مؤلفا هذا الكتاب هما الباحثان ميكائيل وايت، وجون غرايبين، المختصان بتاريخ العلم الحديث وفكر اينشتاين، وفي هذا الكتاب الجديد يقدمان سيرة ممتعة لحياة أشهر عالم في القرن العشرين وصاحب نظرية النسبية:البرت اينشتاين، ومعلوم أنه اكتشفها عام 1905 ولذلك فإن العالم يحتفل الآن بالذكرى المئوية الأولى لهذا الحدث الكبير الذي غيَّر وجه العالم.
وبهذه المناسبة صدرت الكثير من الكتب عن حياة اينشتاين. وخصصت له الجرائد الكبرى كجريدة «اللوموند» الفرنسية مثلاً ملحقاً خاصاً. ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: ولد البرت اينشتاين عام 1879 في مدينة «أولم» بألمانيا.
وعندما كان طفلا اكتشف شيئين: البوصلة وهو في الخامسة من العمر، وكتب الهندسة وهو في الثالثة عشرة. ثم تخلى عن عقائده الدينية التي كان قد تلقاها منذ نعومة اظفاره لكي يكرس نفسه كليا للبحث العلمي والمنطقي.
وعندما كان في المدرسة الثانوية حقق نتائج مرموقة في مجال العلوم الرياضية. ولكنه رفض ان يتعلم علم البيولوجيا والعلوم الانسانية لأنها موجودة في جميع الكتب على حد قوله. ثم يردف المؤلفان قائلين: كان اينشتاين يعتبر العلم بمثابة الثمرة للعقل البشري، وان العقل البشري قادر على تحقيق المعجزات عن طريق العلم.
ثم طلب من والده ان يساعده على نيل الجنسية السويسرية عام 1896، وهذا ما كان وفي العام نفسه تعرف على الفتاة التي ستصبح زوجته الأولى: ميليغا ماريك ثم نال شهادة التخرج الجامعية عام 1900، وكان يقرأ كثيرا في تلك الفترة ويعمق معارفه في شتى انواع العلوم وبخاصة الرياضية والفيزيائية منها. فهو قارئ نهم وذكاؤه حاد يهضم كل شيء!
وفي عام 1903 بعد موت والده تزوج من خطيبته ورزقا طفلاً عام 1904، ولكنه هجر ابنته الأولى التي ولدت قبل الزواج لأن وجودها يضر بمستقبله المهني!وهنا طرح البعض عددا من الاسئلة على شخصية اينشتاين وأخلاقياته وبين عامي 1905 ـ1909 نشر اربع مقالات مهمة أدت الى فتح الأبواب الجامعية أمامه على مصراعيها وكانت تتعلق بالفيزياء الذرية، وعلم الميكانيك السماوي، الخ..
وبعد اربع سنوات من صدور هذه المقالات اعترف به العلماء الكبار كواحد منهم. ولم يكن عمره يتجاوز آنذاك الثلاثين عاما وهذا يعني أنه نبغ مبكرا ثم عينوه عضواً في أكاديمية العلوم لبروسيا عام 1913. وهو منصب مهم بالنسبة لذلك الزمان، وهذا يعني انه حصل على الجنسية البروسية مثلما حصل سابقاً على الجنسية السويسرية، وكان يعرف كيف ينتهز الفرص لكي يؤمّن مستقبله.
ثم يردف المؤلفان قائلين:وفي عام 1914 انتقل اينشتاين الى برلين لكي يعيش ويعمل فيها لسنوات عديدة، وهناك فتحوا أبواب الجامعة والبحث العلمي أمامه لكي يكمل أبحاثه واكتشافاته الرائدة، فقد كان بحاجة الى وسط علمي ملائم لكي تتفتح عبقريته، وفي ذلك الوقع ابتدأ ينفصل عن زوجته على الرغم من انها أنجبت له العديد من الأطفال وراح يتعرف على ابنة عمه ايلزا، وعشية الحرب العالمية الاولى عبَّر عن أفكاره السلمية ومعارضته الحرب.
ثم راحت الأمور تتدهور في ألمانيا في العشرينات من القرن العشرين، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وخسارة ألمانيا لها وبداية صعود النازية، وبما ان اينشتاين من أصول يهودية فقد ابتدأوا يضايقونه في عمله وفي لحظة من اللحظات شعر بأن حياته أصبحت مهددة، وفي عام 1928 عينوه رئيساً لجمعية حقوق الانسان.
