الفارو موتيس، رحّال بلا حدود، حاله في ذلك حال «ماكرول» بطل رواية «اميربار» وغيرها من رواياته، والفارق الوحيد بينهما يكمن في أن أحدهما يضيع في ليل الزمن، والآخر في مياه التحدي التي لا يمكن ترويضها. لكن كليهما، الكاتب وبطل الرواية، يتشاطران فردوساً سرياً، رغم ارتيابية الملاح وصلابته ورغم تيهه في مدار يفنى فيه كل شيء.
يتحوّل أدب موتيس، المكتوب تحت جنح ملحمة هوميروس والهبوط باتجاه عتمة كونراد، إلى شهادة على الكائن البشري. منزل الكاتب كأعماله، مليء برموز تعكس أحاسيس عالمنا، بوصلات وخرائط ورسوم بيانية خطية لزوارق وكتب قديمة. كما انه مسكون بالحضور النبيل وبالرسل الذين يحمون ذاكرة الكاتب وبجنود من الخيالة الصغار الذين سيشكلون مع الوقت رواية يخطط المؤلف لكتابتها.
كان موتيس موضع أرفع التقديرات في الوسط الأدبي العالمي، من بينها جائزة أمير أستورياس للآداب وجائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبروـ أميركي وجائزة سيرفانتس، وتُرجمت أعماله إلى 13 أو 14 لغة، إذا ما أخذت بعين الاعتبار بعض قصائده التي تُرجمت إلى الصينية، ويقيم في المكسيك منذ عام 1956. في ما يلي نص الحوار الذي أجرته الصحافية كلاوديا بوساداس مع الكاتب أخيراً ونشرته مجلة «اسييكولو» المتخصصة في الدراسات الأدبية والتابعة لجامعة «كومبلوتنسي» المدريدية.
ـ يُلاحظ، سواء في عملك الشعري أو الروائي، أن الملحمية هي النبض الذي يوجه الإبداع ويعطيه قوته وبقاءه. ما أصل هذه الرؤية؟
ـ يعود ذلك إلى وفائي للأعمال الكلاسيكية التي قرأتها منذ الطفولة، فالنبرة الملحمية لكثير منها بقيت معي طوال حياتي، لكن الأمر لا يقتصر على الموسيقى والنبرة التي كتبت بها مؤلفات مثل الأوديسا والألياذة ومن ثم «رومانثير والسيد»
وإنما يمتد وصولاً إلى المدلول أيضاً. من جانب آخر، كتب القصيدة طيلة أربعين عاماً ورواياتي ليست إلا استمرارية لموضوعاتها وهواجسها ومسارحها ومواقعها التي أحب. وأحياناً كثيرة أتساءل وأنا منهمك في كتابة رواية ما إذا ما كنت أعد مسودة قصيدة، ففي رواية «أميربار» على سبيل المثال، كتبت قصيدة من أربع صفحات من دون أن أدري.
ـ جزء لا بأس به من هذا الشعر هو مديح لما هو بدائي وأصيل ، مما يعطي انطباعاً بأن ذلك يمثل حنين المؤلف للماضي. ما العلاقة التي تجمع هذا الجوهر بالرواية الملحمية؟
ـ لدى قراءة الأعمال الكلاسيكية الملحمية تستشعر وجود موسيقى ما. والشعر في طبيعته غامض وأكثر سحرية ووضوحاً في آن معاً. ومن جانب آخر، كنت قارئاً للتاريخ منذ الطفولة وورثت مكتبة والدي، التي يدور الجزء الأكبر من محتواها حول هذا الموضوع، وبالتالي نشأ عندي ميل للماضي وتلك المرجعيات التاريخية الموجودة في شعري والتي تظهر لاحقاً في رواياتي ما هي إلا صدى لتجارب القراءة التي أعتبرها تجارب حياتية.
