مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب الصحافي المصري مجدي رياض الذي سبق له أن قدم مساهمات مهمة للمكتبة العربية منها «نقد جدل الانسان.. قراءة في فكر عصمت سيف الدولة» و«المقدس وغير المقدس في الإسلام» إضافة إلى كتاب «الإسلام والعروبة».
وهو في هذا الكتاب يحاول جمع وتصنيف مفردات العامية المصرية حسب موضوعات مختارة يهدف من ورائها الى وضع هذا القاموس في متناول القارئ الراغب في متابعة هذه المفردات، وفقا لمسرد أبجدي مما يسهل معرفة طبيعة العلاقة بين الفصحى والعامية وعلاقة الجدل بينهما.
حيث يؤكد الكاتب أن الخلاف بينهما «ما هو إلا خلاف صوتي لا خلاف لغوي» ذلك أن «الكثير من مفردات اللهجة العامية اليمنية مثلاً نجدها فيئاللهجة الصعيدية بل وحتى في القاهرية، وكذلك الأمر بالنسبة للهجة الشامية ثم هناك التنوع في اللهجات العامية داخل البلد الواحد، ففي مصر مثلا هناك اللهجة الصعيدية والدمياطية والسكندرية.. الخ»
الأمر الذي يؤكد أن «كل بيئة تخلق عامية خاصة بها لكننا اصطلحنا على أن الأعمال الفنية تقدم بالعامية العامة التي تجاوز وتعبر عن المجموع» وهي العامية القاهرية، ثم إن المتأمل في الخلافات في اللهجة بين الوجه القبلي والوجه البحري وداخل قطاع واحد منهما، كمحافظات الصعيد مثلا يجد صداها وتماثلها ـ كما يرى المؤلف ـ في تلك الاختلافات بين اللهجات داخل اليمن والجزيرة العربية وداخل القبائل وخط سير الهجرات التاريخية لمحافظات الصعيد إذا ما تتبعنا خطوط السير تلك وأصول هذه القبائل.
ويعي المؤلف ـ في إطار مقدمته ـ أن العلاقة الملتبسة بين العامية والفصحى تفرض سؤالا استفزازيا: هل ندعو الى قيام عدة لغات في ظل الاختلاف والتعدد داخل اللهجات؟!
ويرى المؤلف أن الإجابة المنطقية والبديهية لابد أن تكون متمثلة في رد الفروع الى الأصل أي بحث جذور مفردات تلك اللهجات في اللغة العربية الفصحى لا من حيث السهولة وتوفير الجهود الملائمة للملمة مفردات واقعنا المشرذم فقط بل من حيث طبيعة الأشياء وأصل الوقائع والحقيقة العلمية والتاريخية واللغوية، خاصة وأن الفصحى واللهجات المحلية من أصول لغوية واحدة.
وهنا يسارع المؤلف إلى اعلان رفضه الدعوة التي أطلقها لطفي السيد في صحيفة «الجريدة» عام 1913 ـ لتمصير العربية والارتقاء بلغة العامة الى الاستعمال الكتابي بإبطال الشكل وتغييره بحروف لينة وتسكين أواخر الكلمات وإحياء الكلمات العامية وإدخالها في صلب الفصحى.
ويعلن المؤلف هنا أن لغة الصحافة هي التطوير الضروري والوسطي ما بين اللغة المعجمية واللهجة المحكية أي تبسيط لغة الكتابة الفصيحة، كما لعب الأدباء في المسرح والرواية دورهم أيضا في هذا الأمر وعلى رأسهم نجيب محفوظ.
يقول المؤلف إن المعاجم الفصيحة ترى أن اللحن هو الخطأ في الإعراب وترك الصواب في القراءة والنشيد فاللَّهْجَةُ واللَّهَجَةُ: طرف اللسان. وإذا قيل فلان فصيح اللَّهْجَةُ واللَّهَجَةُ فيعني هذا ـ كما يشرح لسان العرب ـ لغته التي جبل عليها فاعتادها ونشأ عليها.
وفي الحديث: ما من ذي لهجة أصدق من أبي ذَرًّ، قال: اللهجة اللسان وفي نفس السياق نجد في القاموس المحيط باب الجيم: فصل اللام. لهج به، كفَرحَ: أُغْريَ به فثابر عليه بينما يؤكد مختار الصحاح باب اللام «لهج» أن اللهج بالشيء الولوع به وقد لهج به من باب طرب.