ولكن في عام 1933 عندما كان مسافراً سمع بأن العصابات النازية اقتحمت بيته ونهبت ما فيه. وبعد ذلك بقليل وصل هتلر الى السلطة وعندئذ قرر اينشتاين مغادرة ألمانيا وعدم وضع رجله فيها أبداً بعد اليوم وبالفعل فقد هاجر إلى أميركا حيث ساعد على اكتشاف القنبلة الذرية كما هو معروف وهكذا خسرته ألمانيا وربحته أميركا.
وكان ذلك من أكبر أخطاء هتلر، فلو لم يهاجر العلماء الألمان من عنده لكان قد سبق الأميركان الى اكتشاف القنبلة الذرية وربح الحرب، وفي عام 1955 يموت اينشتاين معززاً مكرماً عن عمر يناهز الثمانين عاماً تقريبا ولكن ابنه الأكبر هانز اينشتاين اصيب بالجنون وظل مسجونا في احدى المصحات العقلية الألمانية حتى مات، وكان اينشتاين قد أوصى بأن تحرق جثته بعد موته ويذرى رمادها في منطقة مجهولة احيطت بالسرية.
وقد نفذوا وصيته ما عدا شيئاً واحداً:وهو انهم حافظوا على دماغه وعينيه، وكان ذلك ضد ارادته. والواقع انهم كانوا يريدون ان يفحصوا أكبر دماغ انتجته العصور الحديثة!كانوا يريدون ان يعرفوا بماذا يتميز دماغ اينشتاين عن دماغ بقية البشر، وكان قد قال هذه العبارة التي ذهبت مثلا: هناك شيئان لا نهائيان:الكون والحماقة البشرية.
ولكن لست متأكدا مما أقوله عن الكون، أما حماقة البشرية فأنا واثق من أنها لا نهائية!ولكن البعض يقولون بأن هذه العبارة ليست له وانما هي منسوبة إليه زوراً، والله أعلم، ثم يردف المؤلفان قائلين:ينبغي العلم بأن ألبرت اينشتاين شرح نظريته عن النسبية العامة في كتاب ظهر عام 1916، وهو يضم مقالاته المنشورة عام 1905 بالاضافة الى مقالات جديدة، وهذه المقالات بكل اكتشافاتها تشكل قاعدة علم الفيزياء الحديثة.
ثم اختلف اينشتاين مع نظرية الميكانيك الكمي أو الموجي، أي ميكانيك الدقائق الذرية التي لا ترى حتى بأكبر المجاهر لماذا؟ لانهم قالوا باستحالة تحقيق بعض الاشياء الخاصة بدقائق الذرة كالالكترونات وسواها وبلوروا نظرية الافتراض أو الاحتمال، فقال اينشتاين:في الكون لا توجد احتمالات وانما قوانين يقينية فالله لا يلعب بالنرد، او بالحظ.
فرد عليه العالم الكبير نيلزبور قائلا: ومن أنت يا البرت اينشتاين حتى تفرض على الله ما الذي ينبغي أن يفعله أو لا يفعله؟!والواقع ان العالم الدانماركي كان الوحيد الذي يستطيع ان ينافس اينشتاين على العبقرية العلمية، فهو مخترع نظرية الميكانيك الكمي أو الموجي الذي لا يقل أهمية عن نظرية النسبية التي اخترعها اينشتاين، ولكن الشهرة العالمية الكبرى كانت من حظ اينشتاين.. لا من حظ نيلزبور.
وهذا ظلم في الواقع لأنه لا يقل أهمية عنه، والآن ماذا عن علاقة اينشتاين بالسياسة؟
عن هذا السؤال يجيب المؤلفان قائلين:في مجال السياسة كان اينشتاين أولاً وقبل كل شيء رجلاً مسالماً ومضاداً للحرب تماماً، وذلك لأنه لا ينتج عنها إلا الويلات والمصائب للبشرية، ولكنه نصح بخوض الحرب في حالة واحدة:من أجل الحفاظ على الحضارة ومنع الهمجية أو البربرية من القضاء عليها.
وأما فيما يخص الحركة الصهيونية فمن كثرة ما ضغطوا عليه قبل المشاركة في تأسيس الجامعة العبرية في القدس وقبل نداء حاييم وايزمن الذي طلب منه القيام بجولة في الولايات المتحدة لجمع الأموال من أجل تأسيس هذه الجامعة ولكنه عندما زار القدس لأول مرة وقف أمام حائط المبكى قال هذه العبارة:من المؤسف أن نرى أناساً يمتلكون كل هذا الماضي ولكن لا حاضر لهم، وهذا يعني أنه تأثر أمام هذا الحائط التاريخي.