ـ الإشارة أو الرجوع إلى حضارات قديمة كالحضارة البيزنطية هو أمر جوهري فيك؟
ـ بالطبع، فأنا أهتم بكل الإبداع الغربي، ولا سيما البيزنطي. وحبي لهذه الحضارة عميق إلى درجة أني كتبت تحت تأثيره «موت الاستراتيجي» عام 1988، والتي هي قصة تدور حول شخص بيزنطي. الحضارات موجودة بصورة مطلقة وواضحة في كتاباتي ولا سيما في كتاب «من قراءات وشيء من العالم» الصادر عام 2000 والمفعم بالمرجعيات التاريخية.
ـ ثمة نبرة قوية في أعمالك تنم عن روح مأساوية شديدة الوضوح، ولا سيما في ما يتعلق بمصير بطلك ماكرول. ما هو الإرث الذي تكرّمه؟
ـ إذا قرأ المرء في الفترة والعمر اللذين تتشكل فيهما شخصية شاعرالمأساة الإغريقي سوفوكليس، ولاحظ ذلك الصوت وتلك الأوضاع ومواجهات الإنسان ضد الإنسان، إذا قرأ المرء هذه الرائعة فإنها تبقى في ذاكرته كمثال.
ومن ثم إذا قرأ روايات ديستويفسكي وديكنز.. إلخ فإنه يجد صدى لكل هذا. ونحن نتحدث في هذا الصدد عن الإنسان المجرد مع كل ظرفه الإنساني الواضح والحاضر. وذلك هو الذي شكلني ويثير اهتمامي كثيراً.
ـ لكن، وبمعزل عن الظرف الإنساني، ثمة مدح للماضي. وكما قلت، يؤدي إلى زعزعة الثقة والإيمان بالإنسان المعاصر؟
ـ بالإنسان على وجه العموم. ما الذي يُقرأ عند قراءة التاريخ؟ أليست هي الكوارث والفظاعات الوحشية وعهود أوروبا الغربية المسيحية المليئة بوحشية مرعبة مثلما هي حالة الحملات الصليبية. وبالتالي ما الأمل الذي يبقى للإنسان؟ لا يبقى له أي أمل. والأوهام التي خلفها هذا الوضع، لا سيما انطلاقاً من القرن الثامن عشر، هي أوهام معقولة.
صحيح أن روسيو أبدع إنساناً مثالياً كي يتمكن من تطبيق نظريته، لكن هذا الإنسان ليس كما يعرفه.
ـ ما هي قراءتك للإنسان المعاصر؟
ـ لقد نسينا الإنسان مرة أخرى، فالفرد لم يعد موجوداً الآن، وإنما هناك حشود كبيرة حاضرة عن طريق الأجهزة الانتخابية التي تنتشر كالأشباح وما يسمونه اتصالات في يومنا هذا يأخذ طابعاً أكثر غرابة في كل مرة والآلات لا توحي لي بحضور أي شخص. ونحن من جانب ننسى الإنسان ومن آخر لم نعد نراه. والإنسان الذي يقدم لنا عبر التلفزيون والإنسان الذي نقرأه عبر الانترنت ما هما إلا ظلال أو أنهما مختاران بصورة ماكرة لتقديم نوع محدد من الإنسان. لكن الأمر ليس على هذا النحو في الواقع.
ـ في رواياتك ثمة تقديس للأشياء ولجمالية قديمة محددة، ولكن قبل كل شيء لمفاهيم عن العالم كالترحال على سبيل المثال. ما الذي تعنيه هذه الأشياء والرموز بالنسبة إليك؟
ـ الرحلة هي فكرة. لكن السياحة والتعرف على الأماكن لا تثير اهتمامي، وإنما عيش الأجواء والبيئات. وهناك أمر آخر يلفت انتباهي ويثير اهتمامي واهتمام «ماكرول» أيضاً، وذلك بمحض المصادفة طبعاً، وهو الترحال عبر العالم، لأنه هدية قدمت لنا، لكننا نكرّس أنفسنا الآن لتدميرها بصورة مريعة. أحب التنقل والترحال كي أرى ما الذي يحدث داخل المرء نفسه.
