مؤلف هذا الكتاب هو مدير كلية برايتون في انجلترا وأحد المؤرخين المعروفين هناك، وفي أشهر كتبه السابقة نذكر كتابه عن رئيس الوزراء السابق جون ميجور، وكذلك كتابه عن (10) داوننغ ستريت: التاريخ الحي، وهو مكرس لتاريخ مقر رئاسة الوزراء البريطاني، وفي هذا الكتاب الضخم يتحدث المؤلف عن حياة الزعيم البريطاني الحالي: توني بلير.

معلوم انه نجح في الانتخابات لثلاث مرات متتالية. وهذا شيء نادر في تاريخ السياسة البريطانية. ومن البداية يقول المؤلف ما معناه: لقد ولد توني بلير عام 1953 في أدنبره عاصمة اسكتلندا. ثم درس في جامعة اوكسفورد.

وفي أثناء دراساته الجامعية كان يعزف على الغيتار ويحب الفن والموسيقى وبعد ان أنهى دراساته الأكاديمية في مجال القانون وأصبح محامياً تزوج فتاة تدعى «شيري بوث» وقد التحقت به في حزب العمال. ولكنها فشلت في ان تكون نائبة في البرلمان. ثم انضم توني بلير لاحقاً إلى الاتجاه الإصلاحي في الحزب.

وعندما مات «جون سميث» زعيم الحزب فجأة عام 1998 بأزمة قلبية اتفق توني بلير وغودردون براون على استلام قيادة الحزب. واتفقا أيضاً على ان يأخذ بلير رئاسة الوزراء وبراون وزارة المالية والاقتصاد. وعلى هذا النحو اقتسما السلطة العليا في انجلترا ولا يزالون.ثم يردف المؤلف قائلاً: وهكذا أصبح توني بلير رئيساً للوزراء عام 1997 عندما اكتسح الانتخابات القيادية في مواجهة زعيم المحافظين جون ميجور.

وفي أثناء السنوات 1997 ـ 2001 انخرط توني بلير في حرب كوسوفو ضد الفاشيين الصرب وعلى رأسهم ميلوسيفيتش.وأثبت بذلك انه قائد تقدمي ذو نزعة إنسانية فقد حارب المسيحيين الظالمين لصالح المسلمين المظلومين.

ينبغي العلم بأن توني بلير وصل إلى السلطة وعمره ثلاثة وأربعون عاماً فقط. وهو لا يزال على رأس انجلترا منذ ثماني سنوات ويقول أحد مستشاريه بان أكبر نجاح سجله هو تحديث حزب العمال وقيادته إلى النصر، ثم يتحدث المؤلف مطولاً عن طفولة توني بلير وعلاقته بوالده وعائلته ويقول: ان توني بلير هو ابن رجل قانون محافظ. وقد نشأ وكبر في اسكتلندا ودرس في المدارس الخاصة التي يدرس فيها عادة أبناء الأغنياء.

وبالتالي فقد كان متوقعاً ان ينضم إلى حزب المحافظين لا إلى حزب العمال بسبب أصوله العائلية والبرجوازية ولكن القدر شاء له مصيراً آخر لقد شاء له ان يكون في الحركة الاشتراكية الانجليزية والأوروبية وفي أثناء دراساته الجامعية عمق توني بلير مفاهيمه الدينية. فهو ينتسب إلى المذهب الانجليكاني المسيحي الذي يشكل الأغلبية في انجلترا ولكنه لم يكن قد تلقى تربية دينية في طفولته. ومع ذلك فقد أخذ يهتم بالدين ويدرسه كمؤمن متعقل بالطبع.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد ساعده على ذلك التقاؤه بمجموعة من الطلاب الذين يدرسون علم اللاهوت المسيحي فقد تناقش معهم مطولاً في شؤون الدين والعقيدة. ثم دخل بعدئذ معترك السياسة ولكن دون ان يفقد إيمانه أو اهتمامه بالدين.وانتخب نائباً عمالياً وهو في الثلاثين من عمره. وكان أصغر نائب بريطاني سناً.وبعد أن أصبح على رأس الحزب طلب من رفاقه في المؤتمر العام ان يتراجعوا عن الأفكار الماركسية وان ينتهجوا خطاً ليبرالياً.

