من المكتبة العربية

سوسيولوجيا الجمهور السياسي والديني

ت + ت - الحجم الطبيعي

مؤلف هذا الكتاب هو د. خليل أحمد خليل، أكاديمي وباحث لبناني، صدر له العديد من الأبحاث في ميدان السوسيولوجيا والسياسة، منها: «العرب والقيادة»، و«العرب والديمقراطية»، و«نحو سوسيولوجيا للثقافة الشعبية»، و«المرأة وقضايا التغيير»، و«شيعة لبنان والعالم العربي»، و«التوريث السياسي في الأنظمة الجمهورية العربية المعاصرة».

ويبحث خليل أحمد خليل في كتابه الذي بين يدينا في سوسيولوجيا الجمهور السياسي والديني في بلدان الشرق الأوسط المعاصر، ويأمل في كشف واقع الجمهور الستلب والمستبعد عن مجال إنتاج سلطته، وبيان الأسباب الاجتماعية والسياسية التي تعطل دور الجمهور في الحداثة والديمقراطية والحرية والسيادة.

وعليه يجري تحليلاً لأدوار رجال العلم وأهل الفكر والرأي، بوصفهم قوة معرفية يمكنها أن تقدم للجمهور أفقاً حضارياً، مختلفاً عما يفرض عليه من أطروحات إيديولوجية وشعارات سياسية ـ دينية.

ووفق مقاربة إشكالية يتقدم رجل السياسة، بوصفه مقدساً سياسياً. بينما يتقدم رجل الدين، بوصفه مقدساً دينياً. وبناء على نمطية هاتين الصورتين لمقدسين مفترضين، يتصرف الجمهور حيال السياسي والديني، وكأن كل واحد فيه من عامة الناس «العاديين» يواجه شيئاً استثنائياً، فينتابه الخوف والرهبة منهما.

لكن واقع الأمر يكشف أن عمليات استلاب وتخدير وغسل دماغ تجري للجمهور في بلداننا العربية، تصبّ في مصبّ الخوف من السياسي والديني، فيفتقد إمكانية التعرف عليهما في واقعهما الاجتماعي، أي في سياقيهما التاريخي والسياسي، وذلك قصد جعله آلة تدار من طرف أعوان الحاكم ورجل الدين. يضاف إلى ذلك أنه في ظل هيمنة السلطة الشمولية بواسطة القبضة الأمنية تنتشر ثقافة الخوف من السلطان في مختلف أوساط المجتمع، وخصوصاً في الأوساط الشعبية والفقيرة.

ويوصف السياسي بأنه الرجل العام، أو رجل الدولة الموسوم - نظرياً - بسمة المدبر المسؤول عما يفعل أمام سائليه، أي مواطنيه، لكن في ظل اختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم في بلداننا العربية لصالح الحاكم فإن المسؤول لا يسأل عن أفعاله، حيث يمنع السائل من حق السؤال والمساءلة، بل ومن أبسط حقوق المواطنة وحقوق الإنسان كما أقرتها الأعراف الدولية.

أما رجل الدين، فهو رجل ذو امتياز خاص، يتجسد في خبرته في الدين أو بوصفه عالم ديني، تنهض وظيفته على ربط الدنيوي بالأخروي، أي ربط المدنس بالمقدس. وبالتالي فهو يقدس وظيفياً. وفي مقابل هذين الرجلين ينهض العالِم الحديث كاستثناء، من جهة ممارسته للعلم بعلم، مفترقاً به عن إدعاءات رجال السياسة والدين وإيديولوجياتهم وشعائرهم.

ويكتشف الجمهور، في الحياة اليومية أو في الممارسة العملية، أن رجل الدين ليس خبيراً بأمور الدين، ولا عالماً من علماء الدين، إلا في حالات استثنائية نادرة. وهو يشكل جزءاً من أجهزة السلطة وتركيبتها التي تقمعه وتقهره، وعلى استلابه وتعصبه للجهل تقيم استبدادها، الأمر الذيئيجعله جمهوراً مشتركاً بين طرفي السلطة: السياسي والديني.

ويقترح خليل أحمد خليل تصنيف الجمهور العام إلى عادي وخاص، حيث يندرج تحت مسمى الجمهور العادي عامة الناس في حراكهم الاجتماعي الخام، كما هو حال جمهور الناخبين المحتملين قبل ممارسة الاقتراع، وكذلك حال جمهور المؤمنين قبل ممارسة التدين، وأيضاً حال جمهور الرياضة قبل الانقسام إلى فريقين أو فرق. الأمر الذي يعني وجود جماعات كامنة، غير متشكلة الوعي والتنظيم .