ويرصد المؤلف أن تعدد اللهجة قضية لا ترتبط فقط باللغة الفصحى الحديثة ذلك أن الإسلام نفسه وحد اللهجات العربية المتعددة في القرآن الكريم وفق لهجة قريش ورغم ذلك ظلت تلك اللهجات وبعض رسومها تفرض نفسها لا على الحياة اليومية فحسب ولكن ايضا على النصوص الأدبية بل وحتى في المعاجم اللغوية الموسوعية كلسان العرب مثلاً.
فعلى الرغم من أن الخيط الناظم للغة ظل ثابتاً وقوياً فإن صدى تلك اللهجات استمر حتى وقتنا، كما أن البحوث الحديثة أكدت على أن الألفاظ العامية «إما صحيحة قرشية وإما موافقة لبعض اللهجات العربية القديمة، وإما محرفة تحريفا يسهل معه ردها إلى الفصحى ومن ثم يخلص المؤلف إلى أن الفارق بين العامية والفصحى لم يبلغ شيئا يقترب معه من الفارق بين اللاتينية وما تفرع عنها من لغات أوروبية حديثة».
ويذكر المؤلف ـ في هذا الصدد ـ أن الباحث طنطاوي جوهري قال: إن العامية المصرية في معظمها عربية صحيحة والمحرف منها قليل وكذا الدخيل وأورد مائتين من ألفاظ العامة التي يهملها الكتاب، زاعمين أنها مبتذلة مع أنها عربية فصيحة واستشهد على صحتها بكتب متن اللغة واستعمالها في القرآن والحديث وأشعار العرب الموثوق في عربيتهم.
وفي هذا الإطار رأى المؤلف تصنيف مفردات هذا الوجيز الى ستة موضوعات أولها مفردات في الطريق والأحياء الشعبية، محاولا شرح معناها وردها الى أصلها مثل «الشرموطة» وهي قطعة القماش المهلهلة والبالية وتستخدم في التعبيرات السوقية والسباب للدلالة على المرأة الساقطة أخلاقياً.
أما لفظة «شلق» فجمعها «اشلاق» وهم سيئو الخلق والشلق مرادف للذعر والمراد به من يدخل الخوف في قلوب الناس بالتهديد والشتائم، وهناك «الحرافيش» ومفردها حرفوش وهو الجاني الغليظ المتهيئ للشر ومن معانيها أيضا الفقراء الذين يقعون فريسة للأوبئة والمجاعات أي المساكين أما «منسر» فجمعها المناسر أي السراق أو اللصوص الذين كثروا في القاهرة أثناء الفتنة التي وقعت عام 1399 ميلادية حتى صار في كل حارة مركز لهم، والمنسر الوحيد يتكون عادة من مئة نفر ما بين مشاة وراكب ومعهم عصى ونشاب وهذا يعني أنهم تجمعوا في شكل طوائف منتظمة فيصبح «شيخ المنسر» هو زعيم اللصوص والسراق.
أما «الشطار» فمفردها شاطر وهو المتصف بالدهاء والخبث وسعة الحيلة واللص الشاطر هو الذي يستخدم الحيلة في موضع الحيلة والقوة في موضع القوة و«الكوشك» يقصد به حوانيت من الخشب لبيع السجائر والحلوى والجرائد وهي كلمة معربة من «جوسق» في اللغة الفارسية والتي تعني قصراً أو حصناً وقد استخدمت كلمة «كوشك» في المعمار المملوكي للدلالة على غطاء من الخشبئله شكل معين أعلى دور قاعة السقف فيرد بالوثائق مسقف كشك وأسباط.. وهناك كلمة «البقشيش» بمعنى الهبة والعطاء والكلمة ذات أصل تركي تنطق بخشيش.
ثم ينتقل المؤلف لمفردات عامية الريف فنجد «يبخ» بمعنى يرش الماء بفمه أما «الخص» فهو مبنى صغير يصنع من سعف النخيل أو البوص وغالبا ما يكون في أطراف القرية وعلى الطريق الزراعي أو على جزء من الأرض المزروعة يأوى إليه الفلاح في الظهيرة، هربا من أشعة الشمس، و«الفلكة» كلمة تستخدم للدلالة على أداة لضرب العصا وخصوصا في الكتاتيب وهي عبارة عن حبل مربوط بعصا لتثبيت القدم عليه للضرب.