وهذا ما دعي فيما بعد بالخط الثالث لتوني بلير: أي لا ماركسي شيوعي، ولا رأسمالي ليبرالي وانما بين بين، انه خط وسطي: خط العدالة الاجتماعية بالقدر الممكن ضمن نظام الاقتصاد الرأسمالي.

ثم طلب تغيير اسم الحزب فأصبح: حزب العمال الجديد.

كما طلب إلغاء المادة السادسة من دستور الحزب التي تقول بضرورة امتلاك الشعب لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل.

ينبغي العلم بأن المحرك الأيديولوجي لتوني بلير ليس هو الفكر التقليدي لحزب العمال البريطاني. وإنما هو إيمانه الديني بضرورة تحقيق العدالة والتسامح والنزاهة على هذه الأرض وفي الحياة اليومية ككل. يضاف إلى ذلك إلى أفكاره السياسية مستمدة من تجاربه الشخصية ومعاناته عندما مرض أبوه وكان عمره احد عشر عاماً فقط.

كما انها مستمدة من قراءاته ومطالعاته العديدة، وبخاصة قراءة كتب الفيلسوف الاسكتلندي جون ماكموري زعيم التيار الفكري المدعو بالديمقراطية الاجتماعية: أي الديمقراطية التي تهتم بالفقراء ومعاناتهم وضرورة مساعدتهم أو رفع مستوى معيشتهم.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ان توني بلير هو ليبرالي بمعنى القرن العشرين، وهو يعتقد أن الحكومة تستطيع أن تفعل بعض الأشياء وينبغي ان تفعلها، ولكن هناك أشياء لا ينبغي أن تتدخل فيها.ولهذا السبب فإن توني بلير لم يتراجع عن السياسة الاقتصادية الرأسمالية التي اتبعتها مارغريت تاتشر، ولم يتراجع عن سياسة الخصخصة للشركات التي رفض تأميمها باسم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الرأسمالية، ورفض إعادة الحقوق التي كانت تتمتع بها النقابات العمالية سابقاً.

وبالتالي فقد قبل بالرأسمالية وهو الاشتراكي العمالي، وقال بما معناه: ان اقتصاد السوق الحرة هو شيء لا يمكن المس به. وبالتالي فهو ليس اشتراكياً ثوريا، وإنما اشتراكي اصلاحي.

وعلى الرغم من اهتمامه بنجاح الشركات الانجليزية وتحقيقها للربح والفائدة إلا انه اهتم أيضاً بالشعب أو العدد الأكبر من الناس فساهم في تحسين الخدمات العامة لمصلحة الجميع، وساهم في رفع مستوى معيشة الناس الفقراء عن طريق فرض ضريبة خاصة على الأغنياء وتخصيص راتب الحد الأدنى للمعدمين من الشعب.

ثم يخصص المؤلف عدة فصول أخيرة في كتابه للتحدث عن سياسة توني بلير بعد ضربة 11 سبتمبر، ويقول بما معناه: عندما حصلت ضربة 11 سبتمبر كان توني بلير في مدينة برايتون يكتب خطابه في أحد الفنادق الكبرى من أجل إلقائه في مناسبة عامة.وفجأة تدخل عليه سكرتيرته وتقول له بأن شيئاً ما حصل في نيويورك.

فقد نطحت احدى الطائرات برج وول ستريت ولم يعر بلير أي انتباه للمسألة واعتقد انها مجرد حادث عرضي، نقول ذلك وبخاصة انه كان منهمكاً في وضع اللمسات الأخيرة على خطابه.

ولكن السكرتيرة عادت بعد فترة وقالت له بأن طائرة أخرى ضربت البرج التوأم للأول، وعندئذ قطع تأملاته وأحس بأن شيئاً ما يحصل في أميركا، وقرر بالتالي أن يختصر خطابه بقدر الامكان ويعود إلى لندن.

وكان قد أجرى اتصالاته مع بعض كبار مساعديه وعرف أن المسألة خطيرة جداً، وما ان انتهى من إلقاء خطابه وأدار ظهره للخروج حتى ضجت القاعة بالتصفيق، ثم توجه إلى المحطة لكي يأخذ القطار المقبل إلى لندن.

