في رواية وُصفت بأنها من أقوى روايات العام الجاري ، تطل الكاتبة إليزابيث كوستوفا على الساحة الأدبية العالمية بعمل لا يمكن أن يبدو أنه العمل الروائي الأول لشخص ما. ولكن تلك هي الحقيقة، فرواية « المؤرخ» هي الأولي لهذه الكاتبة الأميركية. ولكن ما قد يساهم في تفسير هذه الضجة الإعلامية التي قوبلت بها الرواية على الرغم من كونها الأولى للكاتبة هو حقيقة أن كوستوفا ظلت تكتبها لمدة عشرة أعوام كاملة، الأمر الذي يبين مدى الدقة التي أولتها الروائية ذات الأربعين ربيعا إلى باكورة إنتاجها الأدبي.
حقيقة أخرى تساهم بشكل كبير في تزايد الاهتمام بالرواية تتمثل في أن الرواية تصور جانبا من التراث الشعبي الأوروبي هو الأكثر إثارة واستقطابا للانتباه بين مختلف الفئات العمرية ، وهو الجانب المرتبط بمصاصي الدماء، تلك المخلوقات الليلية التي تعيش على دماء ضحاياها وقامت من بين الأموات.
ويبين التراث الأوروبي أن المثل الأعلى المقدس لتلك الكائنات هو دراكولا، مصاص الدماء من ترانسلفانيا ،وهو شخص يشبه الخفاش له نابان طويلان ويرقد في تابوت أثناء النهار، ثم يقوم في الليل ليقضم الأعناق ويمتص دماء ضحاياه ليتغذى عليها ويتقوت بها. ولا شك أن تقديم فكرة بسيطة عن تلك المخلوقات هو أمر يساعد كثيرا في فهم تلك الرواية وإدراك أبعادها وما تحاول رسمه وتوضيحه للقارئ.
لم يكن دراكولا، أو فلاد تيبيس طبقاً لمراجع التاريخ، مصاصاً للدماء. فقد ولد فلاد في عام 1431م ، وحكم على فترات متقطعة منذ عام 1448م باعتباره الأمير وويود لإمارة والاتشي، التي هي القسم الجنوبي من رومانيا اليوم.
وكان يتناوش على نحو منتظم مع الإمبراطورية العثمانية، وملك المجر ماتياس كورفينوس، وجيوش مدن ترانسلفانيا الخاضعة لحكم الساكسون. وعلى الرغم من الانتصارات المهمة التي سجلها على العثمانيين، إلا أنه وقع في أسر كورفينوس، ثم قتل بعد ذلك في عام 1477م في إحدى معاركه التي تجددت مع القوات العثمانية.
كان فلاد يُكنى بِ «دراكيوليا» ـ وهي كلمة مشتقة من كلمة «دراجون» (تنين في العربية)، وهو اسم تدليل أطلقه عليه والده. وكان هذا الاسم يكتب بطريقة أخرى، «دراجوليا»، ويعني «من الحب» أو «الرجل المحبوب» ـ وهي معان لا تتناسب على الإطلاق مع رجل نشأت على يديه عادة بغيضة، حيث كان يقتل أعداءه على الخازوق. ومن هذه العادة اكتسب كنية «تيبيس» وتعني« المخوزق».
وتقول الروايات عن هذه الوسيلة القاسية للقتل والتي ابتدعها فلاد ـ والتي لم تكن في ذلك الزمن غير عادية أو استثنائية بأية حال من الأحوال ـ أنها أصبحت واسعة الانتشار أثناء حياة فلاد. ومن المرجح أن يكون كورفينوس قد تعمد إضفاء مسحة خاصة من التعطش إلى الدماء على وحشية فلاد، لكي يشبع ميل عامة الناس إلى تصويره كأمير شرير فاسد يقتل أعداءه على الخازوق.
ولقد عادت هذه الصور الذهنية عن فلاد إلى الحياة من جديد، وعلى وجه الخصوص في الغرب وذلك بهدف تصوير أهل شرق أوروبا وكأنهم شياطين. فمنذ القرن السادس عشر، كان القيصر إيفان الرابع ـ إيفان الرهيب ـ يدعى «دراكولا الروسي».
وعلى نحو مشابه، فإن الكونتيسة المجرية الترانسلفانية إليزابيث باثوري من القرن السابع عشر، والتي كانت تعذب الفتيات الشابات حتى الموت ثم تستحم في دمائهن اعتقاداً منها بأن هذه الدماء تحتوي على قوى علاجية شافية غير عادية، قد أسهمت كثيراً في الصورة التي كونها الغرب لأوروبا الشرقية باعتبارها مركز ظلمات النفس البشرية.
وقد استولى الرعب من مصاصي الدماء على أهل أوروبا على نحو متكرر في القرن الثامن عشر. ففي 1732م اجتاحت أوروبا أخبار حول رجل ميت من قرية صربية يقتل الآخرين أثناء الليل. وقيل إن جثته التي أخرجت من قبرها لم تتحلل. ثم طعنه أهل القرية في قلبه بوتد وأحرقوا جثته. وعلى الفور نُبِشَت قبور أخرى في أماكن أخرى من أوروبا ووجد أن الجثث الموجودة بها كانت محفوظة في حالة طيبة.