أما في ما يتعلق بحب الأشياء، فذلك لأن هذه تمثل شهادات وبراهين وآثاراً تبقى من أشخاص تصرفوا وعاشوا مثلي إلى حد ما. الخريطة على سبيل المثال هي إحدى الروائع. فالخرائط أعدت على أيدي ملاحين وأناس لديهم فضول ليس لرؤية الأشياء الغريبة وإنما لموضعة الإنسان في موقع آخر وفي مناخ مختلف. وكل تلك البوصلات التي عندي وهذه الخرائط والكتب ما هي إلا شهادات على فضول الإنسان لرؤية ذاته من الداخل.
ـ يمثل البحر في رحلاتك عنصر تواصل مع الذاكرة الإنسانية ومصيرها، بحيث يبدو عنصر انتقال. ما الذي يعنيه البحر كي تعطيه هذا الطابع؟
ـ الإنسان سعى إلى البحر دائماً. ترى أين وُلد الشعب الأكثر ذكاء في تاريخ البشرية؟ في اليونان، أم في شبه جزيرة، أم في أرخبيل من الجزر؟ والشعب التالي الذي ترك لنا القانون وسلسلة من المعايير للعيش بصورة متحضرة افتراضياً، لأننا لم نعرف كيف نطبقها، أين هو؟ في روما أم في شبه جزيرة؟ لذلك فإن البحر هو عبرة متواصلة بالنسبة للإنسان.
ـ وكيف هو البحر كعنصر انتقال باتجاه المصير وكرمز لماهية الإنسان؟
ـ البحر هو الطريق الأكثر غنى الذي يمكن أن يوجد باتجاه الحقيقة الداخلية. ولا أعتقد أن الهواء يصل إلى هذا المستوى وأعتقد أن الطائرات لا تعلمنا شيئاً. أنا أعشق الأرض ولدي ذكرى لبعض الزوايا والأمكنة التي تمثل معجزة خالدة، لكن البحر أساسي بالنسبة لي.
ناهيك عن أنه لدي انطباع وتفاعل مثيران للفضول معه. ففي وسط البحر وفي أفق كله بحر نرى تلك الطاقة المنفلتة والرائعة وهي تنتقل ببطء باتجاه اللاشيء. تلك يمكن أن تكون إحدى الصور الجميلة للخالق.
الفارو موتيس في سطور
وُلد الفارو موتيس في بوغوتا عام 1923 ومن بين أعماله الروائية تبرز «قسطاس» و«ايونا تصل مع المطر»، حيث تلعب شخصية ماكرول البحار الدور الرئيسي في كلا الروايتين ومن المعروف أن هذه الشخصية هي إحدى أكثر الشخصيات شعبية في الأدب الإسباني.
وكما هو حال مواطنه غابرييل غارسيا ماركيز، استهل الكاتب مسيرته الأدبية بنشر الأشعار والمقالات النقدية في الملحق الأدبي لصحيفة «إل اسبيكتادور» وصحيفة «لا راسون» الكولمبيتين، وفي عام 1974 نشر ديوانه الأول.
على الرغم من اعتباره شاعراً، إلا أن موتيس كتب العديد من الروايات، من بينها «الأعمال الضائعة» و«دار أراوكايما» و«عبده البشور الحالم بالسفن»، وتسلّم موتيس، الذي تصفه الحركة النقدية كأفضل شعراء وروائيي جيله، في عام 1997 جائزة أمير استورياس للآداب، وفي ذلك العام نفسه فاز أيضاً بالدورة السادسة لجائزة الملكة صوفيا للشعر.
ويبرز من بين آخر أعماله «أعياد وأشباح أخرى» وهو عبارة عن سيرة ذاتية يوجز فيها ساعات طويلة من الحوار مع الكاتب إدواردو غارسيا. وتركز هذه السيرة على تلك الجوانب من شخصية موتيس التي تبرز أكثر من غيرها: الأدب والتاريخ وأفكاره المؤيدة للملكية في أميركا اللاتينية.
باسل أبوحمدة