وكان يقصد بذلك أن اليهود بلا حاضر ولكنه في الوقت ذاته حذر قادة الحركة الصهيونية قائلاً: من دون التعاون الشريف مع العرب لن يكون هناك سلام في المنطقة ولا ازدهار وما أقوله يخص المدى الطويل لا القصير..وبالتالي فحاولوا أن تتصالحوا مع العرب بأي شكل، وأما فيما يخص الحرب العالمية الأولى فقد وقع على عريضة من أجل السلام مع ثلاثة علماء ألمان آخرين ولكن واحداً وتسعين عالماً ألمانياً آخر وقعوا على عريضة مضادة!
وفيما بين الحربين العالميتين أخذ اينشتاين يتلقى تهديدات بالقتل بدءاً من عام 1933 ولذلك فإنه استقال من أكاديمية بروسيا عام 1933 وأما أكاديمية بافاريا، أي ميونيخ، فقد طردته في الفترة نفسها من عضويتها لأنه من أصل يهودي وعندئذ قرر الهرب والعيش في المنفى عندئذ أصبح العيش في ألمانيا مستحيلاً بالنسبة لأي شخص من أصل يهودي.
وبعد أن استقر في الولايات المتحدة وساهم في تقدم البحوث الذرية وأصبحت القنبلة الذرية قاب قوسين أو أدنى كتب رسالة إلى الرئيس روزفيلت يترجاه فيها أن يتراجع عن صنع القنبلة ولكن الرئيس الأميركي رفض طلبه بطبيعة الحال.
وعندما ظهرت الموجة المكارثية في الولايات المتحدة وأصبحوا يلاحقون الناس بتهمة الشيوعية حقاً أو باطلاً شعر اينشتاين بأن جو الرعب الذي عاشه في ألمانيا سابقاً، انتقل إلى أميركا، والأغرب من ذلك هو أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (ف.ب.آى) فتح تحقيقاً عن اينشتاين، بل وهاجمه بعض أعضاء الكونغرس المتطرفين.
ثم اتهموا سكرتيرته هيلين دوكاس بأنها جاسوسة لدى موسكو ولكن التحقيقات أثبتت خطأ هذا الاتهام وأنه لا أساس له من الصحة، ولم يكن مؤيداً للاتحاد السوفييتي فما سمعه عنه لم يعجبه كثيراً، ثم يضيف المؤلفان قائلين:وقد رفض اينشتاين رئاسة دولة إسرائيل عندما عرضها عليه دافيد بن غوريون.
وقال كتبرير لأسباب رفضه:إذا كنت أفهم قوانين الكون فهذا لا يعني أني أفهم في السياسة ولا في كيفية إدارة أمور البشر، يضاف إلى ذلك فإنه يبدو أن رئيس دولة إسرائيل مضطر أحياناً للتوقيع على قرارات غير مؤمن بها، وهذا شيء يستحيل أن يفعله شخص مثلي، فأنا رجل علم لا رجل سياسة.
ولكن اينشتاين ترك قبل موته (توصية) أن ترسل محفوظاته أو أرشيفه الخاص إلى جامعة القدس.
والواقع أنه كان مسالماً جداً وذا فلسفة عقلانية بالكامل، من هذه الناحية كان إنسانياً وعظيماً، ويبدو أنه كان كائناً لا اجتماعياً ولكنه في الوقت ذاته يحب المجتمع والبشر. بمعنى آخر فإنه كان متوحداً يميل إلى التأمل كمعظم الفلاسفة والعلماء.
وقد انضم إلى برتراند رسل في حملته على الحرب والسباق على التسلح بين القوتين العظميين، وكان ذلك في بدايات الحرب الباردة، ومعروف أنهم عينوه مديراً للجنة الطاقة الذرية في الأمم المتحدة ولكنه استقال منها عندما أدرك عدم قيمتها أو لا جدواها، ولكنه كان سييء المعاملة لزوجته الأولى، وكثيراً ما يخون زوجته الثانية، وهذه من النواقص الكبرى التي تؤخذ عليه.
الكتاب: اينشتاين
الناشر: سيمون وشوستر
نيويورك 2005
الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط
EINSTEIN
MICHAEL WHITE
JOHN GRIBBIN
SIMON AND SCHUSTER
NEW YORK 2005
P. 288