أما الجمهور الخاص فينحصر في جزئية متفرعة من الجمهور العام العادي، وتتميز بعلاقة اجتماعية في مجال محدد، مثل: علاقة الزبون بالبائع، وعلاقة المريض بالطبيب، وعلاقة المتدين برجل الدين الذي يقلده، علاقة المتعلم بمعلم أو بعالم.. الخ .

وقد تكوّن الجمهور العام، العادي والخاص، في العالم العربي منذ بداية القرن العشرين وصولاًئإلى يومنا هذا، وسط ظروف وشروط ذاتية وموضوعية شكلت إطاره الاجتماعي وحددت نسقه المعرفي. لذلك تستلزم دراسة الجمهور سوسيولوجياً معرفة مرجعيته الاجتماعية ونظامه المعرفي ونسقه السياسي.

لأن المطلوب من الباحث السوسيولوجي اكتشاف معنى الجمهور وتعيين وظيفته، من خلال فهم آليات حركات الجمهور في العالم العربي عبر البحث تركيبته الاجتماعية، وتناول ديناميكية أو سكونيته وفق منهجية تربط بين مستويات الظروف والمعطيات المادية، بوصف الجمهور كتلة تاريخية، عضوية فعالة كما رأى غرامشي، وهو ينتج معنى وجوده من خلال معاناته.

وعلى المستويين، السياسي والديني، يقترن واقع الجمهور بخياله، إذ تُنتج له أيديولوجيات أو ثقافات قمعية وأخلاقية، الهدف منها غسل دماغه سياسياً. وهذا يجعل الجمهور ملتبس، منقسم، وحتى منفصم من داخله، حيث تتقاذف أنسجته الاجتماعية البدائية جرثومة العنف وجرثومة الخيال، مع استبعاد المعرفة النقدية، وكذلك استبعاد العلم الاختباري وتقنياته، مثلما هو الحال في المجتمعات الحديثة المعاصرة.

وهنا تتحول المشكلات الاجتماعية إلى عيوب، ينبغي التستر عليها في الخيال السياسي ـ الديني للجمهور. ما يمكن استخلاصه بخصوص واقع الجمهور في المجتمعات العربية، هو أنها بحاجة إلى أنظمة دامجة، تدمج الفرد في فئته أو بنيته الجماعية، وتدمج مجموع القوى الاجتماعية في نظام عام. ففي عصر التنظيم المادي الحديث للجماعات، تشكل الفوضى المصدر الأساسي لجنون القوة الذي يعانيه الجمهور العربي، الواقع بين إرهابيين، إرهاب الفكرة الدينية الواحدة المطلقة، وإرهاب الفكرة السياسية الواحدة المطلقة كذلك. ويظن الجمهور أن مشاكله قدرية،

بعدما غابت عن وعيه أسبابها السياسية. لذلك يلجأ إلى حلول لها في المجال الديني، ليدور في حلقات مفرغة. الأمر الذي ينتج عنه كسر أطره المرجعية المعرفية، إذ إن سجالاته لا تدور في مواقعها الاجتماعية، بل تنحرف إلى مواقع أخرى، حيث تمارس عليه التبعية أو الاستلحاق، والعبودية، ويصبح مستلب الشخصية، ومستلب الموقع أو الدور الاجتماعي.

إن الفرد من هذا الجمهور لا يتحول إلى شخص ثم إلى شخصية مستقلة، مميزة ومبدعة، إنما يتحول إلى مجرد رقم من أرقام الرعية. وتنهض عليه سلطتا السياسي ورجل الدين وفق توازنات قلقة، تعبر اجتماعياً عن توازن الضعف، ضعف الحاكم وضعف معارضة الجمهور أيضاً.

والسؤال المطروح هنا، كيف يمكن العثور على مواطن سياسي وسط هذا الجمهور؟ فالمقموع بسياسة سلطة دولته لا يمكن أن يكون مواطناً سياسياً، لأنه مواطن وطن آخر، يجده في المنفى، عبر الهجرة، أو يجده في الملكوت، أي العالم الآخر، أو القيامة. وفي كلتا الحالتين، لا يجد الإنسان نفسه في موطنه. وبالرغم من ذلك يتحدث بعض السياسيين والإعلاميين عن الساحة الوطنية، وعن الشارع العربي، كي يصفوا أحوال الجمهور، في ظل غياب مفهوم الوطن والمواطنة والدولة. مع أن المواطنين لا يمكن أن يخرجوا من وسط جمهور مستلب ومقموع مثل الجمهور في البلدان العربية.