ولقد أدى هذا إلى نشوء تيار أدبي اهتم اهتماماً شديداً بمعرفة الصلة بين مصاصي الدماء، والخفافيش، والفراشات، والغربان، علاوة على مسائل أخرى. وتحول فلاد تيبيس إلى مصاص دماء على صفحات أكثر هذه الأعمال الأدبية شهرة، ألا وهي رواية «دراكولا» التي ألفها برام ستوكر في 1897م .
وكان ستوكر قد عكف على دراسة أسطورة مصاصي الدماء، كما تأثر بكتب التاريخ، ووصْف الأسفار والرحلات، والمستشرق المجري آرمين فامبري. ولقد ربط بين الأساطير الشعبية المتفرقة وبين شخصيات تاريخية بغيضة، وذلك بغية ترسيخ الصلة بين أوروبا الشرقية وبين الغموض والظلام في المخيلة الشعبية لأهل الغرب. وبهذا أيضاً أضحى الغرب يبدو وكأنه معقل المنطق والرشد في العالم.
وعودة إلى رواية «المؤرخ» فإننا نجد أن أحداثها الفعلية تبدأ في إحدى الليلي عندما تدخل فتاة شابة غرفة المكتبة الخاصة بأبيها أثناء غيابه المتكرر عن المنزل الذي يرجع إلى أسلوب عمله كدبلوماسي دائم التنقل والترحال بين مختلف المدن الأوروبية. وتجد الفتاة نفسها أمام كتاب قديم ومجموعة من الرسائل الخاصة بأبيها. تلك الرسائل مكتوب عليها أنها موجهة إلى «عزيزي الوريث غير المحظوظ» .
تلك الرسائل تتسبب في أن تدلف تلك الفتاة الشابة إلى عالم لم يسبق لها أن حلمت به في يوم من الأيام. إنه عالم مفعم بالأسرار الخاصة بماضي والدها والمصير الغامض الذي آلت إليه والدتها التي ماتت منذ سن��ات طويلة ولم يذكر لها أبوها شيئا عنها، حيث تجد الفتاة في هذا العالم ارتباطا شديدا بين ما حدث لأمها ولأبيها وبين أجواء من الشر الذي يقبع في قيعان التاريخ المظلمة.
تلك الرسائل تلقي الضوء على أكثر قوى التاريخ الأوروبي وحشية وإظلاما وعلى بحث يمتد إلى قرون من الزمن عن مصدر هذا الشر وكيفية التخلص منه؛ إنه الشر الذي يمثله فلاد المخوزق وشخصية دراكولا المرعبة.
إن «المؤرخ» رواية تدور حول قصة زوج وزوجته وابنتهما وجزء كبير من أحداثها يدور داخل المكتبات والمراكز الأرشيفية في عدد من دول العالم. أما الأساس الذي ترتكز عليه الرواية فهو كتاب قديم للغاية مرسوم على غلافه صورة تنين . في حين أن المحور الذي تدور حوله الأحداث هو الاختفاء اللغز لأستاذ جامعي.
وعلى امتداد سطور الرواية تأخذ المؤلفة في إفراد معلومات واسعة النطاق عن فلاد المخوزق وأسطورة دراكولا المرتبطة به. ومن أجل مضاعفة قدر الإثارة والترقب، تعمد الكاتبة على امتداد الرواية إلى إشعار القارئ أن دراكولا أو فلاد المخوزق لا يزال على قيد الحياة وأنه ما برح يطارد ضحاياه ولا يزال البحث عنه جاريا من أجل تخليص البشرية من شروره.
وبهذه الطريقة تحاول المؤلفة أن تأتي بالأسطورة إلى الحياة المعاصرة ولكنها لا تلجأ إلى تحقيق ذلك عن طريق الإثارة غير المنطقية وإنما من خلال سرد موضوعي ومقنع للأحداث قضت فيه أكثر من عشر سنوات لتخرج به الرواية بهذا الشكل الذي أشاد به النقاد والمحللون.
فكوستوفا وشخصياتها الموجودة في الرواية تتناول قصة دراكولا بشكل جدي للغاية. فليس هناك ذكر لكهوف أو معسكرات طوال أحداث الرواية التي تتعامل مع الموضوع ليس باعتباره أسطورة وأنما كواقع ملموس يتعين علينا التعامل معه. إن المؤلفة تتعامل مع مسألة وجود دراكولا على قيد الحياة باعتبارها مسألة حياة أو موت.
والقارئ للرواية يجد أن المؤرخ بول، الذي هو بطل الكتاب، يتحول إلى محور الرواية عندما يختفي معلمه البروفيسور روسي في إحدى الليالي من مكتبه أثناء قيامه ببعض الأبحاث التي تأتي به قريبا من اكتشاف مكان المقبرة الحقيقية لفلاد المخوزق ويكتشف المؤرخ أنه لا يوجد أي أثر للبروفيسور سوى آثار من الدماء على مكتبه وبقعة سوداء على المصيص الأبيض لسقف الغرفة.