وبعد ذلك ينتقل المؤلف لقسم خاص يستعرض فيه مفردات في الأطعمة والحلوى فنعرف معه أن الـ «بلوظة» نوع من الحلوى تصنع من النشا والسكر وماء الورد الى جانب المكسرات والزبيب وتقدم في أطباق بعد تبريدها وتلوينها وهي قريبة الشبه بالمهلبية ويرى معجم تيمور أنها «الفالوذج» لكن العامية أرجعتها لأصلها الفارسي. أما الـ «بنزهير» فهو الليمون المصري الشهير والبنزهير كلمة فارسية معناها ترياق ضد السم وتطلق على ثمار الليمون المصري لأنه مفيد في التداوي من الأمراض.
أما «العاشورا» فهي حلوى شاعت في العصر الفاطمي وهي مكونة من القمح المقشور والسكر والزبيب واللوز والبندق، ويضاف إليها أحياناً الحليب وتقدم في أطباق بعد أن يتم تبريدها. أما «البوظة» فهي خمر شعبي يصنع من الشعير بعد تخميره وهو مشروب منتشر في الريف ويعتبر من أنواع الخمور التاريخية وقد ذكرها هيردوت في تأريخه لمشروبات قدماء المصريين.
ويفرد المؤلف فصلاً خاصاً لمفردات العامية المتعلقة بالمهن والعمل فنعرف معه «الأراجوز» وهو شخص تختفي يداه تحت ملابس تمثال صغير لرجل أو حيوان يمثل على مسرح صغير ويلقي الشخص الحوار ويحرك التمثال وهي مهنة قديمة جداً عرفها اليونانيون في القرن الخامس «ق.م» أما «المزاجنجي» فهو الشخص الذي يعمل في تجارة المخدرات بينما يقوم «المشهلاتي» بعمل التسهيلات المختلفة في مجالات متعددة مقابل مبلغ مالي متفق عليه وتستخدم ايضا للدلالة على الانسان المتزلف الذي يعرض خدماته لمرؤوسيه.
أما «الزار» فنجده في فصل خصصه المؤلف لمفردات العادات والمعتقدات وفيه نعرف أنه نوع من الاعتقاد الشعبي ينتمي الى عالم الشعوذة والدجل ويعتبر علاجاً بدائياً لكثير من الأمراض خاصة للنساء وظهر في مصر بدءا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولقى صدى واسعاً لدى الطبقات الشعبية ويعتمد «الزار» على فكرة إخراج الجان «الأسياد» من جسد المريض وذلك في إطار حفلة منزلية تدور في حلقة من الإنشاد بدقات أنغام محددة.
أما كلمة «جاب اليسرى» فهي تحريف لكلمة الأسرى ويقصد بها إحضار السيد البدوي وهو أحد كبار المتصوفين المصريين للأسرى من بلاد الفرنجة. أما «الهوجة» فيعرفها المصريون كنوع من الإنتفاضات والحشود الجماهيرية وأشهرها على الإطلاق ما يعرف بهوجة عرابي بدلاً من ثورة عرابي. ثم يخصص المؤلف فصلا آخر للمفردات المتعلقة بشؤون الأسرة فنجد تعريفاً لكلمة «طقس»ئوهو الشخص الأكول الذي لا يشبع ويستخدم كتعبير مجازي عن الشخص المتزوج والمتعدد العلاقات الجنسية.
أما «النقوط» فهو جمع نقطة ويقصد به ما يقدم من هدايا للعروسين أو من نقود للمغنيات والراقصات.
كما خصص المؤلف مفردات المنزل بفصل خاص نجد فيه لفظة «بِرَامْ» وهي عبارة عن قدر من الفخار يستخدم للطهي في الأفران الشعبية ثم قل إستعماله والآن بدأ في العودة إليه بأشكال مختلفة مع إنتشار الوعي البيئي نسبياً.أما كلمة «تَرْبِس» فمعناها أغلق الباب بالترباس وهو لفظ يرجح أن يكون أصله تركي «درباس» وقد صارت اللفظة تستخدم في معنى الإغلاق التام بشكل عام.
علي سعيد
الكتاب: القاموس الوجيز في مفردات
العامية المصرية
الناشر : دار الحمراء للطباعة والنشر
والتوثيق ـ بيروت 2005
الصفحات: 164 من القطع المتوسط