيات الدعاية والتضليل وتحريف الوقائع ليس لها من أثر لأن «الحقيقة ستنتصر أخيراً». بمعنى آخر فنحن أمام «داروينية اجتماعية» في ميدان الصحافة حيث أن البحث للبقاء على قيد الحياة إنما هو للأصلح والقادر على الاستمرار.

إن مسؤولية الصحافي قائمة سواء تعرفت هذه المسؤولية بشكل قانوني أو أجمع عليها الوسط الصحافي أو تعلقت بكل صحافي. وفي هذا سواء على المستوى المحلي أو الدولي، فإن حرية الصحافي تتلازم مع تفاديه للإضرار بحقوق المواطنين أو تعريض بعضهم لخطر كارثي، كما تتلازم مع تفاديه إلحاق الأضرار بحقوق شعوب أخرى.

أن «الشرط الذاتي» لتحمل هذه المسؤولية يكمن في التوقف لدى الأخبار الواردة إليه وتحليلها واستشفاف النتائج المتوقعة في حال نشرها والتقييم النزيه لرهاناتها. هذا ما يقود الكاتب إلى التعرض لـ «علبة بوتر» الصحافية المعروفة التي تساعد الصحافي على أن يكون على بينة فيما يكتبه وينشره أو يبثه إزاء أي شكل معقد يواجهه.

فهذه العلبة تحتوي على مقاييس محددة. فإلى جانب ضرورة إعادة صياغة الوضعية التي تطرح هذا المشكل من قبل الصحافي، وذلك على ضوء معطياتها المتفرقة، فلابد من تميز القيم المختلف عليها والرهانات التي تطرحها. كما أنه لا مندوحة عن تحديد المبادئ المهنية الصحافية الأساسية التي يحملها الصحافي في معالجة هذا المشكل، ورابعاً وأخيراً لابد من اليقظة على نمط الولاء الذي «يعيشه» الصحافي سواء أكان باتجاه مؤسسته الصحافية، أم بالنسبة للمجتمع، أم بالنسبة لمصالح جهوية ... هكذا يمكن للصحافي أن يتخذ قراره وهو على بينة من أمره، أي بما يجعله واعياً على ما يقوم به ومسؤولاً عنه.

لكن ما يواجه الصحافي لا يقتصر على مشكل معقد يحتاج إلى مقاييس لاتخاذ قرار حوله، ذلك أن المصلحة العامة التي يفترض فيه احترامها بنفس الوقت الذي يفترض فيه مراعاة الحياة الخاصة للمواطنين، هو محط خلاف بين الصحافيين، فلا المصلحة العامة هي بهذا الوضوح ولا التخوم بين الحياة العامة والخاصة هي بهذا الثبات. ولهذا يطرح الكاتب مقاييس أساسية على كل من المستويين العام والخاص:

ـ هل الخبر يتعلق بأوسع عدد من المواطنين؟

ـ هل الخبر ضار أم نافع بالنسبة للعدد الأوسع منهم؟

ـ هل الخبر مفيد في مساعدة المواطنين على تحقيق اختياراتهم سواءاً كانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية؟

ـ هل يمكّن الخبر من التداول والمشاركة الديمقراطية في حياة المجتمع؟

ـ هل الخبر ذو سمة عامة واضحة ومعزولة عن الحياة الخاصة لبعض الأفراد؟

ـ هل دارت الأحداث التي يراد نشرها في مكان عام أم في مكان خاص؟

ـ هل الخبر يخدم المصلحة العامة أم مصلحة فئة محددة أم مصلحة أفراد؟

ـ هل المصادر التي تعطي الخبر تستهدف معلومات مفيدة للجمهور أم أنها تستهدف بعض الأفراد في حياتهم الخاصة؟

ـ هل الخبر يتطابق مع الحقوق الفردية الشخصية التي نصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أم أنه ينتهكها؟