وفي أثناء ذلك كانت السلطة فارغة في عشرة داوننغ ستريت، بمعنى أن القيادة كانت غائبة كلها تقريباً، وقد خشي البعض من أن يحصل هجوم على لندن بعد نيويورك، ولكن بلير لم يكن قلقاً من هذه الناحية على ما يبدو، ولذلك اكتفى فقط بالتحدث مع رؤساء الأجهزة الأمنية، واتخاذ التدابير اللازمة ولكنه لم يأمر باتخاذ أي احتياطات استثنائية.

وشعر توني بلير بأنه سيواجه أكبر أزمة عالمية في حياته، بل ولم يحصل أن واجه أي رئيس وزراء بريطاني أزمة من هذا النوع منذ عهد «إيدن» وحرب السويس عام 1956.ومعلوم أن القادة السياسيين لا تُعرف أهميتهم أو صلابة أعصابهم إلا في أوقات الأزمات الكبرى، وقد أثبت توني بلير انه قائد كبير في هذه المناسبة الحاسمة.

ثم يردف المؤلف قائلاً: «وكان توني بلير أول قائد أجنبي يتصل به جورج دبليو بوش بعد الحادثة، وقد بدا له بوش مصدوماً، ولكن واثق من نفسه ومسيطراً على الوضع، وقال له توني بلير: ماذا تريد أن تفعل الآن؟ فأجابه بوش: لم يحن أوان الفعل بعد، أنا أفكر في طريقة الرد، والمهم أن تكون فعالة وليس المهم سرعة الرد، وقال له توني بلير: هذا تفكير صحيح وجيد وأنا موافق عليه.

ثم أردف بوش قائلاً: الشيء المؤكد هو أني لن أضرب فقط الإرهابيين، وإنما من يؤويهم ويدعمهم أيضاً. وبالتالي فالرد العسكري يحتاج إلى بعض الوقت لكي تتم التحضيرات له بهدوء. واتفقا على اسقاط نظام الطالبان الذي يحمي بن لادن، ولكن قبل ذلك طلب منه بوش أن يساهم في تشكيل التحالف الدولي حول الولايات المتحدة من أجل غزو أفغانستان فوعده توني بلير بأنه سيتحرك فوراً في هذا الاتجاه سواء على صعيد حلف الأطلسي أو الأمم المتحدة، أو بقية الدول المعنية في الشرق الأوسط، أو سواها.

وبالفعل فقد تحول توني بلير نوعاً ما إلى وزير خارجية أميركا، فقد طار إلى روسيا، والهند، والصين، وبلدان أخرى عديدة لكسب الدعم للمشروع الأميركي الهادف إلى إسقاط نظام طالبان وتفكيك معسكرات «القاعدة» هناك.

ومعلوم أن التعاطف الدولي مع الولايات المتحدة كان على أشده بعد تلك الضربة المؤلمة والغادرة صبيحة 11 سبتمبر، وقد شكر القادة الأميركان توني بلير كثيراً على موقفه المتضامن معهم إلى أقصى الحدود واستقبله الكونغرس بالتصفيق وقوفاً.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن علاقة توني بلير بالدين ويقول: لم يشهد مقر رئاسة الوزراء البريطانية في عشرة داوننغ ستريت رئيس وزراء مؤمناً مثل توني بلير. صحيح ان غلادستون كان مؤمناً جداً في نهاية القرن التاسع عشر، أي قبل مئة سنة بالضبط من وصول بلير إلى رئاسة الوزراء، ولكن الآخرين كانوا ملاحدة ولايخفون ذلك.

نذكر من بينهم ماكدونالد، واتلي وكلاهان.. إلخ وحده هارولد ويلسون كان يقول إنه اشتراكي لأنه مسيحي، فالإنجيل يدعو إلى العدل والإحسان: أي التعاطف مع الفقراء والضعفاء وهذا هو جوهر الفكر الاشتراكي.

الكتاب: بلير

تأليف: انتوني سيلدون

الناشر: فري بريس ـ لندن 2005

الصفحات :755 صفحة من القطع الكبير

Blair

Anthony seldon

Free press - London 2005

p.755