ولا يجد خليل أحمد خليل أي معنى للهوية الوطنية بين أوساط الجمهور المأخوذ بين فئتين: الفئة الأولى هي فئة «العملاء» الذين يهيمنون عليه من الداخل، والفئة الثانية هي فئة أسياد العملاء، ممثلة بالقوى الخارجية التي تسيطر عليه من الخارج. وبالتالي لا وجود لمواطنين وسط هذا الجمهور إلا بالمعنى الرومانسي، أي بمعنى الانتماء إلى التراث، كماض أو كحنين إلى أصل ما.

بالمقابل، وعلى صعيد التكتل السياسي، يجد الجمهور نفسه مأخوذاً بين نظامين،ئالأول نظام سياسي يجيز الأحزاب، ونظام لا يجيزها، فيسمع الجمهور كلاماً عن الديمقراطية، ولا تقدم له نماذج ديمقراطية للحكم، ولا شخصيات ديمقراطية، فكرية وسياسية.

ويقوده البحث إلى التساؤل عن تجليات جنون القوة، التي عاناها الجمهور العربي و ما زال يعانيها، عبر إصابته بجرثومة العنف والتغالب، من دون توصل إلى حالة من اللاعنف، من التسالم أو السلم الأهلي. ويعزو ذلك إلى أن الديانات تقدم نفسها في العالم العربي من يهودية و نصرانية وإسلامية، على أنها رسالات توحيدية، مسالمة، تدعو إلى الألفة والمحبة.

بينما تكشف الأبحاث السوسيولوجية، غير الإيديولوجية، وجهاً آخر لهذه الديانات: الحروب، كتعبير عن جنون القوة والتعصب، والعنف المرتبط بالإكراه الاعتقادي. و هذا الاكتشاف يؤثر على ظاهرة تعصب الجمهور التي تستمد قوتها من التعصب الديني، القائم على استبعاد الآخر كمختلف، وبالتالي كموضوع خلاف و صراع. فبقدر ما يستبعد الجمهور من دائرة التنوير العلمي، يكون في مجتمعه الخاص تكوينا تعصبيا؛ و تاليا يكون لا متسامحا في سلوكه السياسي، وخصوصا في أدائه الديني - السياسي.

وبخصوص صلة الجمهور بالمؤسسات العامة للدولة، يجد الباحث أن الجمهور العربي هو خارج المؤسسة ـ الدولة تماماً، وأنه لا يشارك فيها إلا في المناسباتئالموسمية، حتى عندما تكون هناك مشاركة شكلية في أنظمة جمهورية، فإنه لا يندرج في سياقها إلا مقموعاً، مقهوراً.

ولا يمكن أن يتصل الجمهور بشكل فاعل في مؤسسات الدولة في البلدان العربية. ذلك أن السلطة هي فوق الجمهور، وهي تهيمن على الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، لذلك يسعى السياسي إلى تحييد الجمهور بكافة الوسائل، وجعله مكلفاً دينياً، وإيديولوجياً ميتافيزيقياً، ولا مواطناً سياسياً. إذن، ينشغل خليل أحمد خليل في هذا الكتاب بحال الجمهور، محاولاً سبر أغوار عقليته، وكاشفاً أدوار من تعاقبوا على استلابه، من رجال السياسة ورجال الدين، ومبيناً ضرورة تحرير الجمهور، بعدما أغرق في دمه.

ويقترح علمنة الجمهور، ذلك أن الدولة العالمة هي نتاج مجتمع علمي أو متعلم، والعلمانية مستقلة عن الايديولوجيات الدينية والسياسية. ويتخذ من تجربة لبنان مثالاً لدراسة تطور الجمهور وتطور النخبة في البلدان العربية، مختصراً نخبة الجمهور بالسياسي ورجل الدين، مع أن الواقع الاجتماعي يكشف تصنيفاً أكثر تنوعاً واتساعاً من هذا الحصر.

وبالتالي يتمحور السؤال حول كيفية تحرير الجمهور في البلدان العربية، الذي فُرض عليه الانغلاق في أنساق ماضوية معينة، بعدما انتفت السياسة، وتراجع الإجماع العام أمام مختلف الولاءات ما قبل المدنية. وبات يعيش في دولة المستلبين، لا في دولة المواطنين الأحرار، ليخرج من تدبير دنياه، ومن تحمل مسؤوليات، ويدخل في انفصام لا فكاك منه، واصلاً معارفه الدينية بمعارفه الحياتية، وكأنه يعيش في الدنيا وعقله في الآخرة.

عمر كوش

الكتاب: سوسيولوجيا الجمهور السياسي

الديني في الشرق الأوسط المعاصر

تأليف : خليل أحمد خليل

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات

بيروت 2005

الصفحات : 391 صفحة من القطع المتوسط

طباعة Email