و تتطور أحداث الرواية عندما يعتزم بول بمساعدة ابنة البروفيسور المختفي، التي كانت مترددة في بادئ الأمر، على البحث عن البروفيسور والعثور عليه حيا أو ميتا أو في أي حالة أخرى بين الحياة والموت كما تعبر مؤلفة الكتاب.
و على امتداد أحداث الرواية يكثر الحديث عن الذين لم يموتوا، بعد. وتعرض الكاتبة صورا معروفة للكافة للأفلام التي تتناول أسطورة دراكولا ومغامراته المميتة. كما يوجد ذكر لأماكن ساحرة في كل من كرواتيا والمجر ورومانيا وبلغاريا، فضلا عن الكثير من الشخصيات الغامضة مثل أمناء المكتبات التي تدور بين ردهاتها أحداث الكتاب. كما تلجا الكاتبة إلى أسلوب التزامن الغامض بين الأحداث وإلى الاختفاء الفجائي وغير المبرر للأشخاص وحالات القتل التي تحدث على أيدي قوى تظهر وتختفي من دون أن يراها أحد. و تبدو كوستوفا طوال أحداث الرواية مستمتعة بجوانب الجذب والغموض الموجودة في شخصية مصاصي الدماء.
ولذلك يجد القارئ أن هناك دائما تفصيلا للهجمات التي يقوم بها مصاص الدماء على ضحاياه في الفترة بين غروب الشمس وشروقها وتبين الكاتبة كيف أنه يمكن ردعه عن طريق الصليب أو الثوم، وكيف أنه يمكن تدميره إذا نجح الشخص في رميه بوتد يمر إلى داخل صدره وبشكل يميز الرواية عن أي قصة أو عمل آخر تناول حياة دراكولا أو مصاصي الدماء بشكل عام، فإن أدوات مطاردة دراكولا يتم وصفها بالتفصيل بشكل ممتع وجذاب لا يشعر معه القارئ بأي ملل من أي نوع.
و على الرغم من أن الكتاب يعتمد في المقام الأول على فرض أجواء الترقب والغموض على القارئ، حيث تظهر حتى أصغر الشخصيات بشكل مميز للغاية، إلا أن أقوى لحظات الكتاب هي تلك التي تقرأ فيها بطلة الرواية تلك السطور التي تحمل وصفا للطريقة التي يحرق فيها مصاص الدماء مجموعة من الأطفال أو تلك التي يقتل فيها عائلة بأكملها على الخازوق وعلى لسان بطلة الرواية تقول الكاتبة:«على الرغم من اهتمامه الكبير بتعليمي التاريخ، إلا أن أبي لم يخبرني شيئا من هذا القبيل.
إن اللحظات المرعبة من التاريخ حقيقية. أدرك الآن لماذا أخفى عني أبي تلك الحقائق لم يكن بوسعه أن يقول لي أي شيء عنها فالتاريخ وحده هو القادر أن يقنع المرء بصحة تلك الأشياء»و تعمد الكاتبة في نهاية الرواية الوصول بالقارئ إلى نهاية مريحة تشبعه نفسيا وعصبيا بعد التوتر الكبير الذي يقضيه مع أحداث الكتاب من بدايتها إلى نهايتها .و قد نالت الكاتبة إليزابيث كوستوفا إشادة كبيرة من أوساط النقاد عن تلك الرواية.
وفيما يلي بعض ما كتب عنها في عدد من المطبوعات المهتمة بالشؤون الأدبية:«أسلوب سرد رائع. أماكن خلابة، تاريخ مشوق، تعطش للدماء، من الصعب ألا يتأثر القارئ بكل هذا ـ « بابلشرز ويكلي»، «لقد كتبت اليزابيث كوستوفا كتابا مشرفا، مصاغا بشكل رائع وممتع للقارئ، والأهم من ذلك كله أنه كتاب طويل للغاية.
من الممكن أن يأخذه المرء معه إلى الشاطئ أو بين الجبال أو يصطحبه إلى أوروبا أو إلى منزل الجدة ثم يظل يجد فيه على الرغم من ذّلك كله روح القرن الواحد والعشرين»ـ « ذا واشنطون بوست»« أسلوب كتابي رائع على الرغم من الضعف الموجود في الجزء الأوسط منه.
الرواية مليئة بأجواء الإثارة والترقب، والقارئ دائما في حالة ترقب إزاء ما سيحدث لاحقا ففي ضوء كتابته في عشر سنوات، فإن هذا العمل يروق للغاية لتلك الفئة من القراء الذين يهوون الأعمال الأدبية التي تنطوي على قدر كبير من الغموض والسرية.
« ليبراري جورنال».الكتاب:المؤرخ
الناشر :ليثيل براون ـ نيويورك 2005
الصفحات :656 صفحة من المقطع المتوسط
حاتم حسين
TISTORIAN
ELIZABETH KOSTOUA
FITTLE BROAN
N.Y2005
P.656