ـ هل الخبر يعرض حياة مجتمع للخطر أو هل يعرض حياة أشخاص للخطر؟

ـ هل يراعي الخبر عدم التمييز العرقي أو الطائفي أو بين الرجل والمرأة؟

ويتعرض الكاتب في هذا كله إلى دعائم العمل الصحافي. فالحقيقة قضية مركزية لا باعتبارها حسب العالم الاجتماعي «ريمون بودون» مبدأ يشمل جميع المجتمعات الإنسانية كقيمة أساسية لها وفي علاقاتها وحسب، وإنما لأنه أيضاً مبدأ ديمقراطي تتطلبه المصلحة العامة نفسها لأنه من خلال إعلام المواطنين بالحقيقة يمكن لهم تحقيق توجهاتهم واختياراتهم. هذا يعني أن يقدم الصحافي كشفاً حقيقياً لأحداث الساعة من خلال السياق الذي تجري فيه وبما يعطي لهذه الأخيرة معنى ودلالة.

لقد أصبح الخبر في مرحلة ما بعد الحداثة بوجه خاص سلعة تباع وتبحث عن أوسع الجمهور لشرائها، وفي هذا الوضع يصعب الحديث عن العمل الإعلامي المنصف في تناوله للأحداث. ولهذا قامت مؤسسة «نيمان فونديشين» بخلق جائزة جديدة للصحافة هي «جائزة الإنصاف» عام 2002 بمعنى «عرض الوقائع الموثوقة وطرح مختلف وجهات النظر المهمة، والمعالجة المتكافئة للأخبار سواء تعلقت بأشخاص أو مؤسسات أو أحداث أو قضايا.

وفي الوقت الذي تتعرض فيه الموضوعية في العمل الصحافي إلى نقد معرفي وعملي نتيجة صعوبة تمكن الصحافي من المعرفة الكاملة بالواقع، ولأنه يقوم فعلياً بإعادة تركيبه عبر طريقته القائمة على انتقاء الأخبار في بحر من تنوعها وعدم القدرة على تمحيصها، فإن الكاتب يرى أن هذه الموضوعية قائمة طالما أن الصحافي لا يلجأ إلى التضليل والتلاعب بالأخبار حسب أحكامه المسبقة أو اعتقاداته الشخصية أو ولاءاته الحزبية أو الجهوية أو مصالحه الشخصية أو انتماءاته المذهبية.

وفي كافة الأحوال فإن عدم انحياز الصحافي فيما يقوم به أمام ما يجري من نزاعات المصالح المختلفة المادية والرمزية والسياسية يشكل ضمانة لحرية الصحافة ومصداقية لها في أعين أوسع المواطنين، لأنه مسؤول إزاءهم ويستمد شرعيته الحقيقية منهم، وأنه إذا كان لابد له من أن ينخرط في حزب أو جهة ما، فإن المسلكية الصحافية وأخلاقيته الشخصية تقتضي منه أن يعلن عن ذلك فيما يحرره حتى لا يعتقد المواطنون أنه أمام صحافي متجرد عن أغراض ذلك الحزب أو تلك الجهة بما ينزع الثقة عنه وعن مؤسسته الصحافية.

هذا ما يشدد عليه «دليل المسلكية الصحافية للاتحاد المهني للصحافة» في كيبيك (كندا) بضرورة تفادي الصحافي الانخراط في نزاعات المصالح سواء أكانت من نمط تجاري أم لا، ذلك لأن استقلاليته هي شرط حريته ومسؤوليته بآن واحد.

الكتاب: أخلاقية ومسلكية الصحافة

الناشر: مطابع جامعة لافال ـ كندا 2004

الصفحات: 408 صفحات من القطع المتوسط

ETHIQUE ET DEONTOLOGIE DU JOURNALSME

MARC- FRANCOIS BERNIER

L'UNIVERSITE LAVAL QUEBEC 2004